حسب أحد الادعاءات المفضلة على أولئك الإسرائيليين، الذين من جهة يجدون صعوبة في الانفصال عن مشروع الاحتلال والاستيطان ومن الجهة الأخرى يخافون على صورتهم الذاتية الأخلاقية والمتنورة ـ فإن إنهاء الاحتلال ليس من المتوقع أن يفيد الفلسطينيين بل بالعكس، لدى ذهاب المحتل الإسرائيلي المستنير، سيحل حسب رأيهم على الفلسطينيين ظلمة الدكتاتورية الإسلامية، بصيغة نظام حماس في غزة، أو، للأسف، دكتاتورية عربية علمانية فاسدة مألوفة، بتلك الصيغة التي تميز أجيالا من الدول العربية العديدة.
يمكن الافتراض، أن الإسرائيليين الذين يعارضون هذا الادعاء، سيرفضونه بالأساس بسبب بعد التعالي الكولونيالي الذي يتضمنه، ولكن أغلبهم يوافقون على المضمون الواقعي له («العرب والديمقراطية لا يتوافقان»). ولكن في الحقيقة فان المتنبئين بالظلمة التسلسليين بخصوص مستقبل الديمقراطية الفلسطينية، يتجاهلون الأساس الديمقراطي الواضح والمغروس عميقا، إلى جانب خاصية الكفاح المسلح، من الـ DNA الفكري للحركة الوطنية الفلسطينية منذ المراحل الأولى لظهورها وحتى اليوم.
من وجهة نظر الفلسطينيين، فإن التوجهات الديمقراطية للقومية الفلسطينية نمت وترعرعت كفرضية مضادة لمناهج التفكير وأساليب العمل غير الديمقراطية بصورة بارزة والتي ميزت القومية الصهيونية منذ حققت نجاحاتها السياسية الأولى.
سيقال فورا، إن الهدف السياسي للحركة الصهيونية ـ تقرير المصير للشعب اليهودي في أرض إسرائيل ـ توافق مع المعايير الأخلاقية الدولية العالمية، حيث أن اليهود كباقي الشعوب كانوا جديرين بتقرير مصير قومي، في الوقت الذي كان فيه المكان الوحيد في العالم الذي رأى فيه اليهود والكثيرون من غير اليهود بانه هو الوطن السابق للشعب اليهودي هو أرض إسرائيل («فلسطين»). ولكن لست مضطرا أن تكون «ما بعد صهيوني يكره إسرائيل»، من أجل الاعتراف بحقيقة أنه منذ وعد بلفور فإن تحقيق الأهداف العادلة للصهيونية كان مرتبطا بصورة محتومة بسحق فظ للحقوق الأساسية الديمقراطية لسكان البلاد الفلسطينيين. في حين أن الشعب اليهودي، الذي كان يشكل أقلية بسيطة من مجمل سكان البلاد، حصل على وعد صريح بإقامة وطنه القومي فيها. أما الحقوق السياسية القومية للأغلبية العربية في البلاد فقد أجلت، من أجل السماح بخلق أغلبية يهودية فيها ـ وهو الشرط الضروري الوحيد، من وجهة نظر الصهيونية، لسكب مضمون سياسي فعلي في صيغة «وطن قومي».
كنقيض للمقاربة غير الديمقراطية هذه، طرحت القومية الفلسطينية رؤيا سياسية ـ مدنية شاملة ومساوية جدا. حيث أنها في حزيران 1928، وبعد عدة سنوات من المصادقة على الانتداب البريطاني من قبل عصبة الأمم، فإن مؤتمر عموم فلسطين السابع، الذي ضم عددا من الأحزاب والتيارات المختلفة في القومية الفلسطينية في ذلك الوقت، دعا إلى إنشاء مجلس تشريعي يمثل جميع سكان البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الصهاينة لم يخطر ببالهم تبني هذه الفكرة، وذلك لأنهم افترضوا، وبحق، أنه في ظل الظروف الديمغرافية القائمة فإن المجلس، الذي يكون للعرب فيه، أغلبية عددية واضحة، لن يوافق على إنشاء الوطن القومي لليهود فقط.
بعد مرور أربعة عقود (1968)، فإن المؤتمر الثالث لـ م.ت.ف دعا إلى أن يقام بدلا من إسرائيل، دولة ديمقراطية واحدة لكل سكان البلاد، من دون تمييز في «اللون أو الدين أو العرق».
من المفهوم، أنه نظرا لأن معنى هذه الرؤيا هو الغاء حق الإسرائيليين في تقرير المصير، فإنها كانت مخالفة لمبادئ العدل الدولي. وليس بالإمكان إنكار، أن نموذج الدولة العتيدة الذي وضعه، أمثال المثقفون الفلسطينيون مثل نبيل شعث في مقاله البرنامجي، «فلسطين الغد» (1971، الذي اقتبس في مقاله د. هنيدة غانم «بين حلين، الدولة الواحدة») ـ الذي يقول فيه إن فلسطين الكاملة تكون دولة الفلسطينيين من كل الأديان، وتمنع فيها التمييز على أساس أي انتماء طائفي خاص ـ وهو نموذج لديمقراطية مدنية ليبرالية من الدرجة الأولى، يمكن لأي قومية حديثة ديمقراطية أن تفاخر به.
برغم الإهانة والقمع المستمرين للحركة القومية الفلسطينية في أيامنا هذه، فإنه في هذا الوقت أيضا، يمكننا أن نشخص بوضوح في أوساط القومية الفلسطينية بؤرا ساطعة لرؤيا مدنية ـ ديمقراطية. على سبيل المثال، العناصر القيادية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. أجل، يجب تذكير كل المنتقدين والمشهرين بـ «القائمة المشتركة» الكثيرين، أنه في إسرائيل بتسليئيل سموتريتش، آييلت شكيد وقانون التفوق للقومية الاثنية الدينية اليهودية ـ فإن الأحزاب العربية هي التي ترفع راية «دولة كل مواطنيها» الإسرائيلية الديمقراطية. وهي أيضا التي تقف في جبهة معركة وقف التصفية المتسارعة لبقايا مكونات الديمقراطية لدولة إسرائيل.
في الوقت الذي فيه النتائج المخيبة للآمال «للربيع العربي» في معظم الدول العربية، وكذلك مشاكل أداء ليست بالقليلة تكتنف السياسة الفلسطينية الداخلية في ظل ظروف حكم عسكري إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، لا ترفع من معنويات الشعب العربي الفلسطيني ـ جدير بالذكر، أن للقومية الفلسطينية الحديثة، طبقات عميقة من تراث التفكير السياسي الديمقراطي، التي تصلب عودها، وازدادت مضاءً، في ظل كفاحات ذات عناصر تركز على العرقية في القومية الصهيونية. عندما يحين الوقت، إذا عندما ينتهي الاحتلال الإسرائيلي «المستنير» يمكن لهذه الطبقات أن توفر القاعدة التحتية الفكرية الحيوية لبناء الدولة الفلسطينية الديمقراطية.
هآرتس 10/10/2017
ديمتري شومسكي