الأزمة السورية بين عقدة الحل السياسي ومصالح الحروب بالوكالة

في مؤتمره الصحافي في مقر الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي، صرح وزير الخارجية الروسي بتفاصيل أكثر عن الخطوة الروسية العسكرية في الأراضي السورية، وفي سياق حديثه للصحافة قال سيرغي لافروف أن روسيا تستهدف في سوريا «..جبهة النصرة والدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الإرهابية» مضيفا في ربط دبلوماسي مع واشنطن أن الولايات المتحدة تتخذ الموقف نفسه مؤكدا أن قيادة التحالف أعلنت أهدافها بجبهة النصرة وتنظيم الدولة..!
لافروف، في ربطه الضمني هذا، ومع عدم وجود نفي أو رد مقابل، يشي بتفاصيل تفاهمات دولية تضع الحرب على الإرهاب في نطاق أوسع من ضرب تنظيم الدولة المتفق عليه عالميا، ليشمل تنظيمات مختلفة على الأرض السورية..وهو ما جعل بعض المراقبين يرون في التدخل الروسي دعما لنظام الأسد وإعلان الحرب على كل خصومه.
لكنه، في مؤتمره الصحافي ذاته في نيويورك، أعلن أيضا وبصراحة أن موسكو لا تعتبر الجيش السوري الحر تنظيما إرهابيا!!مضيفا حسب قوله «..بل يجب أن يكون الجيش الحر جزءا من العملية السياسية..وهذا ضروري لتأمين مفاوضات ثابتة للتسوية السياسية».
فهل في تصريحات لافروف في نيويورك ما يوحي بتخلي موسكو عن الأسد أخيرا؟ وهل لدى موسكو مبادرة سياسية غير معلنة مرافقة لتحركها العسكري على الأرض؟ وما هي الدوافع الحقيقية للتدخل الروسي؟
المحلل السياسي خيري جانبيك والخبير في العلاقات الدولية المقيم في باريس، يرى أن موسكو حققت هدفها النهائي والأكبر، وباقي الأهداف عناوين فرعية بالنسبة لروسيا حسب رأيه لحماية العنوان الأكبر. فيشير جانبيك إلى ان روسيا تاريخيا كانت ومنذ الأزل تبحث عن تحقيق حلمها بالمياه الدافئة، وهذا ما تحقق في القواعد العسكرية واللوجستية على الساحل السوري، وعليه فإنه من ضرب العبث والسذاجة ـ حسب جانبيك ـ التصور ان موسكو ستنسحب من تلك المياه بأي حال من الأحوال.
ويرى، أن روسيا انتظرت الحلول التي وعد بها التحالف الغربي ضد الإرهاب من بينها حلول حول الأزمة السورية وبديل للنظام، وهو ما لم يحدث كما يقول، مما دفع الروس إلى حسم الموقف المعلق بدعم الأسد ونظامه لكن ـ يضيف جانبيك ـ حتى المرحلة الانتقالية.
وعن المرحلة الانتقالية يشير، بأنها عبارة متداولة لدى جميع الفرقاء، ولم يتحدث أحد حتى اليوم عما بعد تلك المرحلة مما يعني حسب رأيه، أن العالم لديه تصور الآن للوصول إلى مرحلة انتقالية بدون أي تصور لما بعدها لمستقبل سوريا نفسها، مؤكدا ان الأمريكان أعلنوا موقفهم المتمثل بنقطتين أساسيتين: موقفهم الاستراتيجي بعدم التدخل المباشر (استراتيجية أوباما) وموقفهم المعلن بعدم المواجهة مع روسيا.
ويشير خيري جانبيك إلى أن روسيا تحمل في جعبتها تصورا سياسيا لا يتجاوز المرحلة الانتقالية، والدليل أنها تجهز الآن لدعوات لمؤتمر في موسكو دعت إليه كل الفرقاء والأطراف (ما عدا الأردن ) وهدف روسيا من المؤتمر هو الوصول إلى تحديد ملامح التأثير الروسي في العراق وسوريا، وكذلك إعطاء ضمانات للسعودية للوصول إلى تفاهمات نهائية، وعليه ـ حسب جانبيك ـ فإن لدى موسكو خريطة طريق في المرحلة الانتقالية.
وحسب التقارير الصحافية ودراسات بعض المراكز البحثية فإن التدخل العسكري الروسي لا يلقى شعبية في روسيا نفسها.
وحسب دراسة أجراها مركز ليفادا الروسي في موسكو، فإن أقلية قليلة جدا في روسيا تدعم قرارات الرئيس بوتين في التدخل الروسي لدعم نظام دمشق، حيث عارض 69 ٪ من عينات الدراسة التدخل العسكري المباشر بينما أيد 14 ٪ فكرة ان يقوم الروس بإرسال قوات دعم إلى سوريا.
هذه المعضلة هي التي جعلت الكرملين يضع في حاشية أسرع قراراته وعودا للشعب الروسي بأن من سيرسلهم من قوات هم فقط المتطوعون، وأن التدخل العسكري لن يتجاوز الطلعات الجوية.
وحسب مراقبين فإن روسيا دخلت حروبا مزدوجة تجري على الأرض السورية، أو متاهة الأزمات العنقودية كما يصفها البعض. ففي سوريا يجري الآن صراعان يتفرع عنهما صراعات متجددة، أحدهما وهو الأوسع ضد تنظيم الدولة الإسلامية حيث يتفق جميع الفرقاء على التخلص منه، لكن هنالك الصراع الطائفي الذي يضع تركيا السنية في مواجهة إيران الشيعية مع باقي وكلاء الفريقين على الأرض السورية.
من هنا فإن بوتين حسب المعارضين لخطوته العسكرية يخاطر بجر روسيا إلى معركة معقدة أكثر من أفغانستان كما يرون.
وحسب الإعلامي والمحلل سامر الياس المقيم في الدنمارك وقد عمل في وسائل إعلام روسية سابقا، فإن تدخل بوتين العسكري خاسر على الجهتين حسب قوله، فهو لو انتصر على تنظيم الدولة وباقي أهدافه فإنه سينتهي حليفا لنظام هش ودولة ضعيفة يمثلها نظام الأسد. ولو انتهى بفشل وإخفاق فهذا سيجعله في مرمى الاستهداف من قبل التطرف الإسلامي الذي سيصل إلى روسيا مما يضعه في حالة مشابهة لحالة الولايات المتحدة بعد تدخلها العسكري في أفغانستان.
وحسب إلياس، فإن المشكلة الحقيقية في موسكو ولدى دائرة صناعة القرار فيها انهم لا يملكون القدرة على خلق استراتيجيات رغم براعتهم في صناعة التكتيك، منوها إلى ضرورة التذكير دوما بالديمغرافية الإسلامية الواسعة التي تقع في الخاصرة الروسية.
ويرى أن روسيا لم تكن لتقدم على تلك الخطوة لولا توافقات مع الولايات المتحدة والسعودية لكن تداعيات الأحداث فيما بعد صارت خارج السيطرة، مدللا بالبيان المأسوف عليه الصادر عن الكنيسة الروسية بأن الحرب في سوريا طابعها مقدس، وهو ما يضع الصراع في مستويات غير عقلانية.
ويؤكد ان موسكو غير متمسكة بالأسد وهناك أكثر من تصريح روسي رسمي على لسان مسؤولين من بينهم لافروف نفسه أعلنوا فيه أنهم ليسوا متمسكين بالأسد. وعليه يرى إلياس ان تحرك موسكو يتوافق مع ما تريده واشنطن، وأن الحروب بالوكالة ارتفع مستواها بهذا الشكل.
وفيما يبدو أن التحرك الروسي يلقى دعما حذرا من الغرب، فقد توقع وزير الخارجية الألماني فرانسك شتاينماير أن تساعد مشاركة روسيا في تسوية الأزمة السورية، وهو ما يضع تصورا لدى أوروبا بضرورة وجود حل سياسي مع ربط الوزير للتدخل الروسي بحل الأزمة الأوكرانية التي تجد أوروبا فيها معضلة في مجال القارة الحيوي.
وكانت صحيفة «كوميرسانت» الروسية قد كشفت النقاب عن ان وزير خارجية أمريكا جون كيري سلم نظيره الروسي لافروف في لقاء سابق في نيويورك خطة عمل تتضمن كيفية رحيل الرئيس السوري وتنحيه عن السلطات، وقالت الصحيفة ان هذه الخطة تتضمن منح ضمانات للرئيس السوري والمقربين منه في حال التنحي عن السلطة في دمشق.
وعلمت «القدس العربي» أن مجموعة من المعارضة السورية وضعت مشروعا لخطة انتقال سياسي تفصيلية لا تتضمن الرئيس السوري بشار الأسد أو المقربين منه. وفي الخطة المطروحة (وقد حصلت القدس العربي على نسخة منها) تفاصيل المرحلة الانتقالية والتي يصف واضعوها أنفسهم بالخبراء السوريين ويصفون الوثيقة برؤية مشتركة لمستقبل سوريا وبلورة لخطة عملية واضحة للإنتقال السياسي تضمن رحيل بشار الأسد وقياداته، منوهين في مقدمة الوثيقة إلى أن دور السوريين في تقرير مصيرهم كاد ان يخرج من الصورة لحساب القوى الإقليمية والدولية المتنازعة.
وكنا في «القدس العربي» وسعيا للموضوعية والمهنية قد حاولنا الاتصال بالمكتب الإعلامي في الخارجية الروسية في موسكو أكثر من مرة الأسبوع الماضي، لتضمين التقرير رأيا رسميا روسيا، لكن المكتب الصحافي في الخارجية لم يتكلف عناء الرد حتى اليوم.

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية