الأفغاني خالد حسيني في روايته «عداء الطائرة الورقية» صورة لوعي حركة الزمان وتحوّلاته

حجم الخط
0

يسير الروائي ( خالد حسيني) بنصه «عدّاء الطائرة الورقية» المنغمس بفضاء السيرة الذاتية، وبقدرة فنية واضحة يحوّله إلى نص روائي خالص. حاول حسيني البدء من نقطة رصد سيرة العائلة ( الأب، علي، حسن) ثم التحوّل بهما إلى تشكيل تاريخ العائلة والعبور به إلى التاريخ العام لـ ( افغانستان) ضمن ظروف مختلفة. وبهذا حقق نمطاً تاريخياً استدعى خلاله أحداث تراجيدية.
فالنص الروائي أو السردي بشكل عام لا يستغني عن التاريخ مهما صَغُرتْ وحداته، بل ثمة اشتباك زماني ومكاني داخله. لذا وبحبكة روائية، وظّف عملية تحبيك التاريخ للأسرة والبلد على أساس التبئير.
بمعنى خلق أكثر من بؤرة استطاع خلالها أن يفك اشتباك مفاصل التاريخ وتأثيره على نماذجه داخل النص. وأن يحوّل ثيمة النص المبتدئ بالعنوان «عدّاء الطائرة الورقية» إلى رمز يؤطر رؤية نموذجه منذ أن كان طفلاً مع أقرانه (العدو وراء الطائرات) كصورة لوعي حركة الزمان وتحوّلاته، والمكان وتبدلاته. فالنص مشتبك مع التاريخ السياسي والاجتماعي والديني، محاولاً تنضيد رؤاه باتجاه هذه التحوّلات، لاسيّما أنه عاش ضمن بيئة أُسرية مبتلاة بقيّم خاصة تخفي ما هو مُعيب، وتُظهر ما هو مساعد على إظهار وجود العائلة وتميّزها اجتماعياً، خاصة الأب.
إن تبني بؤرة وجود (حسن) الذي ترعرع مع (أمير جان) راوي النص، ومن ثم تمركز مسعاه بوضع (سهراب) وهو ابن حسن موضع الاهتمام، لا لشيء سوى معالجة الخطيئة في الوجود. فسهراب صبي أُنتهك جسدياً من قبل أحد رجال طالبان، وهو نموذج منحرف جنسياً بالإكراه، أي يحمل عقدة ذنب. والصبي قد اشتق اسمه من حكايات (الشاهنامة)، أي ارتبط بأواصر عريقة كان قد تعامل خلالها (أمير جان) مع (حسن ) الأمّي. واختيار الاسم كان يُظهر مدى التعلق بالأخ الأكبر. لكن الحاجز الذي فصل بين الاثنين بعد مسافة من الترعرع معا في أُسرة واحدة ؛ كان قوياً، فالعقدة هنا تتمحوّر في إحساس( أمير) بأن (حسن) أخ شقيق له، لكنه غير شرعي. أي كان نتيجة نزوّة الأب مع الخادمة. وهذا يقرّب الموضوعة من علاقة (سميرداكوف) الابن غير الشرعي لعائلة ( كارامازوف)، أي أنتجته ظاهرة الزنا أيضاً. لكن العقدة التي حوّلت الابن إلى قاتل لأبيه عند دستويفسكي أدت بـ (حسن) إلى أن يقبل بقدره من منطلق وجوده المفروض، فأقام علاقات جيدة مع الأب والابن.
ومن ثم مجازفة (أمير جان) في دخول أفغانستان للبحث عن (سهراب) بوصية من ( الحاج طاهري). هذه الموّضوعة شكّلت عودة (أمير جان) إلى تاريخه الأول بعد أن هاجر إلى أمريكا واقترن بزوجة أمريكية. إن الروائي حاول بجدية واضحة أن يُعالج مسألة الخطيئة التي ارتكبها الأب المثال للابن .
لكن التراكم في الأحداث التي معظمها سلبية ومؤذية له، حوّلته إلى ناقم على الأب الذي خلّف عقدة (حسن + سهراب) فالأول لم يكن مبالياً بقدره، لكن الابن تكثفت لديه عقدة مؤذية لحياته.
لاسيّما رافقها ما ارتكبه الطالباني بحق طفولته وجسده المنتهك جنسياً، بعد أن أخذه من دار الأيتام . هذه العقدة وما ترتب عليها من استحالة مرافقة أمير إلى أمريكا مهاجراً، ورفضه العوّدة إلى دار الايتام، الدار التي خلقت له عقدة نفسية، دفعته للانتحار. هذه الثيمة كثف لها جزءا كبيراً من النص، لأنها الأمثل من وجهة نظر(حسيني) فهو متبع التسلسل النفسي المرافق للوضع الأسري والاجتماعي والسياسي.
إن الرواية عالجت وبروح وطنية (أمير جان) وانتمائه إلى وطن يحلم باستقرار وازدهار بلده. فلا الاجتياح الروسي وفّر لبلده مثل هذا الحلم، ولا وجود طالبان كان بديلاً عن كل ما يعاني منه هذا البلد، من بين البلدان في العالم الثالث. فقد تمكن الكاتب من معالجة هذه الموضوعة، التي تطلبت عدم التفريط بالأجزاء التي شكلت كلية تاريخ أفغانستان أو سواه من البلدان التي عانت من الانتهاك السياسي والديني فكانت معالجاته رصينة، وتنبئ بروائي قادر على تحويل الظواهر من جزئياتها إلى كليات ، ذات محاور جدلية لوجود الإنسان في الزمان والمكان.
إن التركيز على نموذج( سهراب) فيه كثير من عوامل تركيز الرمز فهو نموذج أفرزه التاريخ العائلي المشوّش، والتاريخ السياسي ــ الديني المنحرف. هذا الواقع دفع بسهراب إلى أقصى مراحل التطرف في حياته وهو الانتحار، تخلصاً من متعلقات التاريخ الذي ورثه بدون إرادة منه، تماماً كـ (سميرداكوف) الذي زاد من عقدته تأنيب الأب له والحط من قيمته الإنسانية. فأمير بالنسبة له، مثل أليوشا لسميراداكوف. فكلاهما يحمل نواة قضية إنسانية راقية، رائدها الانحياز إلى المظلومين في الأرض. إن سهراب وبعد شفائه من آثار الانتحار كان متطرفاً في تصريحاته، مقابل صورة البقاء في دار الأيتام الذي ولّدت له عقدة الخطيئة دون ذنب. فتصريحه «أنا تعبان من كل شيء» فيه نمط رافض للوجود في المطلق، وحمله صورة اليأس من وجود يمكن أن يوفر له سبيل العيش بكرامة . لذلك يُصرّح لأمير عن حاجته كالآتي «أُريد أبي وماما جان، أُريد ساسا، أُريد أن ألعب مع رحيم جان صاحب في الحديقة . أُريد أن أعيش في دارنا ثانية». هذا النزوع يعني رفضه للواقع بكل موجوداته، لكنه يقبل الهجرة إلى أمريكا، الحلم الذي تحقق له.

٭ كاتب عراقي

الأفغاني خالد حسيني في روايته «عداء الطائرة الورقية» صورة لوعي حركة الزمان وتحوّلاته

جاسم عاصي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية