عمان ـ «القدس العربي»: لا يمكن الرهان على نجاح أو فاعلية أو كفاءة أي محاولة للتدخل في الانتخابات الأردنية المقبلة والوشيكة بصرف النظر عن العناوين والمبررات والمسوغات.
الخوض في رهان من هذا النوع يعني المجازفة مجددا ليس فقط بسمعة البلاد والدولة ومصداقية العملية الانتخابية ولكن في حالة من الفوضى أيضا يمكنها ان تزيد من مستوى الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي وان توسع دائرة المشاعر المضادة للإتجاه الرسمي في كل القضايا خصوصا إذا افتقرت عمليات التدخل إلى الحكمة والحنكة والمهارة والمهنية كما هو متوقع. الإيقاع الذي تمكن الإخوان المسلمون من فرضه على الدولة والمجتمع والواقع السياسي بغزوتهم الشرسة للانتخابات ينتج صنفا من أصناف الهواجس والمخاوف.
لكن هذه الهواجس ينبغي ان لا تتحول بعد الفشل في إدارة العلاقة مع الإخوان المسلمين إلى قرارات أو إجراءات متسرعة تؤذي الذات الوطنية وتدمر ما بقي من مصداقية الانتخابات في وجدان الناس أكثر بكثير من التفاعل مع تحرشات بعض رموز الإخوان المسلمين ومناكافاتهم.
الأنباء التي تنقلها بعض مؤسسات الرقابة المدنية سيئة للغاية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالعبث الصامت وغير المبرر خارج القانون في سجلات الناخبين بعد ان اكتسبت الصفة القطعية.
الهيئة المستقلة للانتخاب تصدرت خلال الأسابيع الماضية وكشرت عن أنيابها واتخذت قرارات مهمة وإجرائية عميقة تكشف الالتزام بالقانون والإحساس بالمسؤولية والرغبة في إعادة بناء منظومة نزاهة الانتخابات.
المؤمنون بالهيئة ودورها الآن يخافون على هذه الصورة الإيجابية من ضغوط هنا وهناك تحصل وترصد من بعض مراكز القوى المحافظة ومن اجتهادات منفلتة داخل المستوى الرسمي يمكن ان تعبث بالنسبة التي استعادتها الهيئة وهي تضرب على صدرها لتثبيت وتأكيد التزامها بانتخابات نظيفة.
الظرف لا يسمح بالعبث في هذا المنطق، وثمة احساس عند بعض المراقبين ان شيئا ما يحصل خلف الستارة أو»بدأ يحصل مؤخرا» ومستوى الارتياب هنا ببساطة يزيد لأن الهيئة تمتنع عن التعليق على التقارير الرقابية التي تتحدث عن عملية غير قانونية تجري تحت عنوان تنقيح سجلات الناخبين بعد ان اكتسبت بموجب القانون صفتها القطعية. عدد الناخبين أصلا أصبح علنيا وملزما والأرقام استخدمها حتى الملك عبد الله الثاني في دعوته الناس للمشاركة في الاصلاح والتغيير عبر الانتخابات.
من هنا يمكن التشكيك مسبقا بتلك التكهنات والأقاويل التي تتحدث عن زيادة خلف الكواليس في عدد الناخبين، فالمشهد هنا في ظل الافصاح الرقمي المسبق لا يبدو مقنعا وان كان الضغط الذي يسببه الإخوان المسلمون على الأعصاب المشدودة في غرف القرار كبير بعدما اكتشف الجميع ان الحركة الإخوانية قررت السبق والاحتمال وتجاوز أي محاولة لإعاقة مشاركتها في الانتخابات، الأمر الذي يؤشر على حسابات مقلقة رسميا تحت عنوان الحصة وعدد المقاعد المتوقعة.
الثابت الوحيد والغريب في مواجهة النفوذ المتوقع للإخوان المسلمين انتخابيا يتمثل في الاقرار بعدم وجود قوى حقيقية تناجزه وتنافسهم في الصناديق ويمكن ان تكون قوى محسوبة على الدولة والنظام.
المشهد يزداد تعقيدا لأن أصوات الثقل العشائري مشتتة اليوم بسبب صيغة النظام الانتخابي الجديد وبالتالي لا يمكن الرهان عليها في انجاز أو إنتاج أي توازن في مواجهة الإخوان.
الثابت أيضا ان من يملكون المال يتحركون بنشاط في الساحة وسيشكلون القوة الثانية غير المسيسة والاعتباطية بعد الحركة الإسلامية في برلمان 2016 وذلك بحد ذاته ينطوي على تعقيد لا يمكن اسقاطه من الحسابات، لان رموز المال السياسي والمقاولات الذين يهاجمون بكثافة أيضا دوائر الانتخابات لن يعترفوا يوما للدولة بفضل عليهم ولانهم في كل الأحوال بعد النجاح واختراق سلطة التشريع سيتحولون كما حصل في الماضي إلى مراكز قوة وثقل تدافع عن مصالح رأس المال وتتميز بكسل التشريع الجديد وغياب الثقافة السياسية ما سيؤدي إلى حالة غريبة قوامها الإخوان المسلمون وحلفاؤهم وحدهم في ساحة الفعل التشريعي والرقابي وهو أمر مربك لأي حكومة.
ثمة ثابت ثالث أكثر غرابة وتعقيد فبعض الجهات الرسمية تتحرش مسبقا وبدون مبررات واضحة بعدد كبير من المرشحين الذين يمكن تصنيفهم أصلا باعتبارهم أبناء الدولة والنظام. لا أحد يعرف حتى الآن لماذا وبصورة محددة يحصل ذلك ولأي غرض يتم قصدا إخلاء الساحة لأصوات الإخوان المسلمين واتجاهات الضد والمال السياسي فقط.
في السياق تتعدد الروايات والسيناريوهات عندما تروى الحكاية، لكن الواضح ان طبقة لا يستهان بها من كبار المرشحين والشخصيات الوطنية حرمت من خوض الانتخابات وانسحبت من المواجهة رغم الحاجة الملحة لها في مواجهة المعارضة والضد دون ان يفهم الرأي العام لماذا حصل ذلك أصلا.
عليه ما زال المشهد غامضا ويتطلب المزيد من التحذيرات لان تجربة التدخل غير المباشر من شخصيات بارزة ورسمية في تركيبة القوائم وإجراء مناقلات بين حشواتها لا يمكن اخفاءها لوقت طويل.
وأيضا لأن تجارب سابقة سلبية جدا حصلت عندما تمت الاستعانة بقطاعات محددة لضرب الإسلاميين في نقابة المعلمين تحديدا وبصورة تثبت ان الموظف الرسمي بصرف النظر عن موقعه ليس مضمونا في جيب المسؤول أو السلطة وهذه في حد ذاتها مسألة في غاية الحساسية تحتاج لبحث آخر.
بسام البدارين