بيروت ـ «القدس العربي»:لا تبدو الأسرة اللبنانية والعربية في أحسن أحوالها بسبب الظروف القاسية التي تعاني منها، فهناك مصائب كثيرة وأمراض متنوعة تفتك في العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة، فتحول العلاقات الشخصانية السلمية التي تنمي العائلة إلى علاقات سيئة تهدم بنيتها عبر انقطاع التواصل، واختلاف اللغات، وتعدد الأهواء الفردية التي تصطدم بأهواء الآخرين بعيداً عن روح التعاون والتعاضد من أجل عائلة ثابتة، ومجتمع متضامن ضد قوى الشر التي تهددّه.
والأسرة التي تعتبر نواة المجتمع تتعرض إلى اهتزازات وانتكاسات بسسب تحديات صعبة لا تعّد ولا تحصى من نزاعات وحروب إلى ضغوطات اقتصادية واجتماعية ونفسية صعبة، وأبرز هذه التحديات، التهجير والنزوح داخل البلد أو خارجه كما يحصل في سوريا والعراق، الأمر الذي يساهم في تفكّك العائلة وانفصالهاعن بعضها البعض. كما انّ انتزاع المرأة من محيطها الطبيعي الذي نشأت فيه إلى محيط غريب عنها يؤدي إلى حدوث اضطرابات عديدة في حياتها وقدرتها على التأقلم مع محيطها الجديد، كما تفرض الحروب قيودًا على حرية التنقل والسفر والتعليم، فيصبح الالتحاق بالدراسة أو العمل محفوفًا بالمخاطر، كما تدفع الحروب والنزاعات بالعائلات إلى تزويج بناتها في سن مبكرة جدًّا امّا خوفًا عليهن أو هرباً من تكاليف الإعانة وهذه مسائل أساسية يجب أخذها بعين الاعتبار والوقوف عندها من أجل مساعدة ودعم وتمتين أواصر العائلة في شرقنا المعّذب لانه إذا حافظنا على عائلاتنا نؤّمن مجتمعاً سليماً ومزدهراً.
وللاطلاع على المزيد من التحديات ومدى انعكاساتها على صميم الأسرة، سنضيء بشكل خاص على علاقة الأهل بابنائهم وما يواجهونه من مشاكل عدة. نجد انّ عائلاتنا اليوم لم تعد كعائلات الأمس حيث كانت تعيش في مجتمع ضيق ومحصور على عكس اليوم، حيث التطور وانفتاح العالم على بعضه البعض من خلال ما بات يعرف بالعولمة إذ أصبح العالم قرية كونية يمكن لأي فرد في أي قرية نائية في لبنان أو أي بلد عربي ان يعرف ما يدور ليس في محيطه وحسب، بل في اقصاع العالم وهذا ما نتج عنه من دون أدنى شكّ عدداً من التأثيرات الاجتماعية السلبية كما إجتاحت وسائل الاتصال الاجتماعي خصوصية العائلة وحرمتها في كثير من الأحيان متعة الاجتماع واللقاء بين أفراد ومكوّنات هذه الأسرة فاصبح التواصل معدوماً وافتقرت العائلة إلى رباط المحبة والحوار، الأمر الذي جعل العائلة عرضة للمشاكل والتفّتت لانّ لا أحد يلتقي بالآخر ولا يستمع اليه مما ساهم في توسيع الهّوة وتكريس الصراع بين جيلي الآباء والأبناء وإلى زيادة في العزلة والتنافر بين أفراد الأسرة وانتشار الأمراض النفسية بينهم، مثل: الاكتئاب، وحب العزلة، والانطوائية، وقلة قابليته على قبول قيم المجتمع، وثوابت الدين، لتحل محلها قيم رواد ومستخدمي أجهزة التكنولوجيا إضافة إلى ضعف العلاقات الاجتماعية الإنسانية بسبب غياب الزيارات والحوارات.
وأكثر ما يصادف العائلات عموماً في أيامنا هذه هي تغيير المفاهيم التربوية التي تغلغلت وحوّلت الكماليات إلى أساسيات وباتت تتحكّم بطريقة تعاطي الأهل مع أولادهم. إذ بات الرفض محّرماً والخضوع لطلباتهم وتلبيتها هو المفروض والواجب، وازاء هذا الصراع بين الاخلاقيات ومتطلبات العصر وما يملكه الآخرون أصبحت العائلة تتخبط بين سندان الرفض والضوابط الأخلاقية ومطرقة القبول وغياب القناعة.
وهنا توّقف علم النفس عند المشاكل التي تواجه الأهل والأبناء في زمن العولمة من خلال استمرار عدد من الآباء في مجتمعاتنا بفرض سيطرتهم على أبنائهم ولاسيما في مرحلة المراهقة اعتقاداً منهم بانهم يحمونهم من آفات المجتمع متناسين ما ينسحب على هذه التصرفات من رفض من أبنائهم لهذه التربية التي يعتبرونها بأنها تحمل الكثير من التمرد وعدم الانصياع لرغبة الآباء فنجدهما على طرفي نقيض، إذ لا تقارب في الأفكار بينهما، وهنا يقدم اختصاصيون في علم النفس ارشادات لضمان أواصر العائلة بان يتقّرب الأهل من أولادهم ويصغون إلى مشاكلهم وهمومهم ويعملون إلى فهم حاجاتهم من خلال فهم رغباتهم وقلقهم وانما في المقابل عليهم ألا يتساهلوا في تلبية كل طلباتهم من أجل ان يعتادوا على القناعة واقتناء المناسب لأعمارهم.
ومن متطلبات الأولاد التي تبرز اليوم أيضاً مسألة السهر، التي باتت موضة العصر التي تعرّض المراهقين للوقوع في المحظور نحو الانجراف وراء العادات السيّئة التي قد تنجم عن السهر مع ما يتبعها من تقصير دراسيّ وأخلاقيّ وارهاق جسدي، وهنا يعتبر علم الاجتماع انّ السهر هو تعبير عن هواجس الشباب وأفكارهم وطروحاتهم حيث توقظ فيهم الرغبات والغرائز التي لا يمارسونها عامة في الأماكن العامة ويرتبط الظلام والليل بالغموض ويصبح الممنوع المرغوب مسموحاً من دون أي ضوابط أو موانع وهذا الامر ينسحب على هاجس العائلة التي تبدو قلقة من الأخطار التي تهددّ أولادها في أماكن السهر وتدق ناقوس الخطر حول كيفية تجنيبهم مخاطر السهر وتطرح علامات استفهام حول من هو المسؤول عن حمايتهم من شرّ انفسهم وشرّ الآخرين من أجل تحصينهم في وجه آفات المجتمع.
أما عن الخلل في تعاطي الأهل مع أبنائهم المراهقين فتشرح الدكتورة مريم داود سليم الاستاذة في كلية التربية في الجامعة اللبنانية «انّ التنظيم العائلي كان يستند في الماضي إلى السلطة وخاصةً سلطة الأب، أما اليوم فإن السلطة لم تعد مقبولة إذا لم تكن مستندة إلى الحب والاحترام والحزم، وفي بعض الأحيان يتنازل الآباء عن سلطتهم ولا يعودون نماذج جيدة للتماهي. وعندما يحاول الأب استعادة سلطته فإنه عندئذ يلجأ إلى العنف والقسوة، فيصل إلى الشعور بعدم الرضى ويحاول أن يعوض عنه بمضاعفة العاطفة، فنلاحظ في النهاية سلوكاً متأرجحاً بين القسوة الحب، والنتيجة فيهما هي خلل في العلاقة بين المراهق والأب. ولا ننسى دور الأم المركزي في العلاقات العائلية، فدور الأم قد تغيّر وأصبحت أقلّ اهتماماً بأولادها بسبب ضيق الوقت الناجم عن إيقاع العصر، إن هذا الوضع ربما ساعد المراهق في الحصول على استقلالية مبكرة ولكنها استقلالية ثمنها مرتفع نتيجة الجرح الذي يتركه عدم الاشباع العاطفي، فالمراهقون كالأطفال بحاجة إلى استقرار العائلة وتماسك أفرادها للتوصل إلى التوازن السليم والصحة النفسية».
امّا التحدي الأكبر في لبنان الذي تواجههه العائلة فهي البطالة المستشرية التي تجعل العائلات عاجزة عن تقديم الدعم لأولادها وهذا الأمر دفع بالعديد من الشباب إلى اعتماد خيار الهجرة سبيلاً ما أدى إلى تقّلص الأسرة اللبنانية ديموغرافياً لان الهجرة أثرت على البنية العمرية من خلال التراجع الملحوظ في نسبة الشبان والشابات. وفي الختام تبقى الأسرة هي الوحدة الأساسية في بنية المجتمع وتضطلع بمسؤوليات التنشئة والرعاية لأعضائها وتحرص على تنمية علاقة التواصل بين الأجيال.
ناديا الياس