الأردوغانية التركية والأردوغانية العربية

حجم الخط
6

غداة توقيع معاهدة سيفر التي لا تكتفي بسلب الدولة العثمانية ولاياتها العربية بل تقطّع آسيا الصغرى نفسها إلى كذا دولة، أو أقاليم تتبع لأكثر من دولة، وتلغي السيادة العثمانية على المضائق، وفي وضع كانت فيه الأستانة نفسها محتلة، أطلق مصطفى كمال من وسط أنقرة حرب الاستقلال التي صنعت الأمة التركية الحديثة بالتجربة الكفاحية الملحمية.
كانت الحرب أهلية أيضاً، حيث تصادم الكماليون مع القوات النظامية العثمانية، قوات السلطان الخليفة القابع تحت الاحتلال في الأستانة.
في تلك الفترة، كان مصطفى كمال رمز الجهاد في ديار الإسلام قاطبة. متطوعون كثر وفدوا على الأناضول من أقاصي العالم الإسلامي للالتحاق بحرب الاستقلال التي لم يكن شعارها بعد تأسيس تركيا الحديثة، بل كانت هذه هي النتيجة. أما الهدف المعلن طيلة حرب الاستقلال فكان الغاء معاهدة سيفر جملة.
لم يعبء أحد في العالم الإسلامي بالخليفة السلطان الذي يوقع قرارات الاعدامات الغيبية لكمال ورفاقه. وفي وقت كان فيه الاستعماران البريطاني والفرنسي يسيطران على معظم العرب ومسلمي الهند، كان مصطفى كمال، لا الخليفة السلطان هو الذي تنعقد عليه وعلى أنباء انتصاراته المتتابعة الآمال، بأنه من بعد تحرير الأناضول والمضائق فهو آت إلى البلاد العربية وحتى الهند لتحريرها.
الهالة السحرية في العالم الإسلامي حوله كانت مذهلة، والمذهل أكثر كيف جرى تنظيم عملية نسيانها في البلاد العربية بعد ذلك بسنوات قليلة.
بلقبه الديني أيضاً، «الغازي» كانت الجموع تنتظر من كمال أن يحيي المجد، الدولة العلية، وتتمنى لو يأخذ السلطنة لنفسه، ولم لا، الخلافة، فبني عثمان هم أيضاً لا يتمتعون بالنسب القرشي، شأنه شأنهم!
تبدّل الأمر بانتصار كمال على البريطانيين واليونانيين والرجعية التركية الداخلية، والانتقال من السلطنة إلى الجمهورية، مع اعتماد «بدعة» الابقاء على خليفة عثماني، منتخب من البرلمان هذه المرة، لكنه غير سلطان، ما دامت السلطنة الآن للأمة. وتبدّل الأمر أكثر حين أكّدت تركيا أنها من الآن فصاعداً دولة أمة، لشعب أسسته حرب الاستقلال قومياً، ويبحث عن جذوره الأولى، قبل العثمانيين، وقبل هجرة القبائل التركمانية، وقبل الإسلام والمسيحية، بل من أيّام حضارة الحثيين. دولة أمة على المنهاج الحداثي الغربي.
الصدمة كانت مع الغاء كمال مطلع آذار/مارس 1924الخلافة البرلمانية الروحية التي هو ابتدعها، في مقابل احتجاج أزهري عارم على الأمر، وفشل في الوقت ذاته في ايجاد بديل سريع للخلافة العثمانية المنتهية.
تعمّق الطلاق مع اصلاحات كمال التالية، وهو اتخذ لنفسه لقب «أتاتورك» (ابو الترك) عام 1934، وخصوصاً في أعقاب خطابه الشهير «النطق»، الذي أسس للقطيعة مع اللغة العثمانية القديمة والحرف العربي والطربوش الفاسي والنقاب وتعدد الزوجات وأسس للعلمانية التركية. وهذه العلمانية موضع سوء فهم عربي شائع. يقال عنها أنها علمانية متشدّدة أو مطلقة. وهي طبعاً تعطي هذا الانطباع للوهلة الأولى. لكن النموذج العلماني الأتاتوركي يحتاج للدقة لاجل الاطلاع عليه. هو يخضع الشؤون الدينية، الوقفية والدعوية، لمديرية مرتبطة برئاسة مجلس الوزراء. ليس ثمة فصل اذاً بين الشؤون الدينية وجهاز الدولة التنفيذي، بل العكس. الدولة تشرف على اعداد الدعاة، كما ان التعليم فيها يتضمن حتى بالنسبة للمدارس العمومية حصص تربية دينية على المذهب الحنفي، حتى بالنسبة للمنتمين إلى أي مذهب إسلامي آخر. المكان الصارم الذي رسخّت فيه التجربة العلمانية هو القانون المدني للأحوال الشخصية،
وليس في التربية والافتاء والدعوة المتصلين بالدولة، وليس بالرموز الإسلامية، من هلال العلم إلى الأعياد الدينية، إلى انتماء تركيا الريادي لاحقا إلى منظمة المؤتمر أو التعاون الإسلامي، وعدم مكابرة الدولة في أي يوم على صلة الدين التي تجمعها بالشعوب المسلمة المجاورة منها والبعيدة.
وهكذا، فان الظاهرة التي يشكلها «حزب العدالة والتنمية» عموماً، ورجب طيب أردوغان خصوصاً هي بنت هذه التجربة الجمهورية واصلاحها من داخل هذه التجربة. هي ظاهرة تفهم جيداً كسواد الأتراك الأعظم، ان أتاتورك بطل قومي، ومن دونه لنكبت الأمة التركية الغربية بالتجزئة والاستعمار، ولكانت أزمير اليوم عاصمة للشطر الآسيوي من اليونان، والمضائق واستنبول مدولتين. ليس بطلاً قومياً فقط، بل «غازياً» بالمدلول الديني، الجهادي أيضاً. هذا كان قبل أردوغان، وهو مستمر كقناعة معه. الانتماء النسبي لأردوغان إلى كوكبة الإسلام السياسي، ينبغي ان يقرأ بالتكامل مع كونه ظاهرة قومية معاصرة، قومية باحالات دينية – روحية، ودينية – حضارية، ودينية – أخلاقية. بالطبع، يعمل أردوغان على تصالح الجمهورية مع الماضي العثماني، بدلا من العلاقة القطعية التنافرية، وهذا التصالح له أكثر من وجه بعضه مدعم بالقراءات التاريخية الحديثة التثمينية على نحو ايجابي للتجربة العثمانية ككل، وبعضهم عاطفي، يذهب ويأتي.
لكن هذا البعد العثماني عند أردوغان وحزبه هو بعد من أبعاد لوحة متكاملة، قوامها الأساسي هو الدولة الأمة.
الأردوغانية حيث هي، في تركيا، ظاهرة متميزة ضمن التاريخ التركي الحديث، وظاهرة يتكثف فيها هذا التاريخ الحديث. ظاهرة متميزة: لأنّها نجحت في بناء حزب محافظ، إسلامي الخلفية، لا يسهل حظره كما حزبي الرفاه والفضيلة من قبله، لأنّه راض بشكل جدي جداً بالاصلاح الأتاتوركي الأساسي، بالقوانين المدنية للمواطنية في مجتمع حديث، وما تطرحه من أسلمة نسبية للمجتمع، فمن ضمن هذه القوانين المدنية وليس بالسعي لتقليصها. ظاهرة متميزة بزعامة كاريزمية لم تتكرر كثيراً في تركيا بهذا الشكل بعد أتاتورك، إلا في حالتي عدنان مندريس الذي شنقه العسكر بتهمة كيده بالعلمانية، وتورغوت اوزال الذي فتح الطريق نهاية الثمانينيات لاعادة تصالح تركيا مع هويتها المحورية في العالم الإسلامي. وهي ظاهرة مكثفة للتاريخ التركي الحديث: لأنها ظاهرة قومية – دينية، وهنا مصدر قوتها، وهنا مصدر سوء فهمها عربياً، بالنسبة لحركات إسلامية لم تستطع ان تتقبل الأفكار القومية كصانعة قوام لأي مشروع سياسي حديث، وبالنسبة لحركات قومية لم تستطع ان تفهم ان «الترند» الحالي من الحركات القومية الشعبية العريضة، من روسيا إلى تركيا إلى الهند إلى اليابان، هو «قومي – ديني». بل ان» القومية الدينية» لا تقتصر على «العدالة والتنمية» في تركيا، فهي تشمل حيثية «حزب الحركة القومية أيضاً».
في تركيا، في الهند، في روسيا، في اليابان، لا يتناقض ازدهار فكرة القومية الدينية مع علمانية الدولة، بشكل تناحري. المسائل أعقد من ذلك. في الهند مثلا، اليمين القومي الديني الهندوسي يطالب بتوحيد قانون الأحوال الشخصية لسحب امتياز المسلمين في هذا المجال. في تركيا، القومية الدينية هي بمرجعية إسلامية: ترسخ انتماء تركيا إلى التراث العثماني والعالم الإسلامي لكنها تعتبر المرحلة الأتاتوركية هي المرحلة التكوينية للأمة التركية الحديثة، وترفض تماماً أي مس بهذا الشيء.
الكثير من المتحمسين لأردوغان في العالم العربي يظنون ان الرجل يضمر للعلمانية غير ما يصرّح ويفعل. غير صحيح، وكان للرجل نقطة اختلاف في هذا المجال مع الإخوان يوم زار مصر.
الكثير من المتحمسين لأردوغان بين الإسلاميين العرب يحسبون الإسلام السياسي التركي مجرد امتداد للإسلام السياسي العربي. أيضا غير صحيح، العدالة والتنمية لها خلفية تركية بامتياز، لعب فيها الصوفي النشقبندي الخالدي الشيخ الكردي بديع الزمان سعيد النورسي دورا طليعيا في التأسيس لها. الكثير من المتحمسين لأردوغان في العالم العربي عندهم مشكلة مع اصلاحات أتاتورك، مع الغاء الخلافة، مع التشريعات الحديثة. ليست هذه أبدا حال أردوغان.
للتجربة الأردوغانية مشاكلها أيضا، وهذه تزايدت في السنين الأخيرة. نجاح في توطيد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وتعثر في توطيد قاعدة الفصل بين السلطات والتداول على السلطة. لكن الشائع عربيا اليوم يجعل من الصعب التعاطي بنقدية مع هذه العناصر.

الأردوغانية التركية والأردوغانية العربية

وسام سعادة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية