الأكراد بين الحروب الداخلية وإعلان الدولة

حجم الخط
0

«هذه المناطق حررت بدماء 11.500 قتيل وجريح من البيشمركه. لا يعقل أنه بعد كل هذه التضحيات نعيد المناطق إلى سيطرة الحكومة الفيدرالية»، صرح مؤخرا رئيس الإقليم الكردي في العراق، مسعود برزاني، في خطاب ألقاه بعد احتلال مدينة بعشيقة شمالي الموصل. وأضاف: «لن تكون هناك حاجة إلى استفتاء شعبي».
أثار هذا التصريح عاصفة ليس فقط في «المنطقة الخضراء» لبغداد، حيث تتجمع الوزارات الحكومية ومساكن المسؤولين بل وأيضا في واشنطن، دمشق، طهران وموسكو. ولكن ليس في أنقرة. فالترجمة العملية للتصريح توضح بأن الإقليم الكردي سيواصل التوسع الإقليمي إلى كل المناطق التي يقاتل فيها الأكراد ضد داعش في أراضي العراق، وأن المادة في الدستور العراقي التي تقول انه في المناطق «موضع الخلاف» يجرى استفتاء، لا تساوي الورق الذي كتبت عليه.
«المناطق موضع الخلاف» تتضمن أيضا مدينة كركوك التي يرى فيها الأكراد جزءا لا يتجزأ من الإقليم، وكل المناطق التي يسكن فيها سكان مختلطون، أكراد، عرب وتركمان.
واشنطن وموسكو تعارضان توسيع المنطقة الكردية، حفاظا على وحدة العراق في دولة فيدرالية. والخوف الملموس هو أنه بعد المعركة على الموصل قد تنشأ حرب أهلية مضرجة بالدماء ليس فقط بين القوات التي تقاتل على تحرير الموصل، بل بين الأكراد والحكم العراقي على السيطرة في المناطق «المحررة». تركيا بالمقابل، راضية جدا عن توسيع سيطرة الأكراد العراقيين، إذ أنهم يعتبرون حلفاء في صراع تركيا ضد حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر منظمة إرهابية وضد الأكراد السوريين الذين يتطلعون إلى إقامة حكم ذاتي في منطقة الحدود بين تركيا وسوريا.
ولكن هذه المنظومة من المصالح معقدة ومركبة أكثر بكثير مما تبدو سطحية. ففي الإقليم الكردي في العراق يدور منذ أشهر عديدة صراع سياسي ضد طبيعة حكم برزاني. وفي الأسابيع الاخيرة تعاظم الاحتجاج ضده، حين خرج موظفون ومعلمون للتظاهر في مدينة السليمانية في شرقي الإقليم احتجاجا على الأزمة الاقتصادية، على تأخير دفع الرواتب والذي يستمر لأشهر أحيانا، وعلى الفساد في الحكم.
بلغت الاحتجاجات ذروتها قبل نحو أسبوعين، حين هدد الموظفون بالتوجه مباشرة إلى الحكم في بغداد لتلقي الرواتب منها، وأحد قادة معارضيه السياسيين، رئيس البرلمان الكردي ورجل حزب «غوران» (التغيير) يوسف صديق، دعا الحكومة العراقية إلى قطع علاقاتها مع البرزاني ومع حكمه في أربيل عاصمة الإقليم ونقل النصيب الذي يستحقه الأكراد من ميزانية الدولة (17 في المئة من المداخل) مباشرة إلى المحافظات الكردية وليس عبر الحكومة الكردية. الخلاف الشديد بين البرزاني وحزبه، الحزب الكردي الديمقراطي، وبين حزب غوران، بدأ في الانتخابات للبرلمان في 2013، والذي فاز فيه غوران بربع مقاعد البرلمان، وهكذا هز الوضع الراهن السياسي الذي كان بين حزب البرزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردي، بقيادة جلال طالباني. حزب رجل الـ 83 والذي يعاني من جلطة دماغية، يتعاون مع حزب غوران وكلاهما يطالبان البرزاني بإخلاء كرسيه بعد أن انتهى موعد ولايته الدستورية في 2013 وقبل سنة انتهى تمديد السنتين الإضافيتين اللتين أعطاهما البرلمان.
ان معارضة استمرار ولاية البرزاني لا تعتمد فقط على المواد في الدستور، بل أساسا على طبيعة حكمه. فهو يقرب أبناء عائلته، يسيطر على مصادر الدخل، يعمل بدون التشاور، ولا يقل عن ذلك، أقال وزراء من حزب غوران بشكل غير قانون. وكنتيجة للإقالات بقي الحكم الكردي بلا وزير مالية وبلا وزير دفاع، حيث يقوم بمهامهما رئيس حكومة الاقليم نجيرفان برزاني ابن اخت مسعود البرزاني.
والبرزاني لم يقل الوزيرين فقط، فقوات أمنه منعت رئيس البرلمان، صديق، من الدخول إلى مبنى البرلمان في أربيل، حين كان في طريقه من السليمانية إلى العاصمة. ومنذئذ لا ينعقد البرلمان ولا يجري التشريع بحيث أن البرزاني يدير عمليا الإقليم من خلال المراسيم.
ولكن شراكته مع الحكومة التركية والحرب الناجحة التي تديرها قوات البيشمركه ضد داعش جعلت البرزاني محصنا من الانتقاد الدولي، كما ان الحكم في العراق لا يمكنه ان يقف ضد تطلعاته ولا سيما إن قوات البشمركه تتعاون مع الجيش العراقي ضد داعش وتحظى بدعم مكثف من الويات المتحدة.
هذه المكانة المتينة تشجع البرزاني على الحديث علنا عن نيته لإقامة دولة مستقلة ما أن تتحرر الموصل، وهي نية ليست مقبولة في هذه اللحظة من خصومه السياسيين، رغم الرؤية المشتركة لنيل اعتراف دولي بدولة كردية. يدعي خصومه بان في هذا الوقت لا منفعة في إعلان كهذا، من شأنه أن يلحق اضرارا جسيمة، سواء أن تركيا وإيران اللتين تشكلان قاعدة اقتصادية هامة للإقليم قد تفرضان عقوبات على الإقليم، أم لأن الولايات المتحدة ستعارض ومن شأن العراق ان يفتح حربا، وفضلا عن هذه المبررات المنطقية، كما يخشى الخصوم، وهؤلاء يضمون ايضا حزب الاتحاد الوطني الذي يوجد مركز قوته في مدينة السليمانية، فإن دولة كردية من شأنها أن تكون هي أيضا «دولة البرزاني».
المواجهات الجديدة في الإقليم الكردي ليست جديدة. فمذكورة بسوء الحرب الإهلية الكردية التي دارت رحاها في بداية التسعينيات على توزيع مداخيل النفط عندما كان العراق تحت نظام العقوبات، وكان النفط يهرب منه عبر الإقليم الكردي. وتعمق الشرخ بين البرزاني وطالباني في حينه إلى داخل القبائل والعائلات وعلى مدى السنين، حتى بعد المصالحة بينهما، كل طرف يعتبر عدوا للآخر وكل طرف كان له ولا يزال جيشه الخاص، اضافة إلى الجيش الكردي المشترك. وهذه المرة لشدة الحظ، لا تزال المواجهات لم تؤد إلى سفك دماء والصراع بقي في الساحة السياسية، ولكن الخوف الشديد هو مما من شأنه ان يتطور بعد احتلال الموصل.
على الجانب الاخر من الحدود أيضا، في سوريا، فإن مفهوم «الأكراد» يجعل من الخطأ التفكير بأن هؤلاء هم مجتمع موحد، مصنوع من جلدة واحدة، يعمل بتناغم لتحقيق أهداف مشتركة. فما لا يقل عن دزينة من الأحزاب الكردية تعمل في المجال الذي بين الحدود الشمالية الشرقية لسوريا والقسم الشمالي الغربي منها. ويبرز بينها الحزب الديمقراطي الكردي PYD الذي تشكل في 2003، والمجلس الوطني الكردي KNC الذي تأسس في تشرين الاول 2011، بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب في سوريا. وكلاهما يتشكلان من عدة أحزاب او فصائل ولكل واحد مهما قوة عسكرية خاص به. الحزب الديمقراطي بقيادة صالح مسلم يتماثل مع ايديولوجيا زعيم حزب العمال الكردستاين عبد الله اوجلان، ولهذا فإن تركيا تعتبره حزبا «إرهابيا» يجب تصفيته. وهذا الأسبوع رفعت في تركيا لوائح اتهام ضد نشطاء الحزب ورئيسه، فيما لو امسك بهم وادينوا فقد يقضون 30 مؤبدا.
لحزب PYD توجد قوة عسكرية كبيرة، لجان الدفاع الشعبي، التي تقاتل في عدة جبهات ـ إحداها ضد داعش بهدف طرده من الحدود بين تركيا وسوريا لأجل إقامة تواصل إقليمي كردي، والثانية ضد القوات التركية التي اجتاحت سوريا ولا سيما من أجل تطهير الحدود من تواجد الـ PYD وتصفية قيادتهم.
لقد أوضحت تركيا أنها لن تسمح بإقامة اقليم كردي سوري على حدودها وهي تجسد أقوالها بالشكل الذي تدير فيه الحرب في سوريا. تركيا، بسرعة نسبية، وفي ظل الاستعانة بالجيش السوري الحر، تحتل المدينة تلو الاخرى في شمال سوريا وتفرض في هذه المدن والقرى حكما بتكليف منها، هدفه منع سيطرة رجال PYD واللجان الشعبية في المناطق التي احتلوها من داعش. كما أن تركيا عارضت ان يشارك الحزب الكردي الديمقراطي في المفاوضات السياسية، بخلاف موقف موسكو التي تعتقد أن من الحيوي اشراك الحزب إذا كان يراد منح المفاوضات شرعية جماهيرية.
لموسكو توجد حجة حاسمة أخرى لدعمها لـ PYD لرجال الحزب يعتبرون مؤيدين للأسد بل وعملوا في بداية الحرب لمنع المظاهرات ضده. من جهة أخرى، فإن خصم الـPYDD المجلس الوطني الكردي (KNC) هو حليف مسعود البرزاني، الذي ساعده لدى تأسيسه بالتمويل وبتدريب رجاله في مناطق الاقليم الكردي. كما أن تركيا ترى في الـ PYD حليفا جديرا بالمساعدة. هذا سبب وجيه بما يكفي لصراع داخلي بين هاتين الحركتين، اللتين الخلافات الايديولوجية بينهما يجب للمرء أن يبحث عنها بكشاف شديد القوة. فكلاهما تؤيدان ظاهرا اقامة اقليم كردي بحكم ذاتي، ولكن بينما الـ PYD يسعى لما يصفه بالكانتونات بتوزيع إداري، فإن الـ KNC يتطلع إلى اقامة حكم ذاتي موحد. من الصعب ايجاد تعريفات دقيقة أكثر للفوارق الايديولوجية، ويبدو ان كل حركة تسعى أساسا إلى البقاء في ظل الاعتماد على حلفاء مختلفين.
المثير للاهتمام هو أن المواجهات بين الحركتين الكرديتين في سوريا ـ والتي وصلت مؤخرا حتى اعتقال نشطاء الـ KNC من قبل رجال الـ PYD تدحض الفكرة التي تقول ان اكراد العراق والأكراد السوريين كفيلون بتوحيد القوى لتحقيق هدف قومي مشترك. كما أن من الصعب الإشارة إلى اهداف استراتيجية مشتركة.
إذ بينما تعتبر حرب الأكراد في سوريا ضد داعش تهديدا على تركيا فإن حرب الأكراد في العراق ضد داعش تعتبر تهديدا، وان لم يكن مباشرا، على حكومة العراق، وتهديدا مباشرا على وحدة الدولة. ظاهرا، الكتلتان الكرديتان، في العراق وفي سوريا تريان في داعش عدوا، وهكذا فإنهما تخدمان السياسة الدولية، ولكن كما هو معروف، فإن لكل حرب توجد «مخارج حرب»، وعندها تبدأ الألغام بالانفجار في وجه السياسة.

هآرتس4/12/2016

الأكراد بين الحروب الداخلية وإعلان الدولة
حرب البيشمركه شرق سوريا تهديد لتركيا وفي الموصل للحكومة العراقية
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية