الأقسام الخاصة… «زبد يذهب جفاء» في جامعات مصر

حجم الخط
0

«تصوَّرت أن الأقسام الخاصة في الكليات الحكومية تشبه الكليات الخاصة، والبرامج المميّزة مميزة فعلا، وبعدما وجدت نفسي طالبة تدفع مبالغ ضخمة سنويا ـ مقارنة بالمصاريف العادية ـ ولا تحصل على أي مميزات إضافية، ولا فرصة للخروج منه.. بدأت أمرّ على كل طالب جديد في الكلية، وأقول له: لا تدخل قسم اللغة الانكليزية.. لا تسلم جيبك لنظام طمَّاع سيبخل عليك بأي شيء».
تتوقف شيماء سعيد ـ طالبة في كلية التجارة، قسم اللغة الإنكليزية جامعة القاهرة ـ عن الكلام قليلا، وتمسك ورقة وقلما لتحسب ما جنته من دراستها في قسم خاص في كلية حكومية، وبعد مجموعة مسائل حسابية، وشطب، وإضافة، وأرقام، تضيف: «الكلية تسلّم الطلاب كتب الجامعة الأمريكية، لكن ـ أحيانا ـ يدرّس لنا أساتذة لا يجيدون قراءة الكتب من الأساس لأنهم من مدرسي الشعبة العربية، وفي النهاية نذاكر أسئلة الامتحان من ورق (مذكِّرات)».
«لا فرق بيننا وبين طلاب قسم اللغة العربية.. ندفع 20 ضعف ما يدفعونه فقط».. تلقي شيماء بجملتها الطبقية عفوا، لتمسّ جرحا لا يزال مفتوحا منذ عام 2006 حين عارض كثيرون تطبيق ما يسمّى بـ «البرامج المميزة» خوفا من أن تصنع طبقية في الجامعات الحكومية أو تحوّلها إلى جامعات خاصة بمرور الوقت.. ووافقت كليات على فتح أقسام خاصّة بينما لا تزال كليات أخرى ترفض.
فكرة الأقسام الخاصة، أو «البرامج المميزة في الجامعات الحكومية» هي فكرة مستحدثة الغرض منهما توسيع دائرة الاستقطاب التعليمي، تجاه الجامعات الحكومية، بجذب الميسورين ماديا، ببرامج تعليمية مميزة، وهو المشروع الذي أثار نقاشا واسعا وقت عرضه، لما فيه من تمييز مادي للقادرين على حساب غيرهم، لكن يبدو أن واقعه الحالي يقول خلاف ذلك.
تمسك بطرف الخيط نور صلاح، طالبة قسم اللغة الانكليزية في كلية الإعلام، وتقول: لا أقول إني طالبة (قسم إنكليزي)، أقول (إعلام) فقط لأنه لا فرق. بعض الطلبة يربطون أسماءهم بكونهم من قسم بمصاريف ضخمة من أرضية طبقية، لأنهم (بيتعلّموا بفلوسهم).. ويتعاملون مع طلبة تشبههم في دائرة خاصة مستواها الاجتماعي أعلى.
وتضيف نور: أعتبر ما دفعناه وندفعه كل عام (فلوس تلقى على الأرض دون جدوى).
لماذا؟.. لا فرص للتدريب خارج الجامعة، الأساتذة من الشعبة العربية ومن خارج الكلية أحيانا، لا قاعات محاضرات، فالمتاح قاعات خارج كلية الإعلام في مبنى مجاور حالته سيئة يعرف باسم (قاعات الامتحان). اعترضنا يوما على حضور المحاضرات خارج الكلية رغم أن قاعات الكلية متاحة، وكانت مشكلة كبيرة.. لكن النتيجة صفر.
مصاريف الدفعة الجديدة، التي تحجز مقاعدها بقسم اللغة الانكليزية (كلية الإعلام)، 12 ألف جنيه بزيادة ألفي جنيه عن العام الماضي، ويعلّق المسؤولون الأمر في رقبة الدولار، الذي ارتفع ورفع كل شيء معه، وهو الوضع الذي تواجهه جميع الأقسام الخاصة في الكليات، بدءا من تجارة، التي ارتفعت مصاريفها من 6 آلاف جنيه إلى 10 آلاف في جامعة عين شمس، وكلية الحقوق (الفرنسية والانكليزية)، التي ارتفعت إلى 9 آلاف جنيه أيضا في جامعتي القاهرة وعين شمس.
يتفق طلاب جميع الأقسام الخاصة على منفعة واحدة.. الكتب فعلا مفيدة، لأنها تدرّس في جامعات أجنبية، وبها مادة علميّة غنيّة ولا تخلو من الجانب العملي.. عكس كتب الأقسام العربية الأكاديمية البحتة.. التي ينطبق عليها وصف (حبر أسود على ورق أبيض) بلا قيمة.. وأغلبها قديمة.
يدخل على الخط خالد الشايب، طالب صيدلة «كلينيكال»، وهو قسم خاص في جامعة القاهرة، وصاحب فيديو «فاكر أيام الكلية»، الذي حصد أكثر من مليون مشاهدة على يوتيوب، ويعرّف قسمه: هو قسم صيدلة على الطريقة الأمريكية، فالطبيب ليس مسؤوليته تحديد علاج إنما تشخيص الحالة، وبناء عليه يحدّد الصيدلي الدواء اللازم.
الشايب، الذي يدرس في السنة النهائية في صيدلة «كلينيكال» يرى أنه وزملاءه يدفعون آلاف الجنيهات دون عائد حقيقي.
وجهة نظره أنّ الأعداد القليلة داخل المحاضرات ليست ميزة، أحيانا تكون نقمة، خاصة أن المعامل هي نفسها التي يستخدمها طلاب الأقسام العاديّة، والمواد لا تختلف إلا في مادة أو اثنتين، ويتمّ تدريسها بطرق متخلّفة لأن الأساتذة غير مؤهلين.. نظرا لأنهم لا يعملون بالطريقة الأمريكية في عياداتهم أو شركاتهم.. والمشكلة الثالثة إن فرص العمل (منعدمة) هنا في مصر على الأقل.
باتفاق غير معلن، تلعب الجامعات الحكومية على وتر الطبقية لدى فئة معيّنة من الطلاب، الذين جاءوا من أوساط اجتماعية عليا، ويريدون أن يصنعوا «غيتو» خاصا لهم داخل الكلية، مقابل المبالغ الضخمة، التي تتزايد بحصة سنوية 10٪ على الأقل.
يختلف مع فكرة «الطبقية» شريف مراد، عميد هندسة القاهرة، التي تضمّ 8 أقسام خاصة بمصاريف تقترب من 20 ألف جنيه سنويا، بحجة أنّ الطالب الذي يدفع 500 جنيه سنويا يدرس على يد الأستاذ الذي يدرّس لطالب القسم الخاص، ويدخل الكلية بالمجموع نفسه، وفي المعامل والقــــــاعات نفسها ، والاختلاف في أعداد الدارسين فقط، وأرباح الأقسام الخاصة ملايين يتمّ صرفها على الكلية، ويستفيد منها جميع الطلاب.

الأقسام الخاصة… «زبد يذهب جفاء» في جامعات مصر

مصر – مهدي مبارك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية