لا أحد يستطيع الانكار بأن الأردن يمر في ظروف صعبة للغاية تتطلب تضافر الجهود لدحر المؤامرات و الدسائس التي تستهدف أمن و استقرار هذا البلد. الأردن حمل على عاتقه منذ الأزل معضلة اللاجئين و خاصة الفلسطينيين و قضيتهم النبيلة. و زادت من حدة هذه المعضلة الأزمة الانسانية العالمية للاجئين السوريين.
أول ما تقع عليه أعين المتآمرين هو العلاقة الأردنية الفلسطينية خصوصا في هذا الزمن الصعب الذي تعاني منه دول الجوار العربي من اقتتالات و حروب عرقية و طائفية و دينية تتجلى كل يوم آثارها في مناظر القتل و الوحشية و الدمار و التخريب و محو الذاكرة الثقافية و الانسانية.
لا أحد يستطيع المزاودة على الأردن و دفاعه عن القضية الفلسطينية في كل المنابر و المحافل الدولية كون المملكة ممـــثلة برأس الهرم جــــــلالة الملك عبــد الله الثاني هي الوصي الديني و الشرعي و التاريخي و الحارس الأمين على المقدسات الإسلامية و المسيحية في القدس الشريف و الأراضي الفلسطينية المحتلة.
التعايش الإسلامي المسيحي هو ما ميز الأردن منذ بداية تأسيسه حيث تواجد المسيحيون ب600 سنة قبل المسلمين و كان دفاع الملك كما ذكرنا آنفا عن المقدسات المسيحية في الأراضي المقدسة بقدر دفاعه عن المقدسات الإسلامية و تجلى هذا الأمر بخطوة الملك بترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة في القدس الشريف كون هذه الخطوة تحمل أبعادا تتعدى البعد المالي المتجلي بالدعم السخي و تتمثل بالبعد الثقافي و الانساني و الحضاري و الديني و تجسد التعايش و الوئام بين الإسلام و المسيحية و تفند الادعاءات الباطلة بأن الحكومة الأردنية تستهدف الوجود المسيحي خصوصا تلك التي رافقت اغتيال الكاتب ناهض حتر و اتهامات الأردن بدعم الإرهاب في داخل الأردن.
الدولة المدنية لا تتناقض مع الدين. هذا ما أكدته الورقة النقاشية السادسة و هذا ما يتجلى على الدوام في خطابات الملك سواء في البرلمان الأوروبي أو الأمم المتحدة و غيرها حيث تبدأ كل الخطابات ببسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و الصديقين و يجري التأكيد فيها على أن الإسلام هو دين الرحمة و العطف و العدالة و الاعتدال و الانسانية و التعايش السلمي و المشاركة المدنية و السلام و التأكيد على عدم وجود مسلم معتدل و آخر متطرف فالإسلام بحد ذاته هو دين الاعتدال و الكرامة الانسانية و قبول الأخر و التسامح و حيث كان النبي موسى أكثر نبي ذكر في القرأن الكريم 136 مرة و السيد المسيح 25 مرة و مريم العذراء سيدة نساء العالمين 36 مرة و حيث خص القرآن سورة مريم تكريما و تبجيلا للسيدة مريم العذراء و دليل على رسالة الإسلام بالتعايش مع الأديان السماوية.
لطالما أكد الملك أن الإسلام بريء من الخوارج و أعمالهم التي تستهدف صورة الإسلام و لطالما سعى الى تسليط الضوء على الدين الإسلامي الحنيف حيث أمر المسلمون بأكثر من ألف سنة قبل معاهدات جنيف بأن لا يقتلوا طفلا أو امرأة أو رجلا طاعنا بالسن أو يقطعوا شجرة أو يؤذوا كاهنا أو يهدموا صومعة أما مكان عبادة يذكر به اسم الله عزوجل كالمسجد أو الكنيسة أو المعبد اليهودي كدليل على وحدوية الأديان السماوية الثلاثة. هذا في حد ذاته خير تفنيد لمزاعم من ادعى باطلا بأن الهدف من تعديل المناهج هو حذف الآيات التي تحرض على العنف و خصوصا ضد اليهود و تستهدف محو الإسلام من ذاكرة الطلبة.
التحديات كبيرة و الواجب تضافر و تكاتف الجهود في هذه المرحلة الحساسة و تبني خطة اعلامية شمولية تعتمد على رسالة نبيلة سامية تؤكد على الوئام الديني و السلمي و تنثر و تزرع ثقافة السلام و العدل و المحبة و العيش السلمي و تنبذ الأفكار الظلامية التي تحض على العنف و القتل و الكراهية.
٭ كاتب من الأردن
الدكتور منجد فريد القطب