لفهم الأزمة الليبية على المستوى الداخلي وعلاقتها بالخارج لابد من إدراك الانقسامات الداخلية حسب كل فترة زمنية ابتداء من شباط/فبراير 2011 وحتى الآن. فمع بداية الأزمة إنقسم الشعب إلى ثلاث فئات:
أنصار النظام القائم حينها (التي درجت الصحافة على تسميتهم بالسبتمبريين).
معارضو النظام القائم المعروفين بالفبرايريين.
فئة اعتزلت الصراع القائم وفضلت الانكفاء.
ويعود موقف كل فئة من تلك الفئات إلى خلفيتها الفكرية وانتمائها الايديولوجي.
حسم الصراع لصالح معارضي النظام بقوة حلف الأطلسي وتدخلات بعض الدول العربية والإسلامية. وبدأت المرحلة الثانية من الأزمة الليبية بتسليم السلطة ومقاليد الحكم إلى السلطات الجديدة التي باشرت هذه المرحلة بإستصدار قانون العزل السياسي الذي حرم ليبيا من خبرات تكنوقراطية تراكمت على مدى خمسة عقود لرجالات الدولة وتبع ذلك العملية الانتخابية التي حُرم منها أنصار النظام السابق وطيف عريض من الفئة التي اعتزلت الصراع واقتصرت الانتخابات على الفبرايريين واقصي الآخرون عن المشهد ولم يسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات، ومنهم الليبيون المقيمون في مصر وتونس والجزائر وهم قرابة الثلاثة ملايين- آنذاك – من شعب تعداده أقل قليلا من ستة ملايين!.
مرت تلك الفترة بمرحلتين، الأولى التي أفرزت جسما تشريعيا سمي بالمؤتمر الوطني العام، كانت السيطرة فيه لتيارات الإسلام السياسي عبر أصوات المستقلين وعرفت هذه المرحلة ثلاث حكومات لم تعمر أي منها طويلا نظرا لسطوة حضور الميليشيات المسلحة الجهوية والقبلية والمؤدلجة، والمرحلة الثانية التي تشكل فيها برلمان مني فيه الإسلام السياسي بهزيمة نكراء ورفض المؤتمر الوطني العام الاقرار بالهزيمة وتسليم السلطة لخلفه! ما أوجد حالة من الانقسام الحاد على مستوى الشرعية تمثل في حكومة الانقاذ المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام في غرب ليبيا والبرلمان الليبي الذي اختار الشرق الليبي البعيد عن تواجد الميليشيات المسلحة التي تختطف العاصمة وتشكلت الحكومة المؤقتة في الشرق.
تنازع الشرعية بين حكومتين وبرلمانين أفضى إلى المرحلة الثالثة التي سُميت بالعملية السياسية أو الحوار، والذي أدير من طرف البعثة الأممية في ليبيا وظل السياق المجحف قائما وهو أقصاء جزء كبير من الليبيين عن ممارسة دورهم وإبعادهم عن المشاركة في معالجة الأزمة، فمنع جزء كبير من المشاركة هو السبب الأول والرئيسي في فشل البعثة الأممية ومن ورائها- بقصد أو بسوء إدارة – والأسباب الأخرى تتعدد، فمنها الجهل بالتركيبة الديموغرافية الليبية والتحالفات الاجتماعية والخلفية الثقافية في مفهوم التعامل مع الغرب، وكذلك الخلفية الأممية التي لا ترى في المكون القبلي صنوا وطنيا يمكن له ممارسة دور سياسي لحل الأزمة القائمة، فالنظرة الأممية ترى أن القبيلة معول هدم لا يمكنه المشاركة في الحل أو الترتيبات السياسية الراهنة عكس المكونات السياسية من أحزاب وكتل ومجموعات ضغط وحتى قادة ميدانيين على الأرض!.
ويؤكد ما حصل في طرابلس مؤخرا أن الحكومات القائمة هي حكومات لا علاقة لها بمكونات الشعب، بل علاقتها الوحيدة هي تلك التي تربطها بالميليشيات المسلحة التي توفر لها الحماية والشرعية بفوهات البنادق والمدافع. لم يخرج المواطن رافضا لطرد السراج أو داعما لسيطرة الغويل، بل خرجت الميليشيات المسلحة لتتناحر وتتسبب بشكل إجرامي في قتل الأبرياء وترويعهم. فما حدث في طرابلس يشير بكل دقة ووضوح إلى مكمن الداء ونوع الدواء.
خريطة طريق
الحل في ليبيا هو بمشاركة جميع أطياف الشعب، وفي هذا السياق طرحت لجنة الإتصال في المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية وبمشاركة خبراء خريطة طريق من عشر نقاط لحل الأزمة في البلاد وتم تسليمها للأمم المتحدة والعديد من الدول العربية والافريقية وغيرها، مع التعاون السليم من المجتمع الدولي والأولوية للمشاركة في الحل لدول الجوار التي تتأثر بشكل مباشر بالأزمة الليبية وآثارها والتي يهمها أمنها واستقرارها.
ودور المجتمع الدولي ودول الجوار يجب أن لا يتجاوز الدعم والمساعدة ولا يكون تدخلا بأي شكل من الأشكال.
وبما أن الدور الخارجي العربي والأجنبي تغلغل بشكل كبير، بات معه من الصعب على الليبيين التخلص منه وحدهم من دون تعاون وثيق وشفاف مع المجتمع الدولي. وقائع التاريخ تنبئنا بجلاء أن دور القبيلة في ليبيا يبرز في اللحظات المفصلية التي تختفي فيها الدولة أو تغيب مرحليا أو تتخلخل أركانها فتحل محلها إلى حين عودتها إلى ممارسة دورها. خلال الأحداث وفي كل المراحل كان للقبيلة الدور المهم في الحد من تفاقم الأزمة الإنسانية لليبيين في الداخل والخارج، فالعالم لا يتعامل مع الليبيين على أنهم لاجئون ولم يقدم لهم أي خدمات فكانت القبيلة هي الأمم المتحدة وهي المجتمع الدولي وهي الدولة في الحد من أزمة المواطن في الداخل والخارج مع محدودية مواردها، لكن حجم سلطتها الأخلاقية الكبير يمنحها القوة الأكبر في المعالجة، ولا يعني دورها تغييب الأطراف الأخرى، بل المشاركة مع الأطراف المحلية الأخرى التي هي في الغالب تنتمي لتلك القبائل، وتعتبر القبيلة الضامن الرئيسي لحماية ليبيا من الإنقسام الجغرافي.
وقامت القبيلة بالعديد من المعالجات وجلسات الصلح ورأب الصدع آخرها نزع فتيل الاقتتال بين قبيلتي المشاشية والقنطرار في منطقة مزدة والتي راح ضحيتها أربعة من الشباب. هذه المعالجة تمت في ظل وجود ثلاث حكومات، لم تحرك أي منها ساكنا، بل تحركت القبيلة وأنهت الأشكال وغيرها من المعالجات خلال أعوام المعاناة هذه، حتى أن القبيلة تدخلت بين الميليشيات المتناحرة وفضت أكثر من نزاع وعملت على تبادل الأسرى والرهائن.
أي مستقبل؟
يمكن استشراف الأحداث على النحو التالي:
أن يتم الإعلان في غضون شهرين على الأكثر عن التحرير الكامل لمدينة بنغازي من الوجود الجهادي المتطرف لتبدأ مرحلة إعمار المدينة المنكوبة.
من مجريات وسير الأحداث في سرت نتوقع ان تحسم المعركة لصالح قوات «البنيان المرصوص» المدعومة غربيا وأن تختفي قوات تنظيم «الدولة» لفترة وجيزة لتعيد ظهورها في منطقة أخرى، الأرجح ان تكون منطقة الجفرة أو أقصى الغرب الليبي. حكومة الوفاق الوطني المدعومة أمميا ستظل لأشهر ثلاثة مقبلة ثم تختفي جراء ترتيبات تجري حاليا من تحت الطاولة بين حكومة الانقاذ والحكومة المؤقتة لإحلال بديل لها.
مع حلول نهاية هذا العام سيصل إنتاج ليبيا من ال إلى سقف المليون برميل يوميا ما سيجعل الفرقاء الرئيسيين الحاليين يعودون إلى سلسلة ماراثونية لحوار شبيه بحوار الصخيرات نتوقع ان يكون برعاية خليجية هذه المرة.
بخصوص سيطرة الميليشيات المسلحة القبلية والجهوية والمؤدلجة على العاصمة ستظل كما هي.
معاناة المواطن الليبي بخصوص غلاء الأسعار وغياب السيولة في المصارف والطوابير على المخابز ومحطات الوقود والسلع التموينية والانفلات الأمني وانتشار الجريمة المنظمة…ألخ، هذه الأمور ستتفاقم لأن أيا من الحكومات المتنازعة على الشرعية لا تضع هذه الأمور الملحة في صلب أولوياتها!
مع يقيننا ان أغلبية صامتة من الليبيين ومن كافة الفئات باتت مقتنعة بضرورة تجاوز حالة الصراع القائم بين الطرفين الأساسيين للأزمة والتفكير جديا في ليبيا جديدة مدنية قوامها دولة بالجميع وللجميع. هذه الأغلبية الصامتة التي آثرت أن تلعب دورا سلبيا حتى اللحظة هي التي ستقرر مصير ليبيا ان هي تخلت عن سلبيتها وقررت وضع حد لمعاناتها التي طالت.
محمد عمر الورفلي