لا يصحّ أن نستسهل القول بعجمة لفظة من الألفاظ، فلقد أدى الاستسهال إلى تعجيم كثير من الألفاظ التي لا شك في عربيتها، حتى جنح الوهم ببعض القدماء والمعاصرين، إلى اعتبار لفظة القرآن ذاتها أعجمية. ومثل ذلك لفظة أستاذ التي نعالج شأنها هنا.
لقد تناول بعض الأفاضل أصل لفظة الأستاذ بالمقلوب، حين قرروا أنها كانت تُطلق في الحضارة الفارسية القديمة على المخصيين. وهذا خطأ ووهم. فقد وردت روايات أن كبراء القوم في معظم المجتمعات عبر التاريخ كانوا يُخْصُون كل من تقتضي وظيفته كثرة الدخول إلى (حريمهم) سواء كانت وظيفته رفيعة أم وضيعة، ومنهم رجال الحاشية والأساتذة والشعراء والعلماء والتجار ورجال أديانهم. فالإخصاء شيء، والمنصب أو المهنة أو الوظيفة شيء آخر.
كما أن اللغة الفارسية ليس فيها لفظة أستاذ بل أستاد، بالدال. ولقد أدّاني البحث اللغوي إلى أن لفظة أستاد عربية أيضا، وما زالت بعض اللهجات العربية تطلقها على المعلمين. ويبدو أن عشاق التعجيم أرادوا للفظة (أستاذ) وغيرها أن تكون أعجمية، فوضعوا عددا من القواعد، منها قاعدة تقرر أن الذال لا تلتقي مع الزاي والسين والصاد، إذا كان أيّ منها حرفا أصليا في الكلمة، وبذلك تمكنوا من ربطها بمعنى الإخصاء الموهوم. ولا نجد، في علم الأصوات مبررا لعدم اجتماع حروف الصفير الزاي والسين والصاد، مع الذال. ذلك أنّ ثمة سببا رئيسا يمنع اجتماع حرف مع آخر، أن يكون التلفظ بهما معا عسيرا جدا. وعلى الرغم من ذلك، جاءت جذور لغوية يتعسّر نطقها. وحاول أن تلفظ عَشْزَر وعَفْضَخَ وعَهْعَجَ، مما تراه في المعجمات اللغوية، فهي بالتأكيد أثقل من (سَتَذَ) وهو الجذر الذي نفترضه لكلمة أستاذ، وأثقل من سَذَبَ، وسَذَجَ.
ثم إن مسألة صعوبة النطق وسهولته مسألة نسبية، تختلف من واحد لآخر، ومن قوم لقوم، وبالتعود على اللفظ تزول تلك الصعوبة. وها أنت ترى أنّ مِنْ غير العرب مَنْ لا يستطيع لفظ بعض الحروف العربية، إلا بمعاناة وشدة، فإذا تعوّد ذلك سهل تلفظه لها وتيسّر، بل إن من العرب من تراه يعسر عليه لفظ بعض تلك الحروف لأنه تعود على نطقها مشوّهةً. ثم إن لفظة الأستاذ دلت، في الحضارات القديمة في جزيرة العرب، وهي حضارات عربية الأصول، على ذي المنزلة الرفيعة، علميا أو اجتماعيا. واستمر فيها هذا المعنى إلى الآن. ولو كان فيها شبهة الإخصاء لَما قال مسلم بن الحجاج (تـ261 هـ)، لشيخه البخاري (تـ 256 هـ): أنت أستاذ الأُستاذِين وطبيب المحدثين، خاصّة أنه قد ترعرع في البيئة التي قيل إنها أطلقت اللفظة على المخصيين، فهو من نيسابور من بلاد فارس. وتدري أن المتنبي ذكرها في قصيدته اليائية التي رثى بها نفسه، بمطلعها (كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا) حين أكرهه الزمان على الالتحاق بكافور:
مدىً بلِّغ الأستاذَ أقصاهُ ربُّهُ
ونفسٌ له لم ترضَ إلا التناهيا
الأستاذ، هنا، مديح لمنزلة كافور الذي كان حاكم مصر آنذاك.
فالذي أراه أن لفظة الأستاذ عربية أصيلة، ولا يقدح في هذا الرأي خلوّ المعجم العربي من الجذر ستذ. ذلك أن العلماء القدماء اتفقوا على أنّ كثيرا من اللغة قد ضاع ولم يصل إليهم منها إلا أقلّ القليل. إذ كان جل اعتمادهم على ما تبقى لهم من الشعر الجاهلي الذي لا يرقى تاريخه إلى أكثر من مئة وخمسين سنة قبل الإسلام. وربما تجد في: تَأسْتَذَ فلان، أي صار أستاذا، وأسْتَذَت الجامعة مدرّسيها، وهو أستاذ الأساتيذ، مثلا، شيئا من الغرابة والصعوبة، ولكن الغرابة والصعوبة ستزولان بالاستعمال والتعود على نطقها. وأما اختصاصها بالمذكر دون المؤنث فغير سليم. وسبق أن تحدثنا عنه في حلقة تراها في الموقع الإلكتروني للجريدة بعنوان (المناصب بين التذكير والتأنيث).
تحية لكل أستاذ وأستاذة، وللأساتذة والأستاذات، كافة.
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
هادي حسن حمودي