القاهرة ـ «القدس العربي»: تمثل السينما الأمريكية عصب الاقتصاد في الدخل القومي للولايات المتحدة، ومن ثم فهناك عناية فائقة بالمؤسسات الإنتاجية. وتعد هوليوود واحدة من قلاع الصناعة السينمائية الذهبية في العالم، وقد أشار لذلك الرئيس أوباما في كثير من خطاباته للتحفيز على الإبداع والرقي بمستوى التقنيات التي تعد من أهم دعائم السينما الأمريكية، فهي العنصر الرئيسي في الإبهار والدهشة.
ويكمن الاهتمام بالسينما على هذا النحو لكونها لغة مؤثرة ونافذة وقادرة على التأثير الجماعي في أزمنة قياسية، ويتم استخدامها وفق الهوى والغرض، حسبما تقتضي الظروف والمراحل.
وعلى هذا تولي الدولة والمؤسسات الرسمية، النجوم عناية فائقة بوصفهم أدوات التأثير والتعبير المباشرين والقادرين على إحداث التغيير المطلوب. وهناك نماذج كثيرة لأفلام ونجوم ومخرجين أحدثت دويا هائلا في المجتمعات، من بينها ميل جيبسون ومايكل مور وأعمال مهمة مثل، «آلام المسيح» و»إسكندر الأكبر» و»فهرنهايت»، وأيضا على المستوى الرومانسي مثل «تايتنك» وغيرها، وهذا يقودنا إلى النظر بعيدا عما هو مجرد رؤية بصرية تهدف إلى الاستمتاع والتسلية.
لدينا في هذه الدراسة الموجزة من الأفلام المهمة «كاست أواي» أو «المنبوذ» للنجم الكبير توم هانكس والنجمة هيلين هانت والمخرج روبرت زيمليس، وهو تجربة فريدة في المضمون والرؤية تعتمد بشكل أساسي على البطولة الفردية والمغامرة، حيث تدور الأحداث حول عامل في شركة لتوصيل البريد السريع تسقط به الطائرة في إحدى رحلاته على جزيرة معزولة فيبقى وحيدا ويظل هكذا لفترة، لكنه سرعان ما يحاول التعايش والتكيف مع الوضع القاسي إلى أن يجد من ينقذه فيعود إلى حياته الطبيعية ولم تكن هذه الأحداث لإثارة، ولكنها تأخذ أبعادا أخرى تهدف إلى نقل تجربة البطل إلى الحياة الواقعية كي يدرب المتلقي نفسه على حسن التصرف والاستفادة من القصة بشكل إيجابي، فالرفاهية لا تتوافر بصفة دائمة لإنسان وعليه لابد أن يتأهل للتجارب الصعبة والقاسية، وربما رأينا في أفلامنا المصرية نوعيات مشابهة، في فيلم «الطائرة المفقودة» وفيلم «البداية» للمخرج الكبير صلاح أبو سيف الذي ناقش من خلاله قضية الديمقراطية بشكل رمزي، ليؤكد حاجة الإنسان للتعايش الطبيعي بعيدا عن أجواء العزلة..
«المنبوذ» أو «كاست أواي» للمخرج روبرت زيميكسي يصور حالة افتراضية للإنسان بعيدا عن بيئته الطبيعية ويستلهم فكرة الخلاص من البطل البسيط، الذي يحاول التغلب على أزمته من خلال إعمال ملكاته الإنسانية وطرق البحث عن وسائل للتسلية وملء الفراغ للحيلولة دون وصوله إلى الإحباط واليأس وفقدان الأمل في الغد الأفضل الذي يدخر له كل ما يدنو إليه ويطمح فيه، فدائما ما يأتي الفرج في أحلك ظروف القنوط والضيق فيغير حياة البشر إلى أفضل مما كانوا يحلمون به.
هذه هي الفكرة الكلية العامة المستفادة من الأحداث والدور المهم للبطل توم هانكس، الذي تفوق على نفسه وهو صاحب البطولات الناجحة في أفلام «فورست جامب» و»الكبير» وغيرهما، والحاصل على جائزتي الأوسكار كأحسن ممثل. وقد رشح عن فيلمه هذا «كاست أواي» للجائزة نفسها، ولكنه لم يحصل عليها، وإنما حصل على جائزة الغولدن غلوب.
بدأ توم هانكس حياته الفنية في مسرح الجامعة، كما هو معتاد، وسرعان ما توجه للسينما بعد التخرج وفشل في أولى تجاربه ولكنه عاد مجددا يطل على الجمهور من خلال الدراما التلفزيونية في مسلسل بعنوان «بوزا بادز» كان سببا في ترشحه لبطولة فيلم «الكبير» عام 88 وتوالت بعده البطولات والأدوار لتتحول حياة الممثل الباحث عن دور مهم إلى أسطورة فنية. وللنجم الكبير توم هانكس إسهامات مهمة في الكتابة والإخراج والكتابة والتمثيل الصوتي وأيضا الإنتاج.
ولد هانكس في كونكورد في ولاية كاليفورنيا وعاش حياة مضطربة، حيث انفصل أبواه وهو في سن صغيرة فدفعه ذلك إلى الإصرار على النجاح، وخلق منه شخصية قوية وصلبة. والغريب أنه قدم أفلاما كوميدية استعراضية أتصور أنها كانت رد فعل لحياة قاسية امتلأت بالعقبات والمشاكل، فأراد أن يعوضها بأدواره التي أدها بشكل إنساني ارتقي بها فوق الأزمات الشخصية.
أدت الممثلة هيلين هانت دورا متميزا في هذا الفيلم فقد ظهرت في الجزء الأول من الأحداث لتلعب دور الحبيبة التي يهديها حبيبها خاتم الخطوبة، وهو ظهور أقرب إلى ظهور ضيفة الشرف، ومع ذلك بدا الدور محورا للارتكاز وخلفية مهمة لتكوين البطل وحياته وطبيعته. الفيلم يؤكد قدرة الممثل الجيد على أداء كل الأدوار حتى لو كان ممثلا كوميديا أو استعراضيا وهو الدرس الثاني في فن الأداء ووهج الحضور.
لم يأت عرض هذه النوعية من الأفلام داخل مصر صدفة أو محاولة لتوسيع دائرة التوزيع لزيادة نسبة الإيرادات، ولكنها تطبيق عملي لإغراق السوق بأعمال موجهة تبث أفكارا وترسخ مفاهيم وتكون ثقافات تراكمية لدى الشعوب المستهدفة، لتسهيل حرث التربة الثقافية لإمكانية زرعها من جديد، ويتساوى هنا نوع المنتج السينمائي، سواء كان تراجيديا أو كوميديا، أو أكشن، فكل النوعيات مطلوبة وضرورية لغزو العقول، حيث كل شيء مدروس ومدون مسبقا في الأجندة الأمريكية، ولا فرق بين العمل التعبوي المباشر الصريح والعمل المغلف بغلاف إنساني عاطفي بديع، وتكفي الإحاطة بالعلم أن معظم شركات الإنتاج السينمائي العالمية تتحكم فيها رؤوس أموال مشبوهة، تفرض شروطا سياسية مقابل التمويل وتضع معايير غير أخلاقية أحيانا للعبة الإنتاج الضخمة، بل وتتدخل في كبرى الجوائز فتمنحها لمن يلتزم وتمنعها عمن يتمرد أو يحاول التمرد، وهناك واقعة شهيرة في هذا الصدد حدثت منذ سنوات ومثلت فضيحة لجائزة الأوسكار، حيث تم سحب الجائزة من الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن» قبل ساعات من إعلانها، بعد ضغوط عنيفة مارسها اللوبي اليهودي على لجنة التحكيم، ولم تكن هذه حالة استثنائية ولكنه إجراء جاء في سياق نظام يحكم حصارا على الإبداع العربي كله ويحاكمه محاكمة سياسية غير عادلة في ازدواجية فاضحة بين الشكل الدبلوماسي الظاهر، والمؤامرات التي تدبر بليل في كواليس الساسة والسياسيين.
كمال القاضي