الأردن والحبل المشدود: أمريكا تنتقد «القصور» والسؤال «الأمني» يتجول بين الناس واعتقال «أمجد قورشة» رسالة للجميع

عمان ـ «القدس العربي»: الخيط أو الحبل الفاصل بين مكافحة التطرف وحرية الرأي والتعبير دقيق وحساس ومشدود في بلد كالأردن وسط اجتهادات لا توافق على أي تسهيلات من أي نوع حتى تحت لافتة حرية الرأي والتعبير عندما يتعلق الأمر بالآراء التي تحث على الجهاد أو حتى الكراهية.
محكمة أمن الدولة الأردنية تقف الآن وفي القضية المتعلقة بالداعية الإسلامي الشهير الدكتور أمجد قورشة على ذلك الخيط المشدود وتمارس واجباتها بأمر سياسي.
رغم اجماع نشطاء الحقوقيين والسياسيين على رفض محاكمة اي مواطن مدني إلا بمحكمة مدنية إلا ان الشارع الأردني يبدو متفهما لخضوع الدكتور قورشة لمحكمة أمن الدولة. فالرجل أصولي ومتشدد وله جمهور متشدد عندما يتعلق الأمر بتلك المساحات الفارقة ما بين الدعوة للإسلام بمنهجية وسطية والتنظيرات التي تدعم الجهاد دون ان تستثني ما يصنف رسميا وقانونيا بجرائم الإرهاب في العراق وسوريا.
يميل البعض اليوم لاعتبار الدكتور قورشة وهو داعية شاب ومدرس جامعي مثير وإشكالي ضحية جديدة لصوت قمع حريات التعبير والفكر تحت يافطة مكافحة التطرف الذي يساند الإرهاب.
آخرون في التيار العلماني الليبرالي صفقوا لخطوة محاكمة قورشة باعتباره رمزا صارخا في مساندة الإجتهادات الدينية الأكثر تطرفا، رغم انه لا يساند بالصورة المباشرة تنظيمات جهادية محددة في العراق وسوريا أو أي مكان ثالث رغم عمله العلني والنشط في الاتجاه المضاد لدور بلاده في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة.
قورشة وبعيدا عن وجهتي النظر يمكن اعتباره المؤشر الحيوي على بداية مرحلة جديدة ضمن إطار ما يسمى بمواجهة التشدد والتطرف في الأردن.
رغم ان المدرس الجامعي الشاب المثير للجدل ناشط على وسائط التواصل ويطرح اجتهادات فيها الكثير من المناكفة والمعارضة وتحتمل الالتباس إلا ان اتخاذ قرار توقيفه وتحويله لمحكمة عسكرية بصرف النظر عن التهمة قرار سياسي بامتياز والأهم أنه ينطوي على رسالة سياسية موجهة لعدة أطراف.
آراء قورشة مستمرة كما هي منذ أكثر من خمس سنوات. طوال الوقت احتفظ بوظيفته كمدرس في كلية الشريعة بأم الجامعات الحكومية. وطوال الوقت والسنوات الأخيرة يطالب مثقفون علمانيون باعتقال قورشة وتوقيفه ومحاكمته والحد من نشاطه الدعوي المثير للجدل.
ويحصل ذلك طوال الوقت دون ان تتخذ السلطات قرارا أو تستجيب.
السؤال اليوم .. لماذا الآن؟ وما هو الجديد؟.. المستجد الأبرز بسيط من باب التحليل وفي رأي واجماع العديد من المراقبين، فقبل اسبوعين فقط انشغل الأردنيون جميعا بتداعيات الاعتداء الإرهابي الذي حصل بمحاذاة منطقة مخيم البقعة حيث قتل ذئب منفرد خمسة من عناصر المخابرات في حادثة غامضة قرر فيها الإدعاء حظر النشر ولم تبرز تفاصيلها بعد.
في الجوانب التقنية والأمنية والسياسية صدمت هذه الجريمة كل مستويات القرار الأردني، وأحدثت تداعيات أكبر بكثير من الحادثة نفسها، ليس لأنها كشفت عن مظاهر التقصير الغريب أمنيا وغير المألوف فقط، ولكن لأنها حادثة استفزت مرجعية القرار الأردني وجميع المؤسسات ودفعت باتجاه التفكير جديا بسؤال الموقف التكتيكي من مسألتين هما، أولا الذئاب المنفردة والتحريض على العنف والجهاد في المجتمع ثانيا.
بالتزامن يمكن ببساطة ملاحظة ان داعية من طراز قورشة أوقف رسميا قبل الانتخابات العامة وبعد أقل من 48 ساعة على صدور ونشر تقرير أمريكي لا يقل غموضا يتحدث بالتفاصيل عن مظاهر القصور الأردني في مواجهة التطرف والتشدد الديني.
لا توجد أدلة مباشرة لكن توجد قرائن تربط بين رسالة توقيف ومحاكمة الدكتور قورشة والملامسات الحرجة التي يؤسسها التقرير الأمريكي الرسمي.
التقرير الأمريكي يتحدث عن ثلاث نقاط محرجة وحساسة أولها عدم وجود تنسيق بين الأجهزة والمؤسسات الأردنية عندما يتعلق الأمر بالتطرف ومكافحة الإرهاب، وثانيها عدم وجود كوادر وموازنات تؤدي إلى تطبيق الاستراتيجية المعنية بمكافحة التطرف في الأردن وهي الاستراتيجية التي ينص التقرير على انها سلمت عام 2014 للإدارة الأمريكية علما أن الأوساط الوطنية والداخلية الأردنية لا تعرف عنها شيئا كما قال الدكتور عامر سبايلة في مقال نشرته صحيفة «جوردن تايمز».
ثالثا يتحدث التقرير الأمريكي عن عدم وجود خطط حقيقية ومخاوف من عدم وجودها بشأن التطرف في الأردن.
ليس سرا ان تقريرا يصدر عن الخارجية الأمريكية وعن الدولة الحليفة للأردن ينطوي بدوره على رسائل سياسية من طراز غامض أيضا.
وليس سرا في المقابل ان منطوق ومضمون هذا التقرير يسمعه الأردنيون اليوم على لسان رموزهم ومسؤوليهم وحتى على لسان بعض الوزراء الذين يخفقون فعليا في وضع برنامج تنفيذي تطبيقي قابل للحياة ويحظى بغطاء سياسي تحت عنوان برنامج مكافحة التشدد والتطرف.
عليه نتحدث عن عاملين دفعا نحو إعلان تدشين اتجاه جديد في بلد مثل الأردن تقوم ثقافته البيروقراطية على أساس ديني. العامل الأول داخلي ويحاول الإجابة على عشرات الأسئلة العالقة التي تسببت فيها عملية البقعة الإرهابية.
وهذه التساؤلات في الواقع لا تدور فقط في أذهان الناس والمواطنين العاديين، بل تطرق كل أبواب المسؤولين ورموز وغرف القرار، لأن التمكن من قتل خمسة عناصر داخل مقر أمني في منطقة ملتبهة ومن قبل شخص واحد عمره لا يزيد عن 22 عاما كان موقوفا أصلا في المقر نفسه هو حادث مفصلي وتاريخي ليس من النوع الذي يمكن التواطؤ بيروقراطيا على تجاهله.
العامل الثاني هو الخارجي والأمريكي والمنسجم مع تنامي شعور الدبلوماسيين والسفراء الغربيين بأن حكومة الأردن لا تفعل شيئا حقيقيا ضد خطاب الكراهية والتشدد ومظاهر التطرف.
أغلب التقدير ان قصة أمجد قورشة صغيرة لكن أهميتها تكمن في ان هذا الداعية الشاب الذي طالب يوما بعدم تهنئة المسيحيين بأعيادهم عالق بين العاملين المشار إليهما وقضيته بمثابة رسالة لتدشين الخط الجديد الذي سبق ان تحدثت عنه «القدس العربي» الاسبوع الماضي.

الأردن والحبل المشدود: أمريكا تنتقد «القصور» والسؤال «الأمني» يتجول بين الناس واعتقال «أمجد قورشة» رسالة للجميع

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية