الأزهر: هل يستطيع مواجهة التطرف والإرهاب؟

حجم الخط
0

حرصي على النفس الانسانية التي خلقها الله وتجد نهايتها علي يد المتطرفين هو الذي يدفعني دائما للخوض في هذا الموضوع الصعب والمؤلم. لقي الكثيرون حتفهم جراء العمليات الارهابية التي يقوم بها ما يطلق عليه تنظيم «الدولة الاسلامية» وغيره من التنظيمات المتطرفة.
يجب عمل شيء لوقف تيار الدم الذي يسيل في اماكن كثيرة في العالم وتطال الابرياء في الاعراس مثلما حدث في تركيا، أو العزاء مثلما حدث في لبنان أو احتفالات، كما حدث في نيس أو لأبرياء في منازلهم ومكان عملهم مثل بائع الورود السوري الذي تناولت قصته القناة الرابعة البريطانية.
تحضرني هنا مسؤولية الازهر التاريخية في مواجهة تلك المعضلة التي تحير العالم بأسره. لقد طلبت من مشايخ الازهر ان يكونوا على مستوى المسؤولية باعتبار الأزهر منارة العالم الاسلامي ورمز الاسلام المعتدل. فهل يستطيع مواجهة هذا التحدي؟ أم أن هناك عقبات تواجه تلك المؤسسة العريقة في قيادة التحرك العالمي لمواجهة التطرف والإرهاب الذي يستند الى الدين الاسلامي لتبرير اعماله ووحشيته وقتل الانسان الذي خلقه الله.
عرضت على الأزهر عدة سيناريوهات ولكن اعترضوا عليها لاسباب مختلفة. يتلخص السيناريو الاول في اعلان ان آيات الجهاد الموجودة في القرآن لا تنطبق على الوقت الحالي، لان هناك تفسيرات مختلفة لتلك الايات ويستخدمها المتطرفون في غسل أدمغة الشباب للقيام بتفجير أنفسهم. وكان الرد أن تلك الايات هي كلام الله ولا يمكن المجاهرة بذلك لجموع المسلمين ولغيرهم. وأضاف هؤلاء المشايخ ان تفسيرات المتطرفين هي الخطأ وليس الايات. وكان ردي عليهم لو ان هناك نسبة واحد بالمئة ان يساء تفسير آيات الجهاد فيجب وقف تنفيذها لان الثمن هو ازهاق الارواح. ومن هنا فشل السيناريو الاول الذي طرحته عليهم.
يركز السيناريو الثاني على صدور بيان من الازهر يقصر الجهاد فقط على جهاد النفس وتنقيتها امام الله واسقاط باقي مراتب الجهاد، وأن يقتصر استخدام القوة في كل المواقف على الدول. لان الدولة في تعريفات بعض العلماء مثل ماكس فيبر هي الوحيدة التي لها الحق الشرعي والقانوني في استخدام القوة. وبالتالي تحقيق العدالة والدفاع عن الدولة يكون من حق اجهزة الدولة المختصة مثل الجيش والشرطة. ولكن هذا يصطدم بتغيير المنكر الذي قد يتطلب اليد، أي ان القوة يمكن ان يستخدمها الفرد لتطبيق «شرع الله». ومن هنا فقد فشل السيناريو الثاني أيضا في تبنيه من قبل الازهر.
يدور السيناريو الثالث في الفصل بين الدين والدولة. لقد عانت اوروبا في العصور الوسطى، التي اطلق عليها عصور الظلام بسبب تدخل الكنيسة في السياسة. لقد تم حرق العالم جاليليو بسبب ان ارائه تتنافي مع تفسيرات رجال الدين للكتاب المقدس. وكان خلاص اوروبا ودخولها عصر التنوير من خلال ابعاد الكنيسة عن الدولة وتركيزها على امور الدين والاهتمام بالنواحي الروحية والاخلاقية للانسان، ووقف اسناد القوانين وغيرها الى الكتاب المقدس، ولكن قيما مثل التسامح والاخاء وغيرها من القيم المسيحية التي تساعد على التعايش وعدم التمييز بقيت تحكم المجتمع. هذا السيناريو ايضا لم يلق اذنا صاغية لان الايمان الراسخ لدى الازهر بأن الاسلام دين ودولة ولا يمكن الفصل بينهما.
لا يمكن للعالم الاسلامي ولا للازهر ان يواجه التطرف والارهاب الديني، ومن ثم التقدم بدون ان يفصل بين الاسلام والدولة مثلما فعلت اوروبا. عندما جاهر علي عبد الرازق في كتابه «الاسلام وأصول الحكم» بهذا السيناريو قامت الدنيا ولم تقعد وواجه الامرين. لا يجرؤ الازهر على طرح هذا الحل لمواجهة خطر التطرف والارهاب.
اعتقد ان السيناريو الثالث هو الحل الناجع لحل معضلة الارهاب الذي يطال الناس في منازلهم. لم يتعلم العالم الاسلامي من الخبرة التاريخية لاوروبا ويكابر في ذلك. أما اذا انشغل الدين في المجال الخاص به وترك المجال العام للسياسيين، فسيكون ذلك الاساس لبداية حقيقية لمواجهة التطرف والارهاب. كل دين يؤمن بأنه الطريق الوحيد الى الله ولا بأس في ذلك اذا كان هذا الايمان والمعتقد بين الشخص وربه. ولكن عندما ينتقل الدين الي المجال العام ويفصل في قوانين فسيبدأ التمييز والتفريق بين مواطني الدولة الواحدة الذين يعتنقون اديانا ومعتقدات مختلفة.
على الازهر ان يصلح من نفسه ويقود ثورة في العالم الاسلامي والعالم كله بتبني الفصل بين الدين والدولة من الناحية السياسية، ولا اقول من الناحية الاخلاقية والقيمية. لو قامت مؤسسة الازهر بذلك فستساهم بوقف وتجفيف منابع التطرف والارهاب باسم الاسلام. أنا من المنادين والمؤيدين لاصلاح الازهر ونجاحه وليس تقويضه كما يقول البعض. فهل يمكن ان ينجح الازهر ويقوم بتحقيق تلك الثورة التي يحتاجها العالم الاسلامي والعالم كله؟

٭ كاتب مصري

 

الأزهر: هل يستطيع مواجهة التطرف والإرهاب؟

د. سعيد جوهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية