الأعمدة الإسمنتية المدورّة في كربلاء: سجل تاريخي يطاله التخريب والإهمال

حجم الخط
0

لا تكاد مدينة في العراق تخلو من مناطق قديمة.. مثلما لا تكاد تخلو من أرصفة مسقّفة لها أعمدةٌ تتّكئ عليها، لتكون هي العلامة البارزة في الشوارع القديمة.. كلّ مدن العراق تزخر بهذه الأعمدة التي تحمل على أكتافها أو على رؤوسها البنايات التي تطلّ على الشوارع، فتكون مثل بشرٍ يتراصفون في وقفة استعدادٍ، وكأنها تأخذ التحيّة لمن يمرّ بجوارها.
الأعمدة التي تشكّل فنًّا وحضارةً ولها جذورٌ تاريخية، ربما يتذكرها العراقي فيتذكّر شارع الرشيد في بغداد.. لكن في كربلاء ثمة أسواقٌ وشوارع عديدة تتميز بهذا الفن المعماري الذي توجّ بالأعمدة المدوّرة التي تكاد المسافة واحدة بين عمودٍ وعمودٍ لا تزيد على خمسة أمتار وهي تلتف على الشوارع المحيطة بالمدينة القديمة من أربع جهات. هذه العلامات البارزة تحولت إلى مكبّ للإعلانات المختلفة.. أعمدة تاريخية أو تراثية مشوهة بالأوراق والدعايات والاعلانات بل وضاعت ملامح هذه الأرصفة بالأشجار التي زرعها المواطنون فغاب الفن والمعمار معا؟

جذور التاريخ والعمارة الإسلامية

لا شيء بلا جذور في العراق، حتى تلك التي قيل إنها جاءت مع الاحتلالات العديدة فإن الحقيقة تقول غير ذلك.. ومنها الأعمدة التي قيل إنها من بنات العهد العثماني أو ما يسمى العصملي.. فهذه الأعمدة المدورة بذات الحجم والمساحة والارتفاع وهو الأمر الذي يؤكده الباحث والأديب الدكتور علاء مشذوب الذي انتبه لهذه الأعمدة ومعماريتها وكتب عن ذلك بحثا.. من إن هناك أدلة تثبت استخدام البابليين والآشوريين الدعامات والأعمدة كعناصر إنشائية في مبانيهم وإن كانت نادرة الاستعمال، وخير مثال على استخدامها هو ما عثر عليه في أطلال (تلّو) لكش.. ويضيف الدكتور مشذوب إن الملك البابلي نبوخذ نصر أقام في قصره الصيفي أعمدة لها تيجان حلزونية محزّزة بألواح مزجّجة، أما في المدن الآشورية فقد اكتشفت أعمدة في أطلال مدينة خورسباد مصنوعةً من الحجر الكلسي يبلغ ارتفاعها نحو 4 أقدام.
لكن هذا الأمر لم ينته عند هذا الحد من الاكتشافات لأصل هذه الاعمدة التي قد تبدو وكأنها مجرّد حاملة للمباني التي تتّخذ من الأرصفة مساحات بنائية إضافية لها وهي تختلف عن الأعمدة التي تبنى فيها القصور التي تم اكتشافها في بعلبك مثلا أو المسارح الرومانية وإن تشابهت الأشكال لكن المهام تختلف.. هذه الأعمدة كانت جزءًا مميزًا من العمارة عبر التاريخ والتي وصلت أوجها في العمارة الإسلامية التي زيّنت هذه الأعمدة القصور والقلاع والجوامع بل وحتى البيوت والقصور والأمر لم يزل حتى الآن نشاهده في العراق ثمة من يجعل أعمدة مدورةً تزيّن مدخل بيته وتحمل في الوقت نفسه مبنى الطابق الثاني وهو ما يوحي بتأثير هذه الخصيصة التاريخية كنوعٍ من الإنتماء غير المنظور للتاريخ والجذور.

شوارع وأعمدة من جذوع

في كربلاء ثمة أكثر من 10 شوارع مهمة وأضعافها من الأزقة أو التي تسمى الفروع أو (العكود) تضرب جذورها في أكثر من 300 عام، ومع التطور تحولت هذه الشوارع إلى عمق المدينة التاريخي بعد أن تم تشييد الأسواق والمحال لتتزين بمثل هذه الأعمدة، خاصة وإن التوسعة المعمارية كانت واحدةً من أسباب إنشاء هذه الأسواق والأرصفة والتي تتغير بسبب التوسعة غير المدروسة في أغلب الأحيان وربما تفرضها ضرورة الانفجار السكاني لهذه المدينة وبالتالي تغير الأعمدة التي تسند المباني وتستغل فضاءات الأرصفة لبناء مساكن أو شقق أو فنادق والتي وصل عددها في الوقت الراهن إلى أكثر من 400 فندق، نصفها تستغل الأرصفة وتقف على أعمدة مدورة.
ويضيف الدكتور مشذوب سببًا للانفجارات السكانية التي هيأت للتوسعة العمرانية هي الهجرات العديدة على مر العصور منذ تأسيسها الذي حصل بعد معركة الطف بأقل من مئة عام سواء من الداخل العراقي أو إيران أو الهند أو الباكستان أو أفغانستان، بل وحتى من الأكراد والبلوش والعرب من الجزيرة ومصر.. لتتطوّر المدينة وأسواقها بسبب الحاجة إلى مجاراة الهجرة المستمرة.. مما أثر حتى على الأسواق المسقّفة والخانات الخاصة بالزائرين.. فقد اندثر بعضها وبعضها لم يزل صامدًا ومنها شارع الإمام العباس الذي كان مغلقًا في الزمن العصملي .. ويشير الدكتور مشذوب إلى أن الأعمدة في مطلع القرن العشرين كانت عبارة عن جذوع الأشجار وكانت مهمتها حمل الشرفات المطلّة من البيوت والتي تستورد من الهند وبورما وماليزيا وهو جذورٌ صلبةٌ وقويةٌ وطولها يصل إلى 12 مترًا، وكان أصحاب المحال يستغلونها لعرض ما يبيعون في محالهم وهي ظاهرة لم تزل مستمرة حتى اليوم حيث يعرض أصحاب المحال بضاعتهم على الأرصفة بجوار الأعمدة التي كوّنت الأرصفة.. لتتحول بمرور الزمن الأعمدة من خشبية إلى أعمدةٍ من طابوقٍ ومن ثم حديد ( الشيلمان ) ثم أعمدة كونكريتية اسمنتية.
يحدّد الدكتور مشذوب ثلاث مراحل لهذه الطرز المعمارية التي مرّت بها شوارع كربلاء بقوله إن المرحلة العمرانية الأولى بدأت قبل عام 1935 عندما كانت المدينة داخل السور الذي يحيط بها وكانت تضم محلات (باب بغداد، باب السلالمة، باب النجف، باب الطاق، باب الخان والمخيم). أما المرحلة الثانية فهي التي تمتد بين أعوام 1936-1957 : إذ توسّعت المدينة خارج السور في محلتي (العباسية الشرقية، العباسية الغربية)، نتيجة لضيق المنطقة القديمة وزيادة أعداد السكان لتكون هناك المرحلة ثالثة وتلت عام 1958 حين استحدث عبد الكريم قاسم وزارة البلديات وضمت مديرية للتخطيط ثم مديرية المشاريع العامة التي استدعت مهندسين ومخططين من بولونيا في العام 1959 بهدف توسيع الشوارع. ويمضي الدكتور بقوله إن المدينة القديمة حددت مسارات الشوارع سواء منها الرئيسية أو الفرعية ورغم أن البنايات تختلف من محلة إلى أخرى حسب طريقة البناء وقربها أو ابتعادها عن المراقد المقدسة فإن الشوارع صارت محال تجارية وأرصفة وتحوّلت المحال إلى فنادق وشقق كطابق ثان، فكانت الحاجة إلى استغلال الرصيف ليكون مسقّفًا ثم كانت الحاجة إلى هذه الأعمدة الكونكريتية الاسمنتية المدورة بعد أن زاد عدد طوابق الأبنية التي صارت هي الأخرى كونكريتية مسلحة بالحديد، لتكون العلامة الرابطة ما بين التاريخ وحاجة المدينة سواء كانت بواقعية التأثير أم بواقعية الحاجة.. والذي يمر بشوارع كربلاء سواء من جهتها الشرقية عند مدخل باب طويريج أو إلى جهتها الجنوبية حيث مبنى المحافظة وجهتها الغربية حيث مقام المهدي والجهة الغربية حيث المكتبة المركزية فكلّ الشوارع شهدت مثل هذه الأعمدة

ملاذ للذاكرة

حتى وقت قريب كانت كلّ الشوارع فيها أعمدة مدورّة.. لكن الحملة التي حصلت في زمن النظام السابق في تجميل واجهات الفنادق والمحال بشكل واحد وجعل الواجهات مبنيةً بطابوق يطلق عليه (الجف قيم) تم تحويل العديد من هذه الأعمدة إلى العمارة الإسلامية فالتصقت مع بعضها بالأقواس كجزءٍ من إعادة التراث الإسلامي.. ولكن هناك شوارع لم تزل تحافظ على هذه الأعمدة التي أضحت مشوهة ومتآكلة ومهملة.. المواطنون في المدينة عبروا عن امتعاضهم لتنامي ظاهرة تخريب هذه الأعمدة واستخدامها كجدرانٍ إعلانية أو اتكاءات لمحال بيع الشاي السريع أو تعليق الإعلانات التجارية، بل وحتى الدعايات التي تطلقها هذه الجهة أو تلك بصورةٍ لا تمت إلى الجمال بصلة.. وفي الانتخابات تتحوّل إلى الأعمدة إلى لوحات إعلانية لوجوه لم يعد المواطن يحترمها.. بل إن الأشجار التي زرعها البعض من أصحاب المحال أو الفنادق ضيع معالمها تماما.
ويقول الدكتور مشذوب.. الأعمدة تعدّ امتدادًا تاريخيًا لأهالي المدينة القديمة، والجميع يعدّها ملاذًا للذاكرة وأنا أعشقها وأعدّها جزءًا من امتدادي الثقافي.. ويعبر عن غصّته وهو يرى ما تعرّضت له هذه الأعمدة ويقول.. يبدو أن كلّ شيء له جذور سيضمحل أو يتآكل وإن بقي فإنه مهملٌ ومخرّب.. ثم يقول وهو يتّكئ على أحد الأعمدة في شارع العباس.. لقد شيدت بعد عام 1945 بعد التوسعة الثانية في زمن الملكية.. أما أعمدة شارع الحسن فقد تم تشييدها عام 1954 عندما جاء موظفو التخطيط العمراني وأمروا بتوسعته، إضافة إلى إن شرفات البيوت كانت تحملها أعمدةٌ خشبيةٌ وهي تزدان بالشناشيل والتطريز غاية في الروعة وكان ذلك في زمن العصملي، وعندما بدأت المحافظة بالتوسّع والتحوّل إلى التجارة بدأ الأهالي بإزالة الأشجار والبناء بالطريقة الحديثة من خلال استغلال الفضاء الذي يتقدّم أملاكهم من البيوت والخانات و«السكلات» وغيرها من الاستخدامات الأخرى. ويُعد شارع الحسن في ذلك الوقت الشارع الرئيس الذي تسلكه السيارات المتّجهة إلى بغداد على طريق ناحية الحسينية، في الوقت الذي كان فيه شارع العباس مغلقا. ويشير مشذوب المولود في أحد أزقّة المدينة القديمة إن شارع العباس مثلا تتركّز فيه الدوائر الحكومية الخدمية مثل البريد والهاتف ومديرية البلدية ودائرة العقاري ومركز شرطة العباسية والسفارات أو القنصلــيات الأجنبية ومنها الإيرانية والباكســـتانية والهندية في الحي العباسية الغربية، إضافة البيوت السكنية الفخمة ذات المساحات الواسعة، كما تتركز بعض الدوائر الحكومية في حي العباسية الشرقية ولكن السمة الغالبة عليها هي البيوت السكنية ذات المساحات المتوسطة والصغيرة.. ويمضي بقوله.. ما يميز ذاكرة أهلها هي الأعمدة كونها شاهدًا على ما مرّ به المجتمع الكربلائي من أحداثٍ سياسية واجتماعية، حيث كانت تستخدم الأعمدة لرفع اليافطات واللافتات لمناصرة أو شجب حدثٍ معين محلّي أو عربيّ أو عالمي.. كما حصل في العــدوان الثلاثي وقبلها نكبة فلسطين ونكسة حزيران وغيرها، مؤكدا أن جميع الشوارع في العباسية وغـــيرها هي في الطريقة ذاتها والمهام ذاتها، ومن ثم الإهمال والتخريب ذاته وربما لا ينفع إن قلنا لقد حان الوقت للاهتمام بها كجزءٍ من تاريخ وتراث وذاكرة..

٭ كاتب عراقي

الأعمدة الإسمنتية المدورّة في كربلاء: سجل تاريخي يطاله التخريب والإهمال

علي لفته سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية