القاهرة ـ «القدس العربي» سيطرت تحركات الوزراء والمحافظين ونزولهم للشوارع والأسواق ومواقف سيارات الميكروباص على اهتمامات الصحف الصادرة أمس الأربعاء 9 يوليو/تموز وسحب الرخص من أكثر من أربعمئة سائق خالف التعليمات وتجاوز الأسعار المحددة. وأشارت الصحف أيضا إلى زيادات في ضخ كميات البنزين في محطات الوقود، ومع ذلك أدعى زميلنا الرسام الكبير في «الأسبوع» محمد الصباغ أنه شاهد أربعة لصوص يوقفون صاحب سيارة وفي أياديهم مسدسات وخناجر وقال له أحدهم:
– خليك زي ما أنت أحنا مش عايزين العربية أحنا عايزين بنزين
ومع ذلك تواصل اهتمام الغالبية بمتابعة المسلسلات والبرامج التلفزيونية وفوز ألمانيا على البرازيل في كأس العالم، والاعتداءات الإسرائيلية على أشقائنا الفلسطينيين في غزة، والاتصال الهاتفي من الرئيس محمود عباس بالرئيس السيسي، الذي تلقي مكالمة هاتفية أيضا من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن الأوضاع في العراق.
وقيام صديقنا وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور بتفقد أعمال التجهيزات في منزل الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، لتحويله إلى متحف، من المقرر أن ينتهي العمل فيه بعد عام وسيفتتحه الرئيس، وقال عصفور انه لولا عبد الناصر لما تمكن من إكمال تعليمه الجامعي والتعيين معيدا في الجامعة بعد تخرجه. وتصريحات رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب التي طالب فيها بعدم الإضرار بأي من العاملين في شركات ومحلات الإخوان المسلمين، التي تم التحفظ عليها، واستمرار تحركات الأحزاب والسياسيين لتكوين تكتلات لخوض انتخابات مجلس النواب المقبلة. وصرح عمرو موسى بأنه تم الاتفاق على أن يكون ضمن تكتل الوفد المصري الذي يتشكل أساسا من حزب الوفد والمصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية والمؤتمر وأنه مفتوح لكل من يريد. ونفى عمرو ما نشر بأن الرئيس كلفه بالإتصال بالإخوان.
ومن اخبار الصحف قيام وزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي بزيارة للجيش الثاني الميداني، وإعلان وزارة النقل أن الرئيس طلب منها إلغاء تعاقدها مع جهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة، بإسناد تنفيذ محور شبرا الخيمة بنها بتكلفة ثلاثة مليارات جنيه، وإسناده إلى الهيئة العامة للطرق والكباري، على أن تشارك القطاع الخاص في التنفيذ، لتنشيط قطاع المقاولات.
ونجحت قوات الأمن في إلقاء القبض على اثنين هما أحمد إبراهيم ومصطفى أبو بكر، اللذين وضعا القنبلة في قطار الإسكندرية أبو قير، التي انفجرت في محطة سيدي جابر، والإعلان عن بدء خطة إصلاح وزراعة مليون فدان في عشر محافظات بعد اجازة عيد الفطر مباشرة.
وإلى بعض مما عندنا.
لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا
ونبدأ تقرير اليوم بالحكايات بمناسبة ذكرى العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر/تشرين الاول 1973، التي تثير الذكريات عن العمليات البطولية للجيش في هذه الحرب، والأفكار الجديدة التي تم استخدامها وفاجأت الإسرائيليين وقلبت الموازين كلها، ومنها فتح ثغرات في الساتر الترابي المرتفع الذي أقاموه على الضفة الشرقية لقناة السويس حتى يكون عبور قواتنا للقناة عملية مستحيلة أو تدفع فيها ثمنا فادحا يجعلها غير قادرة على إكمال مهمتها.
ولكن ضابطا شابا هو المهندس اللواء باقي زكي يوسف ـ قبطي ـ اقترح فكرة لهدم الساتر الترابي بمدافع المياه، التي كان قد اقترحها أثناء عمله في مشروع السد العالي ونشرت له مجلة «صباح الخير» القومية ـ حديثا أجرته معه زميلتنا الجميلة عزة بدر قال فيه رئيس فرع المركبات في الجيش الثالث الميداني:»كنا ندرس مشاكل العبور وعلى قائمتها مشكلة فتح الثغرات في الساتر الترابي، وهو حائط ارتفاعه عشرون مترا وميله من ناحية القناة ثمانون مترا. وفي أحد الاجتماعات خطرت لي فكرة استخدام المياه لفتح الثغرات واستخدام التجريف في فتحها، كان الساتر كله رملا طبيعيا فاقترحت وجود طلمبات ماصة كابسة توضع على زوارق خفيفة وتسحب المياه من القناة وتضخها باندفاع كبير من خلال خراطيم مياه يتم توجيهها إلى الساتر الترابي، فتقوم بتحريك الرمال وتنزل بثقلها في القناة ومع استمرار تدفق المياه بهذا الاندفاع الكبير سيتم فتح الثغرات بعمق الساتر الترابي.
ترامت لي الفكرة من خبرتي في العمل كمهندس في عمليات بناء السد العالي، عرضت الفكرة على قائد الفرقة – رحمه الله – اللواء أركان حرب سعد زغلول عبد الكريم، فاهتم بها وبعد اثنتي عشرة ساعة تم نقل فكرتي إلى أعلى مستوي في القوات المسلحة، وذهبت مع قائد الفرقة إلى قائد الجيش والتقيت مع رئيس هيئة العمليات وأعطيته صورا خاصة بالتجريف في السد العالي، وبعدها تم عرض الفكرة على الرئيس عبد الناصر فأمر بتجربتها وتنفيذها في حالة نجاحها. تم إجراء أكثر من ثلاثمئة تجربة على ساتر في حلوان في سبتمبر/ايلول 1969 بطلمبة من السد العالي استغرقت ثلاث ساعات ونصف الساعة. وفي يناير/كانون الثاني 1972 تمت التجربة على ساتر طبيعي مشابه للساتر الترابي شرق القناة في جزيرة البلاح، وفتحت الثغرة في ثلاث ساعات ووقتها تقرر استخدام التجريف كأسلوب في فتح الثغرات. لقد نجحت الفكرة لأن الجميع تحمس لها وظلت تتطور حتى تم تنفيذها في حرب أكتوبر 1973، عندما اتخذ الرئيس السادات قرار العبور، وأجمل لحظة في حياتي هي اللحظة التي رأيت فيها فكرتي رأي العين وهي تنفذ فينهار الساتر الترابي تحت ضغط واندفاع الماء من خراطيم المياه. كنت مع قوات الجيش الثالث الميداني، فقد كنت رئيسا لفرع مركبات الجيش، في السادس من أكتوبر كنت على شط غرب القناة وعبرت يوم 7 أكتوبر في السابعة والنصف صباحا مع القوات إلى شرق القناة. تاريخ لا ينسى كل لحظة مفعمة بالمعاني والتضحيات، الإنسان المصري عاشق لبلاده بالفطرة بالجينات الوراثية دقات قلبه تقول لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا».
خداع إسرائيل استراتيجيا
لإبعاد أنظارها عن مفاجأة العبور
هذه رواية اللواء زكي باقي، المهم أنه بينما تم اعتماد الفكرة بعد نجاحها في هدم الساتر الترابي فقد استمرت عملية الخداع الاستراتيجي لإسرائيل لإبعاد أنظارها عن المفاجأة التي ستتعرض لها بأن قام محمد حسنين هيكل رئيس تحرير «الأهرام» بالترويج لفكرة استحالة إزالة هذا الساتر بالمدفعية الثقيلة، وأن الأمر يحتاج إلى قنبلة ذرية وخسائر عبور القناة ستكون عشرات الألوف من الضباط والجنود. وهو ما أثار عليه الدنيا في مصر وتعرض إلى هجمات عنيفة تتهمه بنشر اليأس والاستسلام وتحطيم الروح المعنوية للجيش، وهذه المعركة حدثت أيام السادات.
قفشات وتبادل التعليقات المرحة أثناء المحاكمة
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء، ونبدأ بأكثرها طرافة، والتي دارت في محكمة جنايات القاهرة التي تحاكم الرئيس السابق محمد مرسي وآخرين في قضية الهروب من سجن وادي النطرون ويرأسها المستشار شعبان الشامي المعروف بخفة ظله، التي دفعت الذين يحاكمهم إلى الدخول معه في قفشات وتبادل التعليقات المرحة. ويوم الثلاثاء نقل إلينا زميلانا في «الأخبار» خديجة عفيفي وعزت مصطفى بعض ما دار في جلسة الاثنين ومنه:»خلال سماع الشاهد، أحدث الرئيس المعزول محمد مرسي ضوضاء بسبب حديثه مع بقية المتهمين من خلال الباب الحديدي الفاصل بينهم، وهو الأمر الذي دفع رئيس المحكمة إلى التنبيه على الرئيس السابق بالهدوء والالتزام بقواعد المحكمة، فرد محمد مرسي عليه بأنه يريد أن يرسل التحية والتهاني للشعب المصري بمناسبة شهر رمضان الكريم، خاصة أن الشعب يعيش مأساة ومصيبة بعد ارتفاع الأسعار وزيادة أسعار الوقود. وعلى الفور قام رئيس المحكمة بإغلاق الميكروفون المخصص له ودار حديث بين المحكمة ومحمد البلتاجي، الذي طالب المحكمة برفع صوتها خلال الحديث، فرد عليه المستشار شعبان الشامي بأن هيئة المحكمة بتداول وانت عايز تتجسس عليها فضحك البلتاجي قائلا: أنا عايز الشعب يسمع صوتنا».
واستمعت المحكمة لشاهد الإثبات العميد محمد الشوربجي ضابط الشرطة بجهاز أمن الدولة بالإسماعيلية، وبسؤاله من قبل المحكمة عن معلوماته عن قضية اقتحام سجون وادي النطرون، فرد الشاهد بأنه ليس لديه أي معلومات عن تلك القضية، وعلى الفور رد الرئيس السابق محمد مرسي «حسبي الله ونعم الوكــــيل»، فقــــال له رئيس المحكمة «بلاش يا مرسي تتحسبن أحنا في رمضان»، إلا أنه عاود مرددا «حسبي الله ونعم الوكيل» طلـــبت هيئة الدفاع عن المتهمين أن يتم إثبات ما قاله الشاهد، وأنا أيه دخلي بتــــلك القضــــية؟ بمحضر الجلسة وأمر رئيس المحكــــمة بإثباتها على الفـــــور فرد الشاهد بأنني كنت في وقت تلك القضـــية في الإسماعيـــلية ولـــيس وادي النطرون».
وضع شروط مسبقة لأي مصالحة يفسدها
أما المعركة الثانية فكانت في «عقيدتي» التي نشرت تحقيقا عن مبادرة جديدة لصديقنا المفكر الإسلامي والفقيه القانوني الدكتور أحمد كمال أبو المجد للمصالحة بين الإخوان المسلمين والنظام وأعد التحقيق زميلانا حسام وهب الله وإيهاب نافع وجاء فيه:»أكدت مصادر مطلعة بالأزهر أن الدكتور أحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي المعروف، لم يتصل بالأزهر للحديث حول مبادرته التي جدد طرحها مؤخرا تحت مسمى مبادرة المصالحة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين. ان الإمام الأكبر لم يكن موجودا في القاهرة طيلة الأسبوع الماضي، وبالتالي فلم يحدث أي تواصل بينه وبين أبو المجد، مؤكدا أن الأزهر لم يتطرق إلى موضوع المصالحة بين النظام والإخوان…
ومن جهته أكد منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية أن المصالحة لن تكتمل إلا إذا توافرت إرادة حقيقية لدى الدولة والإخوان على السواء وأن يتخلى الجانبان عن طرح أي اشتراطات مسبقة، لأنه ثبت بالتجربة أن وضع أي شروط مسبقة لأي مصالحة يفسدها، ثم بعد ذلك يجب تهيئة الرأي العام للقبول بها، وأن يلعب الإعلام دورا في ذلك، من خلال وقف التشاحن والاستقطاب والشيطنة، وأنه إذا لم يحدث ذلك فلن يمكن لها أن تنجح.
ان الدولة في حاجة للمصالحة لأنها مستنزفة وتواجه عقبات تمنع الاستقرار ومن مصلحتها السعي للمصالحة، وكذلك الأمر للطرف الآخر يجب أن يتخلى الطرفان عن قميص عثمان وإبداء حسن النوايا من الجانبين. وأن الجماعة الإسلامية حين طرحت مبادرتها طرحتها بدون شروط ووقتها كان سبب نجاحها أن بدأت الجماعة بنفسها بدون شروط ثم ما لبث أن بدأت المفاوضات».
الشرطة عادت إلى مسلكها
اليومي المتغطرس
وثالثة المعارك من نصيب صديقنا مستشار التحرير لجريدة «الكرامة» لسان حال حزب الكرامة الناصري، أمين اسكندر، حيث هاجم يوم الثلاثاء نفسه الرئيس والنظام في مقاله في «المصري اليوم» قائلا:»الحقيقة التي نعيشها يوميا تكشف لنا حتى الآن أنه ليست هناك رؤية واضحة نواجه بها المشكلات التي من أجل حلها فوضنا المشير لمقاومة الإرهاب وانتخبناه، آملين أن ينجح في تقديم حلول لها، لذلك كان شعار معركته الرئاسية «الأمن والاستقرار»، وهو الشعار ذاته الذي رفعه مبارك في آخر ولاية له، فما زلنا نعيش عمليات إرهاب يومي من قبل جماعات العنف والتطرف المتأسلم، ولم نسمع رؤية شاملة في مواجهة عمليات الإرهاب تلك سوى المواجهة الأمنية فقط، حيث يسقط الشهداء من جانب قوات الشرطة يوميا.
الواقع المعاش الآن يصرخ بأعلى صوت، لكي يشير الى انتهاكات لحقوق الإنسان في أقسام الشرطة والسجون، التي عادت إليها كل أساليب التعذيب السابقة، وعادت الشرطة إلى مسلكها اليومي المتغطرس. تخفيض الدعم في الطاقة ألحق الضرر بالفقراء وأصحاب الدخول المتوسطة، ولم يقترب من الأغنياء، وبعد ذلك كله ما رأي كل من أيد الرئيس الضرورة من غير برنامج؟ «الواضح لنا حتى الآن أن مبارك هو الذي يحكم مصر بسياساته رغم الثورة»وأنه ليس هناك لغز في السياسات المطبقة الآن».
الدعم يرفع والفقراء هم الضحايا
وهكذا فتح أمين الباب لاستمرار المعارك حول موضوع رفع جزء من الدعم عن الطاقة، وهي القرارات التي قال عنها في «أهرام» الثلاثاء زميلنا وصديقنا الدكتور وحيد عبد المجيد:»كان يمكن ترشيد القرارات التي صدرت لخفض الدعم ورفع الأسعار للمشتقات النفطية جميعها، إضافة إلى الكهرباء بدون تمييز، فالخطأ الأساسي في هذه القرارات هو رفع أسعار السولار والمازوت في المرحلة الراهنة، لأنه تسبب في زيادة تكلفة كثير من السلع والخدمات وبالتالي في أسعارها.
ويتحمل الفقراء الكثير من أعباء هذه السياسة، خاصة في ظل عدم استثناء حتى الأكثر فقرا من الزيادة في أسعار الكهرباء والبنزين، فلم يرحم متخذ قرارات رفع أسعار الشريحة الأدنى من المستهلكين الذين يقل استهلاكهم عن مئة كيلووات شهريا، رغم أن الحد الأدنى من مراعاة الاعتبارات الاجتماعية يفرض استثناء من يقل استهلاكهم عن ثلاثمئة كيلووات.
كما شملت الزيادة بنزين 80 أيضا بحجة منع تهريبه، رغم أن المنظومة المسماة بالكروت الذكية، يفترض أن تتكفل بذلك وفق ما يعلنه مضمونها، ويعني هذا أن الفقراء الذين أصبحت حمايتهم ضمن أهم مسؤوليات الدولة في اعتى الدول الرأسمالية، ما زالوا خارج نطاق حسابات دولتنا التي تتغير نظمها وحكوماتها، بينما تستمر سياساتها منحازة إلى الأثرياء والأكثر ثراء منذ نحو أربعة عقود».
الحكومة مدعوة لفرض
تعريفات عادلة للنقل داخل المدن
ومن المعروف أن وحيد كان مسؤولا عن برنامج المرشح الرئاسي زميلنا وصديقنا حمدين صباحي، لكن في عدد «الأهرام» نفسه كان لرئيس مجلس إدارتها المفكر الاقتصادي البارز أحمد السيد النجار رأي مختلف تماما عن هذه القرارات قال عنها:»أمام مصر طريقان لمعالجة عجز الموازنة، وما تراكم بسببه من ديون داخلية وخارجية، فإما أن نستدين من الداخل والخارج ونكمل مسيرة الفشل والتبعية التي سار على دربها السادات منذ منتصف السبعينيات، وأكمل من بعده مبارك ومرسي، وفي هذه الحالة سنتحول سريعا إلى نموذج الدولة الفاشلة المستباحة من كل مقرضيها، بما يجعل وجودها كدولة وطنية موحدة محل تهديد حقيقي بعد أن تعرض دورها كقوة إقليمية ودولية قائدة إلى أضرار فادحة، بسبب اعتمادها على المساعدات الخارجية. والطريق الثاني هو أن تقف مصر بصورة حاسمة لمعالجة هذه القضية بالاعتماد على الذات، بما ينطوي عليه من مصاعب وترشيد وحتى تقشف. لكن السير في هذا الطريق الثاني يتطلب درجة عالية من التحمل والجلد والعدالة في توزيع الأعباء بصورة تخلق حالة وطنية عامة تدعم دعوة البناء والإصلاح الحقيقي. بالنسبة لأسعار الكهرباء فإن القرارات الجديدة استهدفت خفض دعم الكهرباء من 38.7 مليار جنيه لو بقيت الأسعار كما هي إلى 27.4 مليار جنيه، ولتحقيق هذا الهدف تم رفع سعر الكيلووات للاستهلاك المنزلي في الشريحة العليا للاستهلاك، التي تعبر عن أصحاب الدخول المرتفعة، يبلغ نحو عشرة أمثال سعره بالنسبة للفقراء الذين يستهلكون أقل من خمسين كيلووات مقارنة بأقل من 4 أمثال السعر قبل التعديلات الجديدة، وهذا يعني بشكل قاطع أن قائمة أسعار الكهرباء الجديدة أكثر عدالة من سابقتها، فضلا عن أنها تخفف الأعباء عن الدولة وتحملها للأثرياء والشرائح العليا من الطبقة الوسطى.
يعتبر رفع أسعار مواد الطاقة من بنزين وسولار ومازوت وغاز من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في قرارات الحكومة الأخيرة، وبداية فإن أسعار البنزين والسولار ثابتة منذ عام 2008، أي منذ ستة أعوام تضاعفت فاتورة دعم الطاقة الهائلة وتفاقمت وطأتها بعد أن أصبحت مصر تستورد الغاز بسبب توقف بعض شركات الإنتاج بعد الثورة في ظل عدم سداد مستحقاتها. ومن الطبيعي أن تبحث الدولة عن تخفيض عجز الموازنة العامة للدولة من خلال ضغط الانفاق على دعم الطاقة وأدى هذا التخفيض على الفور لارتفاع أسعار المنتجات البترولية والغاز.
وأشار رئيس الحكومة إلى أن هذه الارتفاعات تعني زيادة تكلفة النقل لما يتراوح بين 5٪ و 10٪، وفي هذه الحدود يبدو الأمر مقبولا، لكن الذي حدث في الواقع أن قطاع نقل الركاب الذي يهيمن عليه القطاع الخاص رفع تعريفة النقل بين الأحياء والمدن الى أكثر من النصف، بل تضاعف في بعض المناطق والمدن، ما أثار استياء المواطنين، ليس بسبب الإجراء الأولي رفع أسعار مـــــواد الطاقة، وإنما بسبب تأثيراته السلبية التي لم تحمهم الحكومة منها. كما أنه من غير المنطقي أن تترك الحكومة عملية نقل المواطنين بأيدي القطاع الخاص الذي يتصرف بشكل تسلطي في ما يتعلق بتسعير الخدمة في غياب الحماية الحكومية، والحكومة مدعوة فورا لاستخدام سلطتها السيادية في فرض تعريفات عادلة للنقل داخل المدن وبين المحافظات».
كيف عالج الحاكم بأمر الله الفاطمي جشع التجار
لا.. لا.. لقد نسي النجار درس التاريخ في كيفية مواجهة جشع التجار ورفعهم الأسعار من دون مبرر، سوى استغلال خلق الله المساكين وذلك بواسطة المحتسب أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وذكرنا بها مشكورا يوم الثلاثاء نفسه في «الوفد» الدكتور نصر محمد عارف أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بقوله:»هذه ليست ظاهرة جديدة في مصر، ولكن للأسف ظاهرة متكررة شهدتها مصر في فترات من تاريخها وبالصورة نفسها وأحيانا أقسى وأشد. ففي عهد الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي الذي حكم مصر من 996 إلى 1021 انتشر ظلم التجار وجشعهم ومبالغتهم في الأسعار، كما انتشر الغش في البضاعة وعدم النظافة في صناعة الأطعمة وتسويقها. فأمر الحاكم بنظام صحي في صناعة الخبز وفي الجزارة وفي نظافة المحال والطرقات، ولكن المخالفين من التجار كانوا أكثر من الملتزمين بالقانون، وعلى الرغم من وجود عقوبات مثل الغرامة والسجن، إلا أن تجار مصر المحروسة أو تجار القاهرة آنذاك لم يردعهم سجن ولا عقوبات مالية. عندها أمر الحاكم بأمر الله المحتسب الذي كانت وظيفته ضبط الأسواق أن يصطحب معه في جولاته في السوق عبدا قويا اسمه مسعود، وإذا وجد تاجرا يغالي في السعر أو يغش في المكيال والميزان أو يبيع بضاعة فاسدة أو غير صحية فإن المحتسب يأمر مسعود أن يفعل فيه الفاحشة أمام الناس وفي قلب السوق .
وللأسف انضبط السوق والتزم التجار وطبق القانون، ولكن بمعصية أكثر خطورة على المجتمع من جرائم التجار، ولكن هذا هو الحاكم بأمر الله صاحب الغرائب والعجائب، ولن يطالب عاقل بقانون الحاكم بأمر الله وضع ضوابط العلاقة التجار بالفلاحين ووضع ميثاق شرف اقتصادي يحدد الحد الأقصى لها مش الربح في كل أصناف التجارة وفي كل الخدمات».
مفهوم الخلافة الإسلامية
وهكذا ذكرنا الدكتور نصر أفاده الله بحكايته عن الخليفة الفاطمي بمعركة الخلافة الإسلامية التي اندلعت بعد أن أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة عن المسلمين بعد تأسيس الدولة الإسلامية في الشام والعراق، وطلب إعلان البيعة له، فاشتعلت الهجمات ضد الإسلاميين أكثر وأكثر وازدادت التحذيرات منهم، ما دفع زميلنا الكاتب الإسلامي فهمي هويدي لأن يقول يوم الثلاثاء ذاته في مقاله المتميز في «الشروق»: مبلغ علمي أن الباحثين في الفكر السياسي الإسلامي اتفقوا على أن الإسلام لم يحدد شكلا ولا نظاما للحكم، ولكنه فقط أرسى قاعدة «الشورى» لتكون أساسا للحكم، بما يعني أنه حدد «حتمية يصوغها أهل كل زمان حسب ما تقتضيه مصلحتهم، وقد ظلت الخلافة الراشدة نموذجا فريدا في التاريخ يشعر المؤمنين بالاعتزاز والفخر.
ولا بأس في أن تختلط مشاعر الاعتزاز بالخلافة عند المؤمنين بالحنين إليها، من باب إنعاش الذاكرة وترطيب الجوانح ليس أكثر، إذ لا يستطيع أحد أن يمنع المسلمين من استعادة عصورهم الذهبية واستلهامها، لكن ذلك لا ينبغي له أن يمثل التزاما بمرجعية الشكل، وقد أثار انتباهي أن تلك المتابعات أخذت المسألة على محمل الجد وتعاملت مع الفرقعة وكأنها حقيقة مستقرة على الأرض وليست مجرد سحابة عابرة في فضاء المنطقة ضمن تجليات الفوضى التي تعتمل بين جنابتها.
بعض عناصر النخبة المصرية قرأت الحدث من منظور آخر صالح في حسابات السياسة الداخلية والصراع الحاصل الآن في مصر بين السلطة والإخوان، وكانت الرسالة التي حرصوا على توصيلها هي أن «داعش» هي النموذج الذي يسعى الإسلاميون إلى تطبيقه حيثما وجدوا، وأن الجميع لابد أن يحمدوا الله ويشكروا الرئيس عبد الفتاح السيسي لأنه أنقذ مصر من المصير البائس.
أخطر ما في ذلك الخطاب أنه يضع الجميع في سلة واحدة ويعتبر أن فكرة الاعتدال الإسلامي خرافة روجتها بعض الجماعات وحيلة انطلت على كثيرين، والحقيقة من وجهة نظرهم أنه لا فرق بين طالبان وبوكوحرام وداعش، وبين الإخوان وحزب الوسط وحركة النهضة التونسية وحزبي التنمية والعدالة في المغرب وتركيا، فكلهم إرهابيون حملوا أسماء متباينة وأخفوا قسماتهم تحت أقنعة مختلفة. إن مقاومة شيطنة الإسلاميين جميعا أصبحت ضرورة ملحة في وقت صار فيه الفرز فريضة غائبة وأحد سبل الخروج من المأزق السياسي الذي نعاني فيه.
الخلافة ليست شخصا يرشحه
أتباعه ويلزمون الآخرين بطاعته
أما صديقنا وعضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم فقد شن هجوما عنيفا في «المصري اليوم» في اليوم نفسه ضد داعش وأعطى مفهوما جديدا للخلافة الإسلامية بقوله:»هؤلاء لا يعرفون معنى الخلافة العظيم الذي قصده الإسلام، ولا يعرفون أن رجلا مثل عمر بن الخطاب لم يصدر للأمم الأخرى التفجيرات وذبح الأسري وتكفير المسلمين ولم يسيس الناس بالقسوة ولا الجبروت، وهو الذي انتصر لمواطن مصري مسيحي جاءه من بلاد بعيده يشكو ابن عمرو بن العاص حاكم مصر ولولا أن هذا المسيحي كان يعرف عدل عمر ما ذهب إليه فإذا به يأمره يضرب ابن الحاكم ثم يطلب منه أن يضرب صلعة عمرو بن العاص الصحابي الجليل قائلا: لولاه ما ضربك ابنه فرفض المواطن المسيحي قائلا: لا ذنب له فيهتف عمر بن الخطاب بهتاف الخلافة الحضاري العظيم: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
إن الصورة المثلى العربية أو الإسلامية في شكل واحد تتكامل فيه اقتصاديا أولا ثم سياسيا. ثانيا ثم تنشئ قوة عسكرية مشتركة مثل الحلف الأطلنطي. ثالثا بحيث يتحرك المواطن العربي من دولته إلى أخرى بالبطاقة ويكون هناك إعفاء جمركي وتوحد ضريبي وهذا هو المتاح والممكن الآن.
الخلافة يا سادة أكبر من علم يرفع أو بيان يذاع أو شخص يرشحه أتباعه للخلافة ويلزمون الآخرين بطاعته وهو لا يملك من مقومات الحكم سوى السيف والنطع والقنبلة والمفجر وكلمات يدغدغ بها عواطف البسطاء».
حسنين كروم