على شاشة التلفزيون الفرنسي (القناة 2) شاهدت مقدم البرامج المخضرم باتريك سيباستيان في إحدى حلقات برنامجه الأسبوعي الدوري منذ أعوام واسمه «اكبر كاباريه في العالم» لكنه للمرة الأولى بدّل اسمه الى «كاباريه الأطفال». ولفتني ذلك، إذ ما الذي يفعله الأطفال في برنامج كهذا غير نقل الدم الجديد الى استعراض يكاد يصير مألوفاً حتى الملل؟
اختيار (الأطفال) لضخ الدم الى برنامج سيباستيان فكرة جيدة له بدليل أنني شاهدت هذه الحلقة أنا التي لا ترقب عادة برنامجه الا في ما ندر، وأعتقد ان عشرات الآلاف فعلوا مثلي فالأطفال مغناطيس جاذبية ببراءتهم وجمال طفولتهم وعفويتهم.
وهكذا شاهدت سيباستيان جالساً على مقعده المألوف في البرنامج حيث نراه عادة محاطاً بنجوم الفن والإعلام جالسين حول الطاولة إياها أمام فقرات يقدمها أمهر بهلوانات العالم ونجوم ألعاب الخفة (السحر!!) وغير ذلك حتى أضحى البرنامج روتينياً. وأنقده الأطفال هذه المرة بعدما استعملهم سيباستيان كإعلامي ماهر مخضرم محنك.
الأطفال (بضاعة) في (السيرك) الإعلامي
جاء الأطفال ـ وكلهم دون العاشرة ـ كالدمى الانيقة، إذ ارتدى الصبيان (السموكن) كما يفعل نجوم البرنامج عادة كما ارتدت البنات ثياب السهرة الطويلة التي لا تليق بأعمارهن طبعاً.. وبدا المشهد لي سيركاً استهلاكياً ولكن سيباستيان أحسن استغلاله، وجعله مسلياً للمتفرج فقد سأل أحد الأطفال مثلاً عما يريد أن يفعله حين يكبر، وأجابه الطفل: أريد أن آخذ مكانك وأحل محلك!! وانفجرنا ضحكاً لصدقه وبراءته. ولم يضيع مقدم البرنامج الذكي الفرصة وتابع (اللعبة) ونهض من مقعده وأجلس الطفل على كرسيه (!)
دور الأطفال في البرنامج (غير الحوار معهم والخروج منهم بإجابات صادقة بريئة) يتلخص بأن يقدم كل طفل فقرة من فقرات البرنامج بحيث يقرأ ذلك في ورقة أمامه ونتذكر انه لم يتعلم القراءة من زمان. وطريقته في الأداء تضحكنا كما القطط الطريفة.
حين انتهى البرنامج شعرت بشيء من طعم المرارة في فمي، وتساءلت: أولئك الأطفال ألم تؤذهم نفسياً ساعة الشهرة العابرة هذه التي سيعودون بعدها الى حياتهم اليومية كعاديين؟ هل من (الصحي نفسياً) ما حدث لهم؟ هل سيسمم ذلك حياتهم ويجعلهم يركضون خلف الشهرة بعدما ذاقوا عسلها؟ لم يرق لي الأمر كأم!
براءة الأطفال بعد عري النساء
كانت الإعلانات الغربية في التلفزيونات في أواخر القرن العشرين وأوائل هذا القرن تستغل جسد المرأة الشابة للفت نظر المتفرج إلى (البضاعة) موضوع الإعلان، وتبالغ في تعرية الجميلات.
في الأعوام الأخيرة من القرن الجديد لاحظ المعلن الذكي أن جسد المرأة الغربية صار (بضاعة إعلامية مستهلكة) ضجر الناس منها وهم يرون المرأة شبه عارية صيفاً في شوارع المدن الغربية وقطارات أنفاقها وحدائقها العامة ومقاهيها وشرفاتها ولا مفر للإعلامي الذكي من اكتشاف حقل جديد يدر المال على الشركة المعلنة.. وهكذا تم استعمال الأطفال لذلك.
والسؤال هو: أطفال الإعلانات، هل من حق الاأهل (استغلال) براءتهم إعلامياً لربح المال؟
استغلال الجنين وهو في بطن أمه!
منذ أكثر من عقد راجت تجارة استعمال الطفل إعلامياً حتى قبل أن يولد. وشعرت بالنفور حين شاهدت للمرة الأولى صورة نجمة هوليوودية عارية (وهذا مألوف) لكنها تستعرض بطنها المنتفخ بالحمل (كصرعة) إعلامية إذ لم يسبق من قبل نشر صور كهذه.. وتلاحقت الصور. الشهيرة فلانة حامل في شهرها الثامن أو التاسع. ها هي عارية تستعرض الطفل الآتي. وتضايقت إذ أشعر أن للأمومة حرمتها.. وليس من حقنا استعمال أطفالنا لأغراض إعلامية تجارية حتى قبل ولادتهم!
إنه الوباء فحذار من العدوى
لأننا نقلد الغرب في الكثير من برامجنا المتلفزة وأفلامنا أتمنى ألا تنتقل إلينا عدوى وباء استعمال الأطفال لأغراض إعلامية لربح المال على أكتافهم الهشة.. وتجارب أطفال الغرب مع النجاح في مرحلة الطفولة لا تبشر بالخير. بطل الفيلم المسلي «أمي، لقد فاتتني الطائرة» الطفل صار مدمناً للمخدرات حين كبر لأنه عجز عن منافسة نجوم الشاشة المكرسين من دون حماية درع طفولته له. والأمر ذاته يكاد ينسحب على دانييل رادكليف بطل أفلام (هاري بوتر) الذي نكبه الدهر بأنه كبر كما يحدث للبشر جميعاً.. ولم يعد يجد أدواراً تؤمن له مخدر الشهرة.
ترى هل أطفالنا مادة استهلاكية أخرى في عالمنا المعاصر؟
أليس من حق الأطفال علينا هدايتهم إلى العلم والدراسة والقيم الإنسانية والعمل والحياة الواقعية؟
آه.. الطفل العربي!
كل ما تقدم يهون أمام ضحايا حروبنا المحلية العربية من الأطفال وجراحهم وقطع بعض أعضائهم بالألغام، ناهيك عن استعمالهم وتوظيفهم في القتال وحمل الاحزمة المتفجرة أو كدروع بشرية.. وطردهم من بيوتهم وتهجيرهم في بعض أقطارنا العربية في حروب محلية بل وإرغامهم على التسوّل. ويظل حظ الطفل الغربي من الأذى أهون بكثير مما يعانيه الطفل العربي الفلسطيني في إسرائيل (أي فلسطين المحتلة) حين يتم هدم بيته بذريعة أن شقيقه الكبير (إرهابي) في نظر إسرائيل، وشاب بطل مقاوم للاحتلال في أنظارنا.. الأطفال ونزوحهم وتشردهم وحكايا بؤسهم تطول.
فالأطفال العرب ينالون نصيبهم من الأذى في حروب لم يقوموا باختيارها وكوارث تحل بهم وتدمر طفولتهم حتى انه صار بوسعنا القول ان معظم الأطفال العرب ضحايا للحماقة السياسية (للكبار). فمتى يتجاوز (الكبار) عندنا سن الطفولة السياسية؟
غادة السمان