الأسلوب الوثائقي في السينما الروائية

القاهرة ـ «القدس العربي»: التجربة الفنية في مجملها ما هي إلا إيهام بالواقع، وأكثر صور هذا الإيهام نجده في السينما، التي توظف مفردات الواقع وفق تجربة جمالية خيالية، تعيد إنتاج هذا الواقع، وفق الأساليب السينمائية، بحثاً عن المعنى. فالواقع مُشوّش وغير مرتب، ويعيد الفنان السينمائي صياغته وفق رؤيته ووجهة نظره، بهدف إيصال رسالة جمالية (فنية) في مقامها الأول، يتبعها بعد ذلك ما تحتويه هذه الرسالة من أفكار وانحيازات ووجهات نظر اجتماعية وسياسية وإيديولوجية. ومن خلال هذا الإيهام ومحاولات تأكيده المستمرة، وجدت السينما الروائية ضالتها في أساليب السرد الوثائقي، حتى تكتسب ثقلاً من الحقيقة، وتحاول أن تورّط المشاهد بأن ما يراه فعلياً أمامه قد حدث في الواقع، أو يوحى بحدوثه على أقل تقدير.

تجربة المواطن كين

لم يكن فيلم «المواطن كين 1941» لأورسون ويلز فيلماً عادياً، بل كان ثورة في عملية السرد السينمائي، فلم يعد هناك الراوي العليم، الجدير بالثقة، بل عدة رواة يحاولون تفسير شخصية ومآل كين، هنا يصبح المُشاهد أمام تجربة وجهات النظر المتعددة من خلال سرد ينفي أي حقيقة مُحتملة، هنا يصبح الشك مبدأ، ولا توجد حقيقة، وكما جاء في نهاية الفيلم: «ليس بوسع أي كلمة أن تشرح أو تفسر حياة إنسان». وقد سبق كين بذلك فيلم «راشومون 1950» لأكيرا كوروساوا في مبدأ عدم وجود حقيقة مطلقة يمكن الاستناد إليها أو الوثوق بها.
بدأ ويلز من تطوير وخلق مدلول درامي لكل من اللقطة الطويلة وعمق المجال، هنا يبدو المسرح أكثر وضوحاً، وكما استشهد به أندريه بازان، فإنه المثال النموذجي للفيلم الواقعي، من حيث زمن اللقطة يتزامن وزمن الحدث، دون تقطيع واختصار الزمن، وبالتالي فقدان الحدث لواقعيته. إلا أن ويلز لم يستخدم هذا التكنيك إلا للوصول بحالة السرد إلى أقصى ما يمكن، من ناحية أخرى استخدم أيضاً الأسلوب التعبيري بجوار ما يوحي بالواقع، حيث لقطات قريبة وزوايا لا تستطيع العين الإنسانية أن ترى مثلها في الطبيعة، فلم يُقيّد ويلز نفسه بأسلوب واقعي، بل استفاد من الحِس الواقعي، ومن المونتاج الجدلي/الفكري الذي ابتدعه إيزنشتين، من خلال اللقطات المتبادلة والتعبيرية، التي لا تمت للواقع. هذا المزج بين الواقعي والتعبيري نراه أيضاً من خلال سرد الحكاية: فالفيلم الوثائقي في البداية، الذي يستعرض حياة تشارلز فوستر كين، هذا التعليق المُحايد، والذي لا يقدم إلا معلومات سطحية عن الرجل ــ استخدام أسلوب واقعي لن يُخبر بشيء ــ في مقابل شكل التحقيق الفيلمي من خلال عدة شخصيات تتحدث عن كين، هنا يأتي الأسلوب التعبيري ليوضح بعض المعلومات، يؤكد حقائق من وجهة نظر أصحابها، تنفيها تأكيدات الشخصيات الأخرى، ليصبح السؤال هو أين الحقيقة في كل ما يحدث؟ فالمعرفة قاصرة مهما حدث، ونلاحظ بداية الدخول إلى عالم كين قصر زانادو، واللوحة على واجهته مكتوب عليها (ممنوع التعدي) وهي اللوحة التي جاءت في ختام الفيلم، فرغم كل ما حدث، ورغم تشريح حياة الرجل بعد موته، هناك أشياء لا يمكن الوصول إليها، وبالتالي الثقة في معرفة كل شيء. يتضح ذلك بداية من افتتاحية الفيلم، ومحاولته خلق تاريخ رسمي/مزيف لشخصية كين. فلم يجد سوى وسيلة تقديم ملخص لحياته على طريقة الجريدة السينمائية، لقطات شبه أرشيفية، وصوت معلّق من الخارج يسرد حكاية كين حتى نهايتها. وهو ما أدى إلى الجدل حول لأي مدرسة أو تصنيف ينتمي الفيلم؟ فالبعض يراه أقرب للتوثيق، بينما البعض الآخر يعتبره روائياً بامتياز، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يتجاذبه أنصار مدرسة المونتاج، وفريق واقعية بازان للتدليل على صحة تنظيراته! بينما نرى أن أورسون ويلز، جمع بين طريقتين أو أسلوبين في الحكي، لخلق دلالة عليا، تهدف إلى تفتيت الحقائق، وعدم الوثوق في الصورة، وبالتالي حقيقتها ومصداقيتها، فما يحدث ونراه على الشاشة لا يمكن أن يمثل أي حقيقة، حتى لو كانت الحكاية مُستمدة من خلال شخصية حقيقية. فكين في الأساس مستوحى من شخصية وليلم راندولف هيرست (1863 -1951) ناشر أمريكي، أصدر مجلات وصحفاً مختلفة، وقد قام بتطوير أشكال صحافية تعتمد على الإثارة، وهو ما جعل النقاد يصفونها بالصحافة الصفراء. وُلد هيرست في سان فرانسيسكو، والتحق بجامعة هارفارد. وفي عام 1885 تم طرده من الكلية، بسبب دعابة دبرها وأوقع فيها أحد أساتذته، بعد ذلك عينه أبوه رئيساً لتحرير جريدة «سان فرانسيسكو إكزامنر» وقد جعل منها هيرست منشأة صحافية ناجحة ومشروعاً مادياً مجزياً. وفي عام 1895 قام بشراء جريدة «النيويورك جورنال» وقد دخل في منافسة حامية ضد جريدة غريمه جوزيف بوليتزر المسماة «ورْلد» وظفر بسوق التوزيع وهي المعركة التي بلغت أوجها عام 1898 خلال الحرب الأمريكية الاسبانية. ومثَّل هيرست نيويورك في مجلس النواب الأمريكي في الفترة من 1903 إلى عام 1907. وفي عام 1904 سعى إلى نيل تأييد الديمقراطيين، لترشيحه رئيساً للولايات المتحدة ولكن خاب سعيه.

أساليب سرد الحكاية

لا نفرّق هنا ما بين روائي ووثائقي، ولكن الحديث عن أساليب وأشكال لسرد الحكاية. وربما التفرقة التي تناولت السينما منذ بدايتها، وحاولت التحايل عليها عدة أجيال سينمائية، معظمها تفرقة نظرية في المقام الأول، ولكن مع تطور أساليب الحكي، والخيال للفنان السينمائي، أصبحت هذه التفرقة مصدراً لكثير من الشك. فالإيهام بالواقع هو ما جعل الفيلم الروائي يتمثل في الكثير منه بأساليب وأشكال السرد الوثائقي. كما كان للحركات والمدارس السينمائية أبلغ الأثر في تأصيل سمات التوثيق في الفيلم الروائي، إما لفكر معين، أو رد فعل لحالة ما (كالواقعية الجديدة في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية) أو (سينما الحقيقة والموجة الجديدة في فرنسا). إضافة إلى التقدم التكنولوجي في مجال آلات التصوير وأجهزة المونتاج، التي جعلت إنتاج الأفلام لم يعد يخضع للميزانيات الضخمة، كما كان في السابق. وقبل كل ذلك كانت تجارب وأعمال دزيجا فيرتوف، التي كانت تناهض التصوير داخل الاستديوهات، وتحارب سينما هوليوود المزيفة، كانت هي الإرهاصات الأولى للإيهام بالواقع أكثر. ذلك رغم رفض فيرتوف كل أشكال الخيال، أو التزييف، التي كانت من سمات الفيلم الروائي. ولكن للمفارقة، الواقع الذي كان ينشده، كان يُعاد إنتاجه في غرفة المونتاج، لتخرج أعماله أكثر خيالاً، وأكثر إيهاماً بالواقع، وقرباً من المصداقية الفنية في النهاية.

الشكل الفيلمي

من ناحية أخرى، نجد أن السينما المعاصرة أصبحت تبحث عن شكل ــ مع ملاحظة أن الحديث هنا عن شكل وليس نوعاً فيلمياً ــ يضمن التوثيق والخيال معاً. وذلك من خلال توثيق الواقع المرئي وفق منهج تنظيم المادة المُنتقاة من هذا الواقع، إضافة إلى أسلوب سردي يُعيد صياغة وبناء هذه المادة. ونتج عن هذا عدة اختلافات أسلوبية، فلم يعد يعتمد الفيلم الروائي المتوسل بالوثائقي على عملية السرد في شكلها الكلاسيكي من بداية ووسط ونهاية، بل أن الأحداث لا تتتابع في صرامة، فهناك وجهات النظر المتعددة في السرد، وإدخال التعليق الصوتي بدلاً من صوت الشخصية، أو تكون الصورة هي المصاحبة لصوت الشخصية، سواء تأكيداً لمقولاتها أو نقضاً لها. ومن أمثلة ذلك فيلم «مدينة الله 2002 « لفريناندو ميريلي، الذي بدأ كفيلم وثائقي قصير بأشخاص وأماكن حقيقية، ثم تحول الموضوع نفسه إلى فيلم روائي، معتمداً بعض الخطوط الدرامية بالاستناد إلى رواية بالعنوان نفسه، صدرت في العام 1997 لباولو لينس، وأخيراً كفيلم وثائقي بعنوان «مدينة الله بعد عشر سنوات» عام 2012، يتتبع فيه مآل شخصيات الفيلم الروائي. إضافة إلى فيلم «أوليفر ستون «JFK 1991» وهو عبارة عن بحث توثيقي بالصورة، وإعادة إنتاج الحدث وفق رؤية المخرج وخياله الفني، رغم جسامة الواقعة التي يناقشها، ويحاول جاهداً توظيف الخيال الفني لبحث أسبابها. وقد عمل هذا الأسلوب ما بين الروائي والوثائقي على الدمج بين الواقعي، المتمثل في كل من المادة أو الحدث أو الشخصية الحقيقية، والتعبيري، المتمثل في أساليب السرد وتقنيات المونتاج. ذلك في سبيل إعادة بناء المادة الفيلمية وفق صياغة كلية (عليا) تعيد اكتشاف أو تفسير ما يمت للواقع، حسب وجهة نظر صانع الفيلم. فالمسألة تنحصر في نهج توثيقي يتبعه صانع الفيلم أولاً وأخيراً.

11ADA

الأسلوب الوثائقي في السينما الروائية

محمد عبد الرحيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية