الأزمة الروسية التركية هل تنتهي إلى حل في سوريا؟

حجم الخط
2

رغم مضي أكثر من أسبوع على إسقاط القاذفة الروسية من قبل مقاتلة «إف 16» التركية في الأجواء السورية، إلا أن الملف التركي لا يزال يحتل صدارة إهتمامات وسائل الإعلام الروسية والعالمية.
فعلى الصعيد الداخلي في روسيا، احتاجت موسكو لبضعة أيام فقط من أجل قطع الكثير من علاقاتها مع تركيا فعلى سبيل المثال: فرض العقوبات الاقتصادية، منع الرحلات المستأجرة، وقف نظام التأشيرات المفتوحة، إلغاء إحتفالية عام الثقافة والسياحة التركية في روسيا، إغلاق مركز الثقافة التركية في موسكو، تجميد المشاريع الاستثمارية والتعليمية، إيقاف التعاون التقني بين روسيا وتركيا، كل هذا يجعل الصورة تبدو وكأنها حرب ولكن دون إعلان عنها.
«يمكننا تحديد سيناريوهين لتطوير العلاقات الثنائية في المستقبل: أولهما سيئ والثاني أسوأ. حيث يوجد في روسيا نظام السلطة بملامح أوتوريتارية تماما مثل النظام في تركيا والذي لن يتغير في المستقبل القريب، إذن، فلن تكون هناك تغييرات في العلاقات بين البلدين. وفق السيناريو السيئ، ستتراجع الهستيريا في وسائل الإعلام الروسية وقد تلغي الحكومة العقوبات ضد تركيا. ولكن مع ملاحظة أنها لن تكون بالمستوى السابق. حيث ستسيطر الشكوك على علاقات البلدين ببعضمها. أما وفق السيناريو الأسوأ: فسترد تركيا على العقوبات الروسية بالمثل ومن بينها العقوبات الاقتصادية، تقوم بتحريض وتأجيج مزاج الرأي العام المعادي لروسيا بين تتار القرم والجمهوريات التركية للاتحاد السوفييتي» تقول إيكاتيرينا تشولكوفسكايا، الخبيرة في الشؤون التركية في معهد الشرق الأقصى في موسكو.
خارجيا، لا تتوقف تصريحات الشخصيات الروسية البارزة الذين يتهمون تركيا في اتصالاتها مع الإرهابيين.
بل وأكثر من هذا، وخلال قمة الأمم المتحدة للمناخ في باريس اتهم الرئيس فلاديمير بوتين بنفسه وبصراحة وقوة، أنقرة بالمساهمة في دعم الإرهاب حيث قال إجابة عن أسئلة الصحافيين، ان تمويل الإرهابيين في تركيا ما زال مستمرا وأنه لدى روسيا أسس للإعتقاد بأن الرغبة في حماية خطوط إمدادات النفط إلى الأراضي التركية كانت سببا وراء إسقاط الطائرة الروسية. وأظهرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية يوم 2 كانون الاول/ديسمبر صور صهاريج محملة بالنفط على الحدود السورية التركية.
ووصف أردوغان اتهامات وزارة الدفاع الروسية بأنها كاذبة مضيفا أنه لا يرغب في تدهور العلاقات مع موسكو أكثر وحذر روسيا من أن بلاده قد تضطر إلى إتخاذ إجراءات للرد في حال مواصلة روسيا اتهاماتها. ويعتبر ليونيد إيسايف، وهو مستشرق ومحاضر في قسم العلوم السياسية العامة في المدرسة العليا للاقتصاد في مقابلة مع «القدس العربي» أن الحكومة التركية تعمل ما في وسعها من أجل عدم تصعيد الأزمة.
وأضاف: «أعتقد ان الأتراك يحاولون أن يعملوا كل شيء من أجل عدم انهيار العلاقات بشكل نهائي. لان التدمير أسهل من البناء. وهنا تعتمد تركيا على العقل أكثر من روسيا التي تتصرف بشكل عاطفي الآن. نعم، لقد كان الحدث رهيبا. ولكن علاقاتنا شهدت مراحل أصعب بكثير من هذا. كانت هناك حروب سقط فيها ضحايا كثيرون. لا أعتقد أن هذا الحادث سيؤدي إلى نقطة اللاعودة في العلاقات. أنا أفضل القول ان العلاقات الشخصية بين بوتين وأردوغان قد تدهورت وليس البلدين».
ويضيف الخبير أن السؤال في الوقت الحالي هو عن المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا التراجع؟ ويضيف قائلا:»الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على الشخصيات الرئيسية والقيادية. حيث مرت العلاقات بين البلدين بمراحل صعبة. وكانت لدى تركيا وروسيا آراء متناقضة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية. ولكن، لوحظ أن تركيا إستطاعت أن تضبط نفسها في مسائل لم تكن تعتبرها تشكل أولوية بالنسبة لها مثل موضوع أوكرانيا أو أسيتيا الجنوبية. أما في الوضع الحالي، فيبدو أن تركيا كانت تعول على عدم تدخل روسيا في مصالحها في سوريا. ولكن وبعد تدخل روسيا العسكري في سوريا، يبدو أن تركيا شعرت بأن روسيا هي من قام بـ»الطعن في الظهر».
ويتفق فلاديمير احمدوف، عضو في مركز دراسة المشاكل العامة للشرق المعاصر في معهد الدراسات الشرقية ان رد الفعل التركي على التدخل الروسي في الملف السوري هو مسألة وقت.
ويقول: «تبادلت تركيا وإيران السلطة في المنطقة منذ القرن 15. وكان من الصعب لديهما قبول تدخل الدول العالمية الكبرى في سوريا حيث شعرتا أن هذا التدخل يضعهما في المقام الثاني. بينما شارك هذان البلدان في النزاع السوري من البداية. وكنتيجة يعيش على الأراضي التركية الآن حوالي 2.5 مليون لاجئ سوري إلا أن هذا ليس مبررا لتركيا للقيام «بطعن روسيا في الظهر» . وبدلا من حل النزاع السوري، يلتفت العالم عن سوريا وينشغل بحل الأزمة الروسية التركية «.
يذكر أن الخلافات السياسية بين روسيا وتركيا ليست وليدة اليوم، أو حادثة الطائرة فقط، بل إن لدى موسكو وأنقرة مواقف متناقضة وشائكة حول سوريا والقرم وإبادة الأرمن. ولكن حتى يومنا هذا يتم لجم وإخماد هذه الخلافات بفضل المصالح الاقتصادية. وبعد حادثة إسقاط «سو ـ 24» تفجرت المشاكل القديمة مرة واحدة، وكأنها الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وأدت فيما أدت إلى تدمير عقود التعاون الثنائي، ولم تعد المصالح الاقتصادية قادرة على وقف هذه المواجهة حتى الآن.
وترى يكاتيرينا تشولكوفسكايا أن العلاقات (الكيمياء) الشخصية بين الرئيسين تلعب دورا هاما في هذا النزاع وتضيف قائلة :
«بالنسبة لبوتين، هذه الأزمة في العلاقات مع تركيا هي في المقام الأول، استياء شخصي من خيانة أردوغان الذي كان بوتين يعتبره صديقا. نذكر أن تركيا لم تنضم إلى العقوبات الغربية ضد روسيا بعد انضمام القرم إلى روسيا وعلى العكس فقد بدأت بملء الفراغ الذي سببته الشركات الأوروبية. وتعامل بوتين مع تركيا كبديل عن أوروبا التي تدهورت العلاقات معها بعد الازمة الأوكرانية. وربما أن التعبيرالذي إستخدمه الرئيس بوتين «الطعن في الظهر» في اعتقادي انه طعنا في الظهر له شخصيا من قبل صديقه أردوغان، الأمر الذي يفسر رد الفعل الروسي القاسي بهذه الدرجة».
في سياق متصل، اتخذت الحكومة الروسية قرارا بنشر منظومة «إس 400» في سوريا بعد الحادث. كما تم إرسال كتائب وجنود روس إضافيين إلى القاعدة الروسية في سوريا، وذلك بهدف حماية القواعد الروسية، وتحقيق سيطرة جوية أوسع، وسيطرة أقوى برا.
ويرى فلاديمير أحمدوف، أن روسيا أظهرت حتى الآن إمكانيات جديدة وفريدة من نوعها لتسوية النزاع في سوريا بنفسها دون أي مساعدة من الخارج.
«لدينا الآن موقف فريد في سوريا. في إمكاننا ان نحل هذا النزاع بأنفسنا خاصة بعد نشر منظومة «إس 400» إلى سوريا حيث نسيطر على الأوضاع برا وجوا. وإذا استخدمت روسيا الفرصة، فسيعزز دورها كدولة عالمية عظمى في المنطقة. من أجل ذلك لا بد لنا ان نحل مشكلة أخيرة عالقة تتمثل في شخص (بشار الأسد). وحين نحل هذه المشكلة، ستصبح روسيا منقذ سوريا. وفسوف نتجاوز كل شيء».
ويتفق المستشار في معهد الدراسات الاستراتيجية في موسكو فلاديمير كوزين مع هذا الرأي ويؤكد ان روسيا حصلت على تفويض مطلق في سوريا.
« يمكن القول بانه في المستقبل القريب سيفهم عدد كبير من الشخصيات السياسية والاجتماعية في العالم، أولئك الذين يتعاملون وينظرون إلى روسيا بشكل سلبي، سيفهمون ان روسيا وحلفاءها فقط هم القادرون على توفير السلام والعدالة والاستقرار في العالم. وإذا أحبت دول أخرى أن تنضم لروسيا وحلفائها، بالطبع ستتعزز هذه الجهود، وسيتم تحقيق هذا الهدف مبكرا وبما فيه مصلحة الجميع».
ويضيف كوزين، أن الأزمة في العلاقات التركية الروسية ستؤدي بعد إنقشاع غبارها، إلى استقرار الوضع في المنطقة وتدمير ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية» الأمر الذي سيؤدي إلى تعزيز قوة روسيا وسمعتها في العالم.

فيكتوريا سيميوشينا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية