الخرطوم – «القدس العربي»: أطلقت ميليشا في جنوب السودان سراح المجموعة الأولى من الأطفال المجندين لديها ضمن اتفاقية شاملة لإطلاق سراح ثلاثة آلاف منهم، حسب منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة (اليونيسيف)، وهذا الأمر يعيد تسليط الضوء على قضية الأطفال المجندين بالسودان.
وتشير التقديرات المستمدة من مسح صحة الأسرة في السودان لعام 2006، أن هنالك 9،5 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و19 عاماً؛ ويشكّل اليافعون نسبة 23 في المئة من مجموع سكان السودان.
وظلت الحكومة السودان وحاملو السلاح يتبادلان الإتهامات في هذا الشأن ووفقا لتقارير حكومية، فإن أكثر من1000 طفل تم اختطافهم من قبل الحركة الشعبية وتجنيدهم في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان اللتين تدور فيهما حرب بين القوات الحكومية ومتمردين كانوا حكاما للولايتين عقب اتفاقية السلام 2005.
لكن في المقابل تشير منظمة «عاين» عبر موقع إخباري يغطي الأحداث في المناطق المغلقة بسبب الحروب والنزاعات في السودان، إلى حملات قسرية تقوم بها الحكومة السودانية لتجنيد الأطفال تحت سن الثامنة عشرة عن طريق القوة أو الترغيب بالمال، وتقول المنظمة إن الأهالي يقومون بحملة لمناهضة هذا الفعل.
العديد من منظمات المجتمع المدني نددت بتجنيد الأطفال من أجل محاربة الجبهة الثورية وقدم قساوسة مسيحيين وأئمة مساجد مسلمين، إضافة للمشائخ والعمد في مناطق جبال النوبة، نداءات عديدة للمنظمات العاملة في هذا المجال بالضغط على المجتمع الدولي للتحرك السريع وإنهاء هذا الوضع الذي يتعرض له الأطفال دون سن الثامنة عشرة.
وتشير إحصائيات حكومية إلى أن عدد الأطفال، الذين أعيدوا إلى مناطقهم بعد بداية عمل مفوضية نزع السلاح وإعادة الدمج والتسريح، التابعة للحكومة، بلغ 257 طفلا لولاية شمال دارفور و200 لولاية جنوب دارفور و205 لولاية غرب دارفور و235 لولاية كسلا و140 لولاية البحر الأحمر و33 لولاية القضارف بجانب 269 لولاية النيل الأزرق.
ويرى ناشطون أن هذه الأرقام ضعيفة جدا مقارنة بالعدد الكلي للأطفال المجندين كما أن الأطفال الذين تتم إعادتهم يفتقدون للدعم المالي والنفسي من أجل إدماجهم في المجتمعات المحلية.
ويعتبر اليافعون والشباب غير الملتحقين بالمدرسة، وممن تلقّوا تعليماً محدوداً، والذين يعانون في أغلب الأحيان من الحاجة إلى دعم أسرهم، معرَّضين لخطر الإساءة والاستغلال من غيرهم.
لكن منظمة الأمم المتحدة لإنقاذ الطفولة «اليونسيف» تقول إنها تقدم الدعم للأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة والقوات المسلحة من خلال برامج تسريح الجنود وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم في جميع أنحاء السودان.
ولا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الأطفال الذين يُعتقد أنهم مرتبطون بالقوات المسلحة والجماعات المسلحة في السودان، لكن وبناء على (الحكايات) والنقاشات مع الشركاء، تُقدِّر منظمة اليونيسف أن هناك حوالي 10،000 طفل مرتبط بالقوات المسلحة والجماعات المسلحة، معظمهم في دارفور.
وتدعم اليونسيف تدريب القوات المسلحة على قضايا حماية الطفولة لتقليل مخاطر عمليات التجنيد الجديدة أو المتكررة للأطفال. كما تساهم في برامج لتثقيف بمخاطر الألغام، بالتركيز، على وجه الخصوص، على الأشخاص النازحين داخلياً، والعائدين والأطفال، وغالباً ما يتم ربط ذلك بنظام التعليم العام.
ويُركز معظم نشاط منظمة اليونيسف على ضمان أن تكون القوانين والسياسات والإجراءات «صديقة للطفل» ومتوافقة مع المعايير الدولية.
ويشتمل ذلك على دعم مراجعة التشريعات والمساعدة في صياغة مسوّدات للقوانين الأساسية وبلورتها في صيغتها النهائية، مثل قانون القوات المسلحة في شمال السودان (الذي يُجَرِّم تجنيد الأطفال في القوات المسلحة)، والقانون الجنائي وقانون الطفولة في جنوب السودان.
وقد أطلقت منظمة اليونيسف، في عام 2007، حملة إعلامية كبرى في شمال السودان لرفع وتيرة الوعي والفهم لقضايا تتضمن التخلي عن الأطفال، والعنف الجنسي، والعنف القائم على العنصر الاجتماعي، والأطفال الذين هم على تماسٍّ مع القانون، وختان الإناث، وتجنيد الأطفال في القوات والجماعات المسلحة.
ويحدث تجنيد الأطفال ندوباً نفسية واجتماعية تؤثر فيهم مدى الحياة إذا لم يعاد تأهليهم، كما أن إشراك اليفع في الحروب -بشكل مباشر أو غير مباشر- يجعلهم يفتقدون حقوقهم الأساسية في التعليم والرعاية الصحية.
وتقول الدكتورة ناهد محمد الحسن المتخصصة في علم النفس والناشطة في مجال حقوق الطفل إن نصف النازحين في السودان من الأطفال، وهنالك 1.8 مليون منهم في ولاية الخرطوم، يعيش 250.000 منهم في معسكرات صممت خصيصا لهم ،بينما يتحلق البعض في الأحزمة العشوائية حول المدن..
وترى الدكتورة الحسن أنه ووفقا لمباديء كيب تاون في شأن الأطفال في النزاعات المسلحة فإن مصطلح «الأطفال الجنود» يتعدى من يحملون السلاح ويشاركون في المعارك الى الأطفال الذين يقومون بمهام الخدمات على اتساعها وسوء أشكالها في معسكرات المقاتلين.
وتقول إن هنالك الآلاف من الأطفال الذين يشاركون في أكثر من ثلاثين نزاعا حول العالم – من ضمنها مايحدث في السودان- وقد يختطف فيها البنات والأولاد أو يجبرون على ذلك وقد يتم إقناعهم للإشتراك في المعارك في أوضاع سيئة وبالنسبة لبعض الأطفال فإن الإشتراك في الحروب قد يكون ببساطة وسيلة للعيش!
ويرى الدكتور عشاري خليل أن تعريف الأطفال في حروب جنوب السودان، في سياق مشروع دعمته اليونيسف في العام 2001، يضم جميع الأطفال الذين تم تجنيدهم من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان في تلك الوضعية وقد أثار هذا التعريف جدلا واسعا حول الموضوع وحدود المشروع واشتماله على الأطفال يتامى الحرب الذين كانوا يتحلقون حول معسكرات الجيش الشعبي ويؤدون مهام النظافة والطبخ والصيد وتنظيف الأسلحة وغير ذلك مما كان يصب في المجهود الحربي.
فهؤلاء لم يكونوا يحملون السلاح ولم يشاركوا في العمليات العسكرية لكن تعريف كيب تاون – للطفل الجندي- يعتبرهم أطفالا مجندين. وقد تم اشراك أطفال في الإعتداء الذي قام به «جيش العدل والمساواة»، الذي يحمل السلاح في دارفور على مدينة أم درمان في 2008.
وقد قامت أميرة الفاضل وزيرة الرعاية الإجتماعية – آنذاك- بالتوسط لتسريح الأطفال وإعفائهم من تبعات المحاكمات التي تمت لبقية الفصيل، وطالبت بتأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع في خطوة نالت استحسان العاملين في مجال حقوق وحماية الطفل.
صلاح الدين مصطفى