بالرغم من أن التواجد الكردي في مدينة حلب لا يمكن تأطيره زمنياً حيث يعود حسب بعض المصادر إلى القرن الثاني عشر لاسيما مع بناء الدولة الأيوبية، لكن التواجد الأبرز على شكل هجرة شبيهة بالجماعية يعود إلى مراحل ما بعد الاستقلال في سوريا وبالأخص بعد مجيء حزب البعث إلى السطة في 1963. ويمكن القول ان زيادة الوجود الكردي في هذه المدينة كان على علاقة طردية مع زيادة الظلم الذي يتعرضون له في مدنهم ومناطقهم التابعة لمدينة حلب بشكل خاص وسوريا بشكل عام، لأن العقوبات الاقتصادية الجماعية على المدن الكردية في سوريا كانت تدفع بأبنائها إلى البحث عن لقمة عيش في المدن الكبرى كحلب ودمشق.
لا يمكن الحديث البتة عن حي في حلب لا يتواجد فيه الكرد، لكن ربما من الجدير ذكر أحياء يعدون فيها من الغالبية، حيث بمجرد ذكر شخص ما أنه يعيش فيها فإن ابن حلب سيسأله: هل أنت كردي؟ لعل أبرز هذه الأحياء هي الأشرفية والشيخ مقصود والسريان وبستان الباشا.
لا أرقام مؤكدة يمكن الاستناد إليها بشأن حجم هذا التواجد في حلب قبل بدء الثورة في سوريا، لكن حسب العديد من المصادر فإن ما لا يقل عن 300 ألف كردي كانوا يعيشون في المدينة، منهم من ولد فيها أيضاً، ومنهم من صار له شأن اقتصادي ناهيك عن النواحي الحياتية الأخرى. لم يستطع التواجد الكردي في حلب أن يعيش بمنأى عما يجري في مختلف أرجاء الخريطة السورية حيث أن أي صدام كردي مع فصائل من الجيش الحر أو الإسلامية أو جبهة النصرة أو تنظيم «الدولة» أو النظام نفسه كانت له انعكاسات هذا التواجد، لذا كان المطلوب ربما هو الوصول إلى صيغ واتفاقات مع كل هذه القوى حتى يستطيع حيا الأشرفية والشيخ مقصود أن يكونا أكثر آمنا بعد فرض السيطرة عليهما من قبل قوات حماية الشعب الكردية وحماية المرأة والأساييش (الأمن الداخلي)، لاحقاً اختصرت هذه القوات تواجدها فقط في حي الشيخ مقصود.
تم مراراً وتكراراً اتهام هذه القوات باستهداف طريق الكاستيلو آخر طرق إمداد المعارضة إلى أحياء حلب الشرقية، وعلى إثرها نشبت الكثير من الاشتباكات، وكذلك تم اتهامها بالتعاون مع النظام السوري لكن ربما في ظل إبرام اتفاقية مع فصيل ما بخصوص الكاستيلو كان يتم الهجوم على الحي من قبل فصائل أخرى.
الكرد الذين كان يقدر عددهم قبل الحرب في حلب المدينة بما لا يقل عن 300 ألف تراجع بشكل كبير ليصل حسب بعض الناشطين إلى بين أربعين وخمسين ألفا غالبيتهم في حي الشيخ مقصود، ويمكن القول أنهم دفعوا ضريبة الحرب من جهة والتحولات السياسية والاتفاقات الهشة. هنا يجدر الذكر أن أسباباً عرقية ساهمت أحياناً في هجرة بعضهم على اعتبار أنه كان يتم ربط الكرد هناك بقواتهم مما جعلهم عرضة لمضايقات وسجن لدى فصائل كثيرة لمبادلتهم بمقاتلين لها.
بعد التقدم الأخير والكبير لقوات النظام السوري في مدينة حلب لاسيما في أحيائها الشرقية تغيرت الكثير من المعادلات حيث تمكنت القوات الكردية من السيطرة على أحياء بستان الباشا، بعيدين، الهلك، الحيدرية، شيخ فارس، وشيخ خضر ليبلغ مجموع الأحياء التي تقع تحت سيطرتها ثمانية مع حي الشيخ مقصود.
ضمن هجوم النظام الأخير صار حي الشيخ مقصود ملاذاً لآلاف العوائل الهاربة من الأحياء التي تتعرض للقصف وتشهد اشتباكات، في الوقت ذاته وجهت المعارضة السورية اتهامات مجددة للقوات الكردية بمساعدة قوات النظام. لكن مهما يكن فإن اعتبار التعاون بين الطرفين هو السبب لسقوط الأحياء الشرقية من المدينة فإن ذلك فرضية صعبة.
من جهة أخرى فإن من الطبيعي التساؤل عن كيفية قدرة النظام المدعوم جوياً من سلاحه والطائرات الروسية من مواجهة كافة الفصائل المعارضة لاسيما الإسلامية ولم يستطع السيطرة على حي الشيخ مقصود بل وخلال ذلك استطاعت القوات الكردية فرض سيطرتها على سبعة أحياء أخرى؟ لا يمكن فهم الأمر على أنه هدية من النظام أو ثمرة تعاون، ربما يمكن الذهاب بعيداً بأنه مرحلة جديدة من التوازنات، لاسيما أن النظام والقوات الكردية المدعومة أمريكياً شهدت اشتباكات طاحنة في أكثر من مرحلة كان آخرها في مدينة الحسكة في آب (أغسطس) الفائت حيث تدخل حينها سلاح الجو الأمريكي ليفرض حظراً على الطيران السوري إلى أن تمكنت روسيا من عقد مصالحة بين الطرفين في قاعدة حميميم في محافظة اللاذقية.
لا يمكن ارجاع بقاء الأكراد في حلب وعدم مغادرتهم لها إلى عامل واحد إنما كان هناك أكثر من سبب من بينها أن الكثيرين منهم والقادمين من عفرين صار لهم أبناء ولدوا هناك، وشاركوا في الحياة الاقتصادية، وصاروا جزءاً من الحياة هناك. منهم من لم يعد لديه إلا ذكريات آبائه في عفرين وكان مضطراً للبقاء حيث ولد في تلك الأحياء الحلبية حيث لا سبيل آخر أمامه، ومنهم من أراد الدفاع عن أبناء حيه رغم أنه لا يزال لديه أقرباء في عفرين وقراها وكان من الممكن أن يفعل ككثيرين ويذهب هناك.
من الصعب حسم الموضوع والقول أن المصير الذي لاقته الفصائل الإسلامية والمعارضة في حلب لن تلاقيه القوة العسكرية الكردية هناك فيما لو أراد النظام ذلك، لكن هجوم النظام على تلك الأحياء لن يمر بعد أحداث الحسكة الأخيرة بدون معركة تفتحها القوات الكردية في محافظة الحسكة حيث أن لها هناك القوة والسيطرة والدعم الأمريكي اللامحدود، وبالتالي فإن من شأن هذه المعركة أن تعيد التوازن لوضع القوات الكردية في حلب.
على الرغم من احتمال سيطرة قوات النظام على حلب بشكل كامل فإنه لا يمكن مطلقاً منذ الآن الحكم على الشكل الذي سيكون عليه التواجد الكردي هناك وذلك لأن الحرب لم تنته بعد. لكن مما لا شك فيه أنه ضمن هذه الأوضاع الراهنة سيستطيع الكرد في حلب تنفس الصعداء وعدم التعرض لهجوم الفصائل الإسلامية الذي كلف تواجدهم في حي الشيخ مقصود الكثير من الدمار والدماء، فبمقتضى المصالحات الأخيرة بين النظام والكرد سيستطيعون العودة إلى الأحياء السابقة التي كانوا متواجدين فيها إلى أن يحدث مستجد ما على الصعيد السوري بشكل عام من تسوية سياسية لا تزال صعبة أو من تمكن النظام من استرداد كامل قوته والهجوم على الكرد في محافظة الحسكة نفسها وبهذا سيتغير شكل القوى العسكرية الكردية في حلب أيضاً.
كرم يوسف