الأسد في تونس… جندي أم جنرال؟

بعد ثمان وأربعين ساعة كسر الصمت وقرر وضع حد للشائعات القوية التي سرت في تونس حول انسحابه الوشيك من قيادة الحكومة.
القطرة التي أفاضت الكأس ودفعته للإقدام على تلك الخطوة كانت نشر صحيفة «المغرب» اليومية المحلية، في التاسع عشر من الشهر الماضي، معلومات وصفت بالخاصة والحصرية، حول قرب حصول «مفاجأة سياسية كبرى قبيل رمضان»، كان هو المعني مباشرة بها. وما فعله الحبيب الصيد هو أنه بادر إلى نفي كل تلك التسريبات والتوقعات جملة وتفصيلا قائلا في تصريح نقلته عنه إذاعة «موزاييك» الخاصة، «نحن دائما نشتغل بهدوء وما يقال هذه الأيام لا أساس له من الصحة، وسنواصل العمل لأن لدينا مهمة نقوم بها إلى آخر رمق».
لكن ما حصل خلال أقل من اسبوعين من ذلك التأكيد القطعي والحاسم هو، أن قائد المركب الحكومي عاد ليعدل أوتار لهجته الوثوقية ويؤكد لمحطة إذاعية أخرى «أن الحياة لن تتوقف عند استقالته، وأنه سيواصل عمله طالما أن تونس في حاجة إليه». أما ما فرض التعديل وجعل التحول السريع والمفاجئ مطلوبا هو أن تونس التي قصدها في تصريحه الإذاعي الأخير خرجت عن تحفظها الرسمي المعروف وكشفت أن دعمها القوي المعلن له ليس مفتوحا بلا قــيد ولا شرط، وأنه بات قابلا للمراجعة الآنية والظرفية.
كان ذلك واحدا من الاستنتاجات التي خرج بها المتابعون لحديث الرئيس الباجي قائد السبسي، الخميس الماضي، في التلفزيون الرسمي، وبالاخص إشارته إلى أنه لا بد من وجود بديل «يخطو خطوات جريئة أكثر».
لم يصرح قائد السبسي حينها بشكل واضح ومباشر بانه لم يعد هناك مبرر او حاجة لبقاء الصيد في القصبة، ولكنه أطلق رصاصة الرحمة على حكومته. لقد قال جوابا على سؤال المذيع حول الخلاصة التي خرج بها بعد كل اللقاءات التي اجراها مع بعض الوجوه والشخصيات الوطنية «أنا أعيش في تونس ولا أعيش في المريخ، ورأيت أن الانتقاد أكثر من الاستحسان، رأيت أناسا ينتقدون وهم جديون في ذلك فحتى اتحاد الشغل (نقابة العمال)، الذي هو ركيزة أساسية للنظام الجمهوري، وكان ركيزة الكفاح وبناء الدولة العصرية، أصبح ينتقد إلى درجة أنني اصبحت أضع نقطة استفهام حول الطور الذي وصلنا إليه». وأضاف «أن البعض يقول إن الباجي يختبئ خلف الدستور، والبعض يقول إنه انتخبني ليخرج من الوضع الذي يعيش فيه، وجل المنتقدين يقولون إن الحكومة فاشلة. ومؤخرا قرأت حوارا للناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية قال فيه، إن مؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسة رئاسة الحكومة ومؤسسة مجلس النواب فشلت… هذا الحكم أنا آخذه بعين الاعتبار. لقد التقيت بعض ممثلي الاحزاب وتحدثوا عن حكومة إنقاذ، وأنا أعتبر أن هذا الأمر ليس على صواب، لكن هناك من يقترح حكومة وحدة وطنية، وهذا الامر يمكن النظر فيه».
لم يفشل الرئيس ولا البرلمان بل كان الفشل كما شرح قائد السبسي فقط واساسا من نصيب حكومة رأى انها «عندما أمسكت بالحكم لم تفسر للشعب حقيقة الوضع الذي وجدته»، معتبرا أن نتائج أدائها الاقتصادي «مرضية ومتوسطة وكان يمكن أن تكون احسن لو فرضت الدولة تطبـــيق القانون وتجنبنا تعطيل الانـــتاج وقلصنا نسب البطالة». هل كان الخطأ في اختيار الصيد لرئاسة حكومة قامت على فكرة الشراكة والائتلاف، بين من كانا شهورا قليلة إلى الوراء نقيضين وخصمين لدودين لا سبيل ابدا لالتقائهما؟ أم أن الخلل كان فقط وبالاساس في الظروف المحيطة بعمل الحكومة والمناخ السائد حولها بغض النظر عن الشخص المكلف بالقيادة؟
إن ما طلبه منه الجميع فور تعيينه على رأس الحكومة هو أن يكون أسدا، مثلما دل عليه اسمه في اللهجة التونسية، وأن يفرض سلطة القانون ويبادر بالقيام بإصلاحات صعبة وعميقة طال انتظارها. ولكن طيبته وهدوءه ونظافة يده ووقوفه على الحياد أمام معارك حزب النداء الداخلية، وتصرفه كقائد اوركسترا يرغب باختيار فريقه بعيدا عن تأثيرات وتدخلات ملاك المبنى، جعله يدخل في صدامات صامتة مع حزب الأغلبية، ويزعج الحزب الثاني، أي حزب حركة النهضة، لكن بدون الوصول إلى درجة القطيعة، أو الأزمة الحادة والمفتوحة معه. والعقبة الكبرى التي وقفت أمامه هو أن الوزراء الذين اختارهم للعمل في فريقه ضمن ترشيحات عرضتها عليه الاحزاب الأربعة، التي شكلت الائتلاف الحكومي صاروا يتصرفون في وزاراتهم بدون الرجوع إليه في معظم الحالات، وحتى بدون التنسيق فيما بينهم أو بين الاحزاب التي رشحتهم. لقد جعلته تلك الوضعية مثل قائد جيوش لا يملك السيطرة على جنوده، وكان المشهد الأكثر سريالية وتعبيرا عن تلك الصورة، هو إقدام وزير التنمية والتعاون الدولي في أبريل الماضي، على توجيه انتقادات حادة للحكومة التي هو عضو فيها، داعيا إلى ضرورة إجراء تعديل عاجل عليها، لأن «الوضع العام في البلاد سيئ»، على حد تعبيره. رد الصيد على كل تلك التجاوزات بالهدوء والصمت المعتاد، معتبرا انه من حق وزرائه أن يعبروا عن آرائهم، وحتى أن يطمحوا ويفكروا في خلافته يوما ما.
لقد كان تسامحه الزائد وتردده في حسم الملفات واحدا بين أسباب كثيرة جعلت معظم التونسيين يشكون في استمرار بقائه لوقت أطول في القصبة. ومنذ تعيينه في منصبه في فبراير من العام الماضي، ظل يحاول السير على رمال متحركة بدون اي دعم او سند، عدا ثقة الرئيس السبسي، الذي كان عارفا ومدركا للتعقيدات والصعوبات التي يمر بها البلد، ومتمسكا ببقائه كخيار أملته الحاجة، لوجود شخصية لا يمكن أن تحسب لصالح اي طرف داخل حزب النداء أو خارجه. إنه هو أي الباجي من اختاره وفرضه على حزبه السابق، في خطوة لاقت حينها قبول واستحسان شريكه في السلطة، اي حزب حركة النهضة، الذي اعتبره الرجل المناسب لمرحلة التوافق. ولانه ليس «سوبرمانا» باستطاعته مواجهة التيار منفردا فلم يكن من المنطقي والطبيعي أن يظل موجودا في موقعه الحكومي البارز لمجرد أن خصاله الشخصية وسيرته الذاتية ومعرفته العميقة بالإدارة تجعله أهلا لذلك.
إن تداخل الأدوار المستمر في تونس منذ أكثر من خمس سنوات جعل فرص البقاء أوفر وأقوى فقط للذئاب والثعالب التي تجيد المكر وتملك قدرا واسعا من الدهاء والقدرة على المناورة المستمرة. ولم يكن هناك ما يدل على أن تلك المواصفات كانت موجودة بقدر واسع على الاقل في اسد تونس، فهو إداري بالأساس لا يأبه كثيرا لتقلبات السياسة ويعرف المقربون منه انه كتب نص استقالته ولوح بها ايضا اكثر من مرة، قبل أن يتراجع في اللحظات الاخيرة بعد تلقيه تطمينات الرجلين القويين في تونس الرئيس الباجي والشيخ راشد الغنوشي، لكن هل انتهى مفعول دعمهما له بعد أقل من عامين؟ وهل سحب البساط نهائيا هذه المرة من تحت قدمي رجل الوفاق؟ لقد لمح الشيخ الغنوشي في مقابلة مع تلفزيون «نسمة» إلى أن مسألة بقاء الصيد او مغادرته القصبة تظل بيد الرئيس الباجي، ثم الحزب الفائز في الانتخابات، اي حزب النداء. وبالنسبة للرئيس لم يصدر عنه بشكل صريح ومكشوف اي موقف واضح ومحدد حول الخيار الذي يفضله، وحتى جلسة الاثنين الماضي التي جمعته بالصيد لم تكن كما توقع البعض حاسمة في الموضوع. ما يريده قائد السبسي هو التحضير لمرحلة جديدة يتحقق فيها شكل من الاجماع الوطني لا على شخص رئيس الحكومة فقط، بل على برنامجها وأهدافها وطرق عملها ايضا. ولعل هذا هو مربط الفرس وأصل الداء، فلا يمكن لأي مسؤول أن يجد الحل النهائي لوضع معقد تعجز فيه الحكومة عن فرض القانون بتجرد وصرامة ويعطل فيه الانتاج باسم مطلبية زائدة ويواجه هو وحيدا مثل قصبة في الريح كل العواقب والنتائج الكارثية. لقد كان الاسد او الصيد مثلما قال عن نفسه «جنديا من جنود الجمهورية»، وردد علنا ألا مشكل له مع الاستقالة، إن كانت تصب في مصلحة بلده، ويبدو أن تحديد مصيره سيكون فرصة ثمينة لكشف الستار عما يجرى داخل الغابة السياسية من خطط ومؤامرات وعمليات «ضرب تحت الحزام». ولن يحصل كل ذلك بالطبع لا بعد ثمان وأربعين ساعة ولا حتى بعد ثمان وأربعين يوما، لان الرواية مازالت غامضة وطويلة ومازال وراء عنوانها المؤقت عناوين أصلية كبرى للكثير من الألغاز المبهمة والصعبة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

الأسد في تونس… جندي أم جنرال؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية