عمان- «القدس العربي»: بسام البدارين قد تبدو حمى الخلاف والإنفعال التشريعي في الحالة الأردنية في نطاق التوقع ما دامت النخب السياسية قد وصلت إلى قناعة باستحقاق يتطلب فعلاً هذه المرة لا قولاً تدشين مرحلة طهي التشريعات المنضوية تحت لافتة الإصلاح السياسي.
منسوب الإنفعال بين مراكز القوى الكلاسيكية في إدارة الدولة ومؤسساتها والنخب التي اعتادت على اللعب وصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال الشهرين الماضيين بعدما تلمس سكان الطبقات العليا حرص المرجعية الملكية على التفاصيل والمتابعة دون وجود شروح أو توجيهية شاملة توضح خلفية وحقيقة ما يجري.
الانطباع يتكرس وسط النخب الناشطة برلمانياً على الأقل وبعض الدبلوماسيين الغربيين المراقبين بأن الفرصة أصبحت مواتية أكثر- لأسباب تعلمها القيادة ـ لنفض تشريعات الإصلاح السياسي وإنجاز قفزات نحو مشاريع مثل الحكومة البرلمانية ودون سابق إنذار.
مؤسس المبادرة البرلمانية الدكتور مصطفى الحمارنة يعتقد أن الاتجاه نحو الإصلاح فيه مصلحة لجميع الأطراف وينبغي عزله عن الوظائف السياسية فالوطن والمواطن والدولة في رأيه يحتاجون للإصلاح والتنمية السياسية ينبغي ان تقفز وتتطور لخدمة منهجية المواطنة وبعيدا عن الحسابات الضيقة أو المعلبة.
على الوزن نفسه من الكلام السياسي العميق يصادق المفكر السياسي البارز عدنان ابو عودة على الرواية التاريخية للأحداث وهو يشير إلى أن ازمة النظام العربي برمته تكمن في نقطتين أو مسألتين اساسيتين هما المواطنة والتعددية السياسية.
يرى بعض الساسة بان الحاجة ملحة لتطوير آليات وفهم الواقع بمعنى وجود أجندات سياسية في ذهن القرار المرجعي تتطلب الإنفتاح السياسي الأمر الذي يستنسخ تجربة عام 1989 عندما قرر الراحل الملك الحسين بن طلال إطلاق عملية التحويل الديمقراطي وإجراء انتخابات برلمانية حرة وتعليق القوانين العرفية تفاعلاً مع أزمة اقتصادية حادة .
في بعض الأروقة الدبلوماسية الغربية تحديداً وفي عمق بعض دوائر القرار وتحديدا الاقتصادي يتحدث كبار اللاعبين عن أزمة اقتصادية ومالية حادة قد تتطلب العودة لجرعات الإنفتاح السياسي بمعنى أن الضيق الاقتصادي يدفع الدولة والنظام لحقن الشارع والمجتمع بجرعات إضافية من التمثيل والمشاركة والحريات العامة إلى حد كبير يتفق مطبخ الإخوان مع هذا المنطق فرئيس الطاقم السياسي في الحركة الإسلامية الشيخ مراد العضايلة قال امام «القدس العربي» بان الجو محتقن جدا والوضع الاقتصادي صعب وحساس والظرف الأقليمي معقد وهي مشاهد ثلاثة برأي العضــــــايلة تعــني الحاجة الملحة وطنيا لتنفيس الاحتقان الاجتماعي ولتعزيز مستوى الراحة والاسترخاء في الحياة العامة. لا يخفي عضايلة ورفاقه في التيار الإسلامي تقييمهم بأن القرار الجريء المتمثل في التخلص من قانون الصوت الواحد الانتخابي قد ينطلق من هذه المبتعثات التي تحدد ملامح الاستعصاء الإقليمي والحاجة الملحة لترييح الجو العام المشحون بكل العواطف .
تلك قد تفسر في رأي خصوم الإخوان المسلمين على أنها خطوة على الاستثمار للحظة والعزف على متاعب مؤسسة القرار الأقليمية خصوصا بعدما تم إبعاد الأردن عن المطابخ الرئيسية في الأقليم في العراق وسورية وحتى في ملف القدس في الوقت الذي اخفقت فيه بوصلة العلاقات مع السعودية في احتواء المخاوف الاقتصادية والمالية .
في كل الأحوال وبصرف النظر عن الاتفاق مع قراءة الإخوان المسلمين ثمة اجماع وسط النخبة بان اللحظة الراهنة تتطلب الاسترخاء السياسي الداخلي وبان اجواء الإنفتاح السياسي أو حقن المجتمع بجرعة قوية من الإصلاح تقررت اصلا لاعتبارات لها علاقة بالأمن القومي والأقليمي وبالمجسات التفصيلية التي تستشعر الهواجس لأجهزة النظام ومؤسساته .
تم التعبير عن ذلك من خلال القرار الملكي المفاجئ بدفن صيغة الصوت الواحد الانتخابية وبالتسارع في إنجاز قانون يطور التعددية الحزبية وبراد قانون اللامركزية بعدما نزعت القوى المحافظة الدسم المطلوب منه .
هذه التشريعات هي محور عملية الإصلاح السياسي التي يناكفها رموز بارزون في المستوى البيروقراطي. فلقد كان لرئيس مجلس الأعيان عبد الرؤوف الروابدة موقف واضح ففي حزب جبهة العمل الاسلامي شكك زعيم تيار الاحزاب الوسطية عبد الهادي المجالي بالخطوات المعنية بملف الحكومة البرلمانية .
سبب مظاهر الإنفعال في تتبع وقراءة هذه التشريعات هو غياب المعلومة وعدم معرفة ما الذي يجري خلف الستارة والابواب فكبار الساسة والمشرعين لا تتوفر بين أيديهم أجوبة على الاسئلة وما يتضح لجميع الأطراف ان جرعات الإصلاح التشريعي والسياسي تعد البلاد عموما لاستحقاقات قد تكون إقليمية لكنها غامضة الملامح على الأقل بالنسبة للنخب السياسية الموجودة .
هنا عبر الإنفعال عن نفسه بعد اشكال فالحكومة قدمت للقصر الملكي قانونا للانتخاب ليس هو القانون الذي أمرت به المرجعيات لاحقا والذي تبنته الحكومة بطبيعة الحال قبل ان يلمس مخضرم من وزن الروابدة هذه المفارقة فيطرح السؤال المنتج للإشكال عن هوية وغياب الأب الشرعي للقانون الانتخابي الجديد .وبالتزامن مع ذلك تسارعت المصادقة على قانون الاحزاب رغم ان الحكومة كانت تستدرك وتماطل .
وبالتزامن أيضا برزت بعض مظاهر الخلاف والفوضى في نقاشات قانون اللامركزية فانتهى الأمر باستخدام الملك لصلاحياته ورد القانون في خطوة تظهر متابعة القصر للتفاصيل قبل ان تنضج الاستفسارات عن تغيير وشيك قد لا يتجاوز بداية الاسبوع الحالي في تشكيلة وتركيبة المطبخ التشريعي .