القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «إن كل شعب يمتلك تأريخه الخاص، الذي يبنيه اعتماداً على رغبته وقناعاته، وعلى ما يحس به. هذا التأريخ الذي لم يُكتب، بل يواصل تواجده وتعلقه من خلال التراث النقلي الذي يتمثل بالذاكرة الجماعية، تلك الذاكرة التي تقوم بحفظه وحمايته من الغياب والنسيان». (سلفاتور مارينو).
أصبحت مسألة التأريخ محاطة بالكثير من الشكوك، من حيث مصداقية الحدث وشخوصه الفاعلون، أو حتى السياق السياسي والاجتماعي الذي جاء فيه الحدث أو الواقعة، ومنه انصب الشك بالأساس على الصوت الرسمي للمؤرخ، الذي دوماً ما كان يدور في فلك القوة المنتصرة، أو أنه يتبع أهواء متباينة تجاه الحدث وأصحابه، ناهيك عن فكرة التأريخ نفسها وتوقيتها بالنسبة إلى الحدث ــ هذا الأمر يثير الكثير من المشكلات عندما يتعرض إلى التأريخ العربي والإسلامي بوجه خاص ــ المقابلة هنا ما بين محاولة تشكيل الوعي ضمن إطار السلطة الزمنية، والفرار بهذا الوعي من أسرها، بأن يصبح للوعي الشعبي تأريخه الخاص للحدث وأصحابه، فلا يسير وفق هوى صراط المؤسسة ــ مؤسسة السلطة أو النظام ــ بل يبتكر أبطاله وحكاياته من خلال رسوخها في الذاكرة وتناقلها شفاهة من جيل لآخر. وسنحاول استعراض أهم سمات هذا الشكل من التأريخ، من خلال كتاب «الأسس الإثنوتاريخية» للإيطالي أوريليو ريكولي، الذي قام بترجمته مالك الواسطي، والصادر مؤخراً في طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، ضمن سلسلة الثقافة الشعبية.
التاريخ الناقص
ما يوحي به التاريخ الرسمي هو وجود تاريخ آخر غير رسمي، وبالتالي يبدو هذا الرسمي ناقصاً وقد أهمل الكثير من الحوادث والملابسات التي رافقت الحدث وأثرت أو تأثرت به، من ناحية أخرى يأتي هذا الرسمي من خلال تأريخ لفئة معينة أو طبقة حاكمة، جعلت من تاريخها الطبقي أو الفئوي تاريخاً للأمة بأكملها، هذا ما دفع البعض لمحاولة دراسة شبه متكاملة للتاريخ، باستحضار أصوات أخرى غير الصوت الرسمي المعهود، وبعيداً عن أيديولوجيات تحد من وجود الآخر كصوت مغاير له وزن في الحياة والتاريخ.
التاريخ الشعبي
الثقافة الشعبية أو التاريخ الشعبي، هو الصوت المختلف في مرحلة التوثيق، ومنه يمكن اكتشاف العديد من الدلالات واستجلاء بعض من حقائق الوقائع، على خلاف ما جاءت به في النصوص التاريخية التقليدية.
ويعتمد التاريخ الشعبي في المقام الأول على التاريخ الأسطوري للأمة، المتمثل في الوعي الجمعي لشعب ما، وهو ما يكمن في المُنتج العقلي والأدبي لهذه الشعوب، وهو ما يُطل عليه المنهج الإثنوتاريخي. وسنحاول استعراض ملامح هذا المنهج النظري كما طبقها ريكولي ربما تكون فيه الفرصة لإعادة قراءة تاريخ الشعوب الموسومة بالعربية، خاصة الشعوب التي تمتلك من الإرث الثقافي والحضاري الكثير، قبل أن يتغيّر لسان حالها إلى هذه اللغة.
الأسطوري والتاريخي
بين كل من المفهومين وطبيعة الشعوب التي تنتمي إليهما، كانت المقارنة ما بين الشفاهي والمكتوب ــ ما يحمل صفة التوثيق ــ وهو ما اصطلح على تسميته بالمقارنة بين الشعوب البدائية ذات الخيال الأسطوري والشعوب المتحضرة ذات المنهجية التأريخية. فكان اللجوء إلى الثقافة الشفاهية، السير الشعبية والأساطير والمقولات والأمثال التي لها أصل وحادثة في الحياة، بهدف استجلاء تكامل الحدث التاريخي. والموثق والباحث الشفاهي عليه أن يُعيد بناء الحدث وفق الحكايات والتواترات الجمعية للشعب، ومن هنا تأتي ضرورة عدم التسليم بالوقائع الجاهزة، بل إعادة خلقها وتفسيرها وترجمتها من خلال سياق دقيق تتباين مصادره إلى أقصى حد. بينما الموثق التاريخي ملزم وملتزم بالتسلسل الزمني للأحداث الموثقة كما هي، فقط يعيد التفسير أو التأويل، دون أن تكون له حرية ابتكار بنية تفسيرية من الأساس. وهو هنا لا يقتصر على حقل معرفي دون آخر، بل يمتد بحثه إلى التاريخ الرسمي، والتاريخ الشفاهي، كذلك الربط ما بين التاريخ والأنثربولوجيا وعلم الاجتماع، أي البحث من خلال التاريخ الثقافي للشعب.