عمان- «القدس العربي»: بدت مفارقة بدلالة سياسية بالتأكيد: الحكومة الأردنية الجديدة برئاسة الدكتور عمر الرزاز تعتبر قراراً «إدارياً» من حجم صغير له علاقة بتحويل ومعالجة مرضى السرطان «منجزاً» أساسياً من ضمن 12 منجزاً تم تسجيلها وإعلانها بمناسبة مرور 70 يوماً على تشكيل الحكومة. الحكومة كانت قد وعدت علنا بـ16 منجزاً قبل عبورها حاجز الـ100 يوم التي ستنتهي بتقييم للهيكل الوزاري وبوضع خطة تنفيذية لمدة عـامين.
إنجازات… ورسائل
تفاخر الإعلام الرسمي خلال اليومين الماضيين بأن نسبة الإنجاز للوعود زادت قليلاً عن 62% من الإلتزامات قبل 30 يوماً على انتهاء المئوية اليومية. بمعنى آخر تريد الحكومة إبلاغ الرأي العام بأنها «جادة» وتسير وفقاً للبرنامج حتى وإن كان الامر لا يتعلق بالسياسات ولا المشاريع الاصلاحية الكبيرة بقدر ما يتعلق بإجراءات إدارية مشكوك بأن بعضها يمكن تسجيله فعلاً ضمن إنجازات وزارة الرزاز وبعضها الآخر عبارة عن «تراجع عن أخطاء» سابقة ارتكبتها حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي.
الحديث هنا عن إنجازات من الصعب الاحتفال بها شعبياً من صنف معالجة شكوى مرضى السرطان وتوفير 150 مليوناً من النفقات وتخفيض الرسوم والجمارك على سيارات الهايبرد وتدشين حوار لم يكتمل عملياً حول قانون الضريبة الجديد أو إعلان آلية تسعيرة المحروقات.
ثمة إنجازات أخرى تحدثت عنها الحكومة. لكن الإنجاز الأهم قد يكون تطبيق حد معقول من معايير الشفافية بمعنى الإلتزام العلني والتطبيق والتقييم. وهي نقطة يمكن تسجيلها لحكومة الرزاز في كل الأحوال وتدلل على إنتاجية ما نقل عن الملك عبدالله الثاني شخصياً بخصوص «طريقة الرزاز المختلفة في العمل» على أساس انها «بطيئة لكن عميقة». والعمق هنا لم يخدم الرزاز كثيراً لأن مزاج الشارع يزداد ترقباً وحدة عشية التحضير لورشة قانون الضريبة الجديدة وبعد الإعلان عن 12 منجزاً تعاطى معها الرأي العام ببرود.
وباعتبارها تمثل الحد الأدنى إدارياً من حكومة قفزت للواجهة على أكتاف الحراك الشعبي وحظي رئيسها بأقوى جرعة شرعية شعبية بعدما تسلم المهام من خلفه الدكتور هاني الملقي. هنا تحديدا يمكن اعتبار عملية «البحث عن إنجاز» علناً خطوة في سياق تسويق وترويج صيغة قانون الضريبة الجديد الذي انتهت منه الحكومة عملياً وبدأت الاستعداد لعرضه على البرلمان في دورة استثنائية صيفية يفترض ان تعقد ما بين الاول والرابع من شهر ايلول.
ما فعله الرزاز بإعلان نسبة الانجاز الحكومي هو رسالة يقول فيها بان تلك ستكون طريقته في العمل على الاساس العلمي. والأهم رسالة موازية تدلل على دخول الحكومة بذهنيتها الصافية هنا في مستوى الإشتباك مع قانون الضريبة الجديد على أمل ان يفسح لها الشارع هامشا من المناورة والحركة ما دامت تراقب ادائها وتمتثل لبعض تطلعاته. والاشتباك من الواضح أنه ينطوي على معركة ومواجهة بدأتها الحكومة فعلا بـ»تسريب» بعض المعطيات عن «خلافات» مع صندوق النقد الدولي مبكرة حول صيغة قانون الضريبة الجديد. وفقاً للتسريبات يطالب البنك الدولي ومجموعته المرتبطة بصندوق النقد الحكومة الأردنية بالرجوع إلى الصيغة التشريعية التي أقرتها وزارة الملقي وأدت إلى إسقاطها.
ويعرف الرزاز ومعه زملاء سابقون له في مؤسسة البنك الدولي بان تلك العودة لصيغة اسقطت حكومة في الأردن بمثابة «مهمة مستحيلة» وغير ممكنة وأقرب فعلاً إلى «انتحار سياسي» بعنوان العودة لمشهد حراك الدوار الرابع. وكان الرزاز نفسه تلمس صعوبة المشهد عندما أقر مرتين قبل أسبوع وفي جلستين مختلفتين بأن حكومته باتت قريبة من «قرارات غير شعبية».
«مفاوضات معقدة»
لا يمكن لسيناريو استعادة صيغة الملقي ان تمثل خياراً بالنسبة للرزاز وطاقمه، الأمر الذي يبرر ما تقوله الأوساط الوزارية المقربة من نائب رئيس الوزراء الدكتور رجائي المعشر عن «مفاوضات معقدة» وشيكة مع الصندوق الدولي الذي يتشدد الآن رافضاً التسهيلات التي تقررها صيغة القانون الجديد. المختصر الهادف هنا هو تلك الإشارات التي تثبت أن تسريب المعلومات عن خلافات مع صندوق النقد الدولي في وقت مبكر واستعداد الحكومة للاشتباك مع المانحين الدوليين حرصاً على «دفن» صيغة قانون الضريبة المسجل باسم الملقي قد يعبر عن «تكتيك» حكومي مسيس وعميق يحاول احتواء الشارع.
الفكرة هنا أن حكومة الرزاز وخلافاً لرغبتها اكتشفت أنها مضطرة بكل الاحوال لرفع نسبة ضريبة الدخل وبأنها قد تجازف بشعبيتها الجارفة لأن الشارع الأردني في مزاج يعترض على «أي رفع» من «أي نوع» كما يؤكد لـ»القدس العربي» رئيس التجمع الوطني للفعاليات الاقتصادية خليل الحاج توفيق. ولأن الواقع كذلك لا بد من «تزويق» قانون الضريبة الجديد ووضع ما تيسر عليه من «مكياجات سياسية وشعبية» ، الأمر الذي لا يعجب بالضرورة ولن بعجب صندوق النقد الدولي.
وبالتالي تصبح تسريبات تشدد الصندوق خطوة في الاتجاه التكتيكي لإظهار منسوب «النضال» الذي مارسته حكومة الرزاز حتى يقبل الشارع ومعه الصندوق بـ»تسوية» منطقية عنوانها الوقوف معاً في منتصف الطريق. بمعنى دفع الشارع للاحتفال لأن الحكومة فرضت نسبة أقل من الضرائب في المحصلة بالتوازي مع إقناع الصندوق الدولي بمقاربة جديدة أقل صخباً وتحت عنوان التأسيس لحالة «صحية» في الخزينة طالما اشتكى منها المبعوثون.
تلك قد تكون على الأرجح «صفقة العمر» بتوقيع حكومة الرزاز لتجاوز المنزلقات الضريبية والعمل على إرضاء الجميع قدر الإمكان.