الأردن: نجاح «خارجي» و«تراجع» داخلي

نفهم كل قواعد وأدبيات مقولة امساك العصا من نصفها عندما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية ومصالح الدولة الأردنية وسط إقليم مضطرب وامواج من صراع الاجندات.
لا أحد يدعي في الحالة السياسية أو الاجتماعية أو حتى الحزبية الأردنية قدرته على فهم التحولات التي تحصل بالمستوى الإقليمي والدولي.
قد تكون الثقة هنا مطلقة بالقيادة خصوصا وان عبقرية الادارة الدبلوماسية الأردنية نفذت بالبلاد تماما من موجة الربيع العربي وتداعياتها كما عزلت المملكة وشعبها الطيب عن تلك الاحتقانات الدموية المريضة سواء في العراق أو سوريا أو اليمن والخليج العربي.
لدى افصح الساسة والاعلاميين والمعارضين ملاحظات بسيطة على الاداء الدبلوماسي والخارجي قد يتكثف أغلبها في تلك المساحة التي تحتلها اسرائيل التي لازالت عدوا في وجدان الأردنيين وبعض منها يكثف كملاحظات تسجل بين الحين والآخر على منسوب ومستوى التبعية للولايات المتحدة وعلى الصمت المطبق عندما يتعلق الأمر بالنكران السعودي.
دون ذلك لا تطرح في الشارع الأردني أي اجتهادات تعارض أو تناكف في السياسة الخارجية بل تبدو الماكينة هنا بإقرار الغالبية مطلعة على التفاصيل ومنتجة وخلاقة في بعض الاحيان وتستطيع العبور بهذا البلد الذي ظلمته الجغرافيا ويفتقر للموارد ويواجه قلة الحيلة في بعض الاحيان.
هنا تحديدا وفي هذا المحور يمكن تفهم تلك المعلبات أو النظريات التي تتحدث عن انتاجية امساك العصا من منتصفها وعن مكاسب البقاء على مسافة واحدة من كل الاطراف.
في هذا المضمار يمكن هضم المقولة التي تتحدث عن النظر للنصف المملوء من الكأس وتجنب العبث وإيقاف الاستعراض على مؤسسات القرار والادعاء بالمعرفة والخبرة اكثر منها.
نعيد ونكرر في مضمار السياسة الخارجية لا يوجد في السوق الشعبية والحزبية الأردنية اكثر من ملاحظات بين الحين والآخر أو في أسوا الأحوال أسئلة عالقة بلا جواب مثل الأسباب الحقيقية التي دفعت الدولة الأردنية للارتهان إلى الغاز الاسرائيلي مثلا.
تلك «الكليشيهات» والمعلبات اللفظية يمكن ان تكون مقبولة عندما يتعلق الامر بالشأن الخارجي لكنها بالتأكيد تسقط من تلقاء نفسها عندما يصاب المحلل او المراقب الأردني بالفصام وهو يسأل نفسه عن تلك الفوارق غير المنطقية بين النجاحات النسبية في السياسة الخارجية و الاحتراق الواضح للعيان داخليا حيث لا تتقدم البلاد لا بل تتراجع بإجماع وتوافق حتى اركانها من طبقة رجال الدولة.
الفرق بين السياسة الخارجية والداخلية في الأردن اصبح واحدا من الأسرار العظمى التي لم يعد من الممكن اخضاعها للمنطق فعندما يرصد الشأن الداخلي على مستوى الحكومات التنفيذية وطبقة رموز الادارة يقف الانسان وجها لوجه امام كل مظاهر الخلل التي يمكن التحدث عنها او توقعها.
طبعا ثمة نجاحات من الانصاف الاشارة لها في بعض القطاعات مثل الطاقة والمياه مثلا لكن حجم التراجع كبير في الاتجاهات الاخرى.
على سبيل المثال وليس الحصر ازمة ادوات الحكم والادارة والتمسك الشديد بآلية المحاصصة المقيتة في الوظائف العليا أمراض مزمنة دفعت البلاد مجددا لأبعد مسافة ممكنة عن مدنية الادارة والدولة بالرغم من تشكيل عشرات اللجان الاصلاحية وبالرغم من وثائق تدعو لتمدين الإدارة والمجتمع والعودة لصيغة مدنية الدولة وهيبة القانون والمؤسسات وهو الملف الذي يهتم به بصفة خاصة الملك عبد الله الثاني من خلال الاوراق النقاشية.
الموقف الرسمي من اوراق الملك النقاشية تحديدا ينتج الغرابة والغموض لأن الناس في الشارع والنخب في المعارضة تقول علنا وسرا بان مضامين هذه الاوراق النقاشية الملكية هي نفسها مضامين العمل السري أيام التحول الديمقراطي عام 1988.
سمع القصر الملكي مؤخرا مباشرة من إحدى الشخصيات الليبرالية البارزة كلاما عن أمنية في غاية البساطة تتمثل في ان يقرأ موظفو الدولة العامون والمسؤولون والوزراء والضباط اوراق النقاش الملكية مجرد قراءة بعدما قرأها الشارع وصفق لها لا بل تمنى تحويلها إلى برامج تنفيذية.
تلك مفارقات بطبيعة الحال لا يمكن رصدها الا في الحالة الادارية الأردنية خصوصا وان صدر الدولة والحكومة يضيق احيانا بمثل هذه الآراء الأخرى مع ان القناعة متكرسة بأن الرؤية النقدية اساسية في منهجية الاصلاح فهي التي تقود إلى مراقبة الامور وتحسينها والعودة للمنهج الرسمي الاساسي.
يقول محدث بارز ما يلي: اخشى اننا وصلنا عندما يتعلق الامر بإدارة الملفات الداخلية إلى حالة من الصعب التراجع عنها فالواقع العشائري يتكرس والمحاصصة لازالت تضرب كل مواطن الكفاءة والمهنية والانتاج والدولة لازالت تتصرف بطريقة رعوية والحديث عن الاصلاح السياسي يتحول إلى اوراق تنضم إلى المتحف هنا وهناك.
ثمة سؤال يتجول بكفاءة وبخجل بين جميع الأردنيين في ظل الوضع الاقليمي الدقيق والحساس والتحديات الاقتصادية والأمنية التي تفرض نفسها على المملكة: لماذا لا تستعين مؤسسة القرار بطبقة رجال الدولة والمفكرين والمثقفين والمهنيين لاجتياز المرحلة باقل الخسائر؟ الاصرار على طرح هذا السؤال قد يودي بصاحبه لأنه لا اجابة شافية في احد اغرب المشاهد الأردنية وأكثرها غموضا عندما تفرض نفسها لحظة الفصام التي اشرنا اليها تحت عنوان المقارنة بين نجاحات الشأن الخارجي وتراكم الاخفاقات في الشأن الداخلي.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن: نجاح «خارجي» و«تراجع» داخلي

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية