الألغام والضباب يعيقان محاولات الجيش التركي لتحقيق تقدم قُبيل تعاظم الضغوط السياسية الدولية

حجم الخط
3

إسطنبول ـ «القدس العربي»: دخلت عملية «غصن الزيتون» التي ينفذها الجيش التركي إلى جانب الجيش السوري الحر ضد المسلحين الأكراد في مدينة عفرين السورية يومها التاسع وسط محاولات حثيثة من الجيش التركي لحسم العركة أو تحقيق تقدم لافت في العملية قبيل تعاظم الضغوط السياسية الدولية التي تتزايد يومياً على أنقرة.
ويبدو أن القيادة السياسية والعسكرية التركية التي أطلقت العملية العسكرية في عفرين عقب حسابات سياسية وعسكرية وتوصلها إلى تفاهمات دولية حساسة، لم تتنبه إلى جزئية صغيرة تتمثل في الأحوال الجوية التي باتت تعتبر العائق الأكبر والأصعب أمام التقدم العسكري البري وتسببت في تجميد العملية في العديد من المحاور وإبطائها بشكل كبير في محاور أخرى. فالتقدم البري الذي انطلق في اليوم الثاني لعملية «غصن الزيتون» من 7 محاور مختلفة حقق تقدماً لافتاً في الـ48 ساعة الأولى بالتوغل 5 إلى 7 كيلومترات من معظم المحاور، لكن سرعان ما اصطدم بالأحوال الجوية حيث انخفضت درجات الحرارة بشكل كبير وسط تساقط غزير للأمطار. لكن الأصعب على الجيش التركي كان الضباب الذي غطى المنطقة وحجب الرؤية من مسافات قصيرة، وهو ما رفع نسبة الخطر بشكل كبير ودفع القوات المهاجمة إلى التروي ومحاولة الحفاظ على المواقع التي تمت السيطرة عليها.
وأعلن الجيش التركي أنه لم يتمكن من انتشال جثماني اثنين من جنوده قتلا في المعارك داخل عفرين، وسط ترجيحات بأن المسلحين الأكراد تمكنوا من السيطرة عليهما، في حين أظهرت صور جرى التقاطها من النقاط الأمامية للمواجهة تقلص الرؤية بشكل كبير بسبب الضباب وتحول الأرض إلى أوحال وعرة من شدة الأمطار.
وحسب وسائل إعلام تركية لجأ الجيش إلى تحصين المواقع التي سيطر عليها وليتمكن من صد الهجمات المتتالية للمسلحين، إلى جانب اضطراره إلى تكثيف الغارات الجوية والضربات المدفعية والصاروخية التي كان الجزء الأكبر منها بهدف تمشيط الخطوط الأمامية ومنع أي محاولة للهجوم المضاد على القوات المتقدمة ومنع المسلحين الأكراد من الاستفادة من الضباب لإيقاع خسائر في صفوف القوات المهاجمة.
إلى جانب الأحوال الجوية يواجه الجيش التركي و»السوري الحر» مقاومة عنيفة من المسلحين الأكراد الذين يقول الجيش التركي إنهم زرعوا كميات هائلة من الألغام في مناطق سيطرتهم ويستغلون الأنفاق والممرات الأرضية لتنفيذ هجمات ضد القوات المتقدمة وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها.
وبينما تنصب التوجهات العسكرية على ضرورة التقدم التدريجي برياً لتقليل الخسائر في الجيش والمدنيين، تضغط القيادة السياسية التركية باتجاه تسريع العملية ومحاولة حسم المعركة مبكراً أو تحقيق إنجازات عسكرية لافتة قبيل تعاظم الضغوط الدولية التي بدأت بالتزايد تدريجياً خلال الأيام الماضية. وتخشى القيادة التركية من الضغط السياسي الدولي، لا سيما مع الإعلان الأمريكي الصريح عن معارضة العملية وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على وقفها أو جعلها محدودة زمنياً وجغرافياً، والتحذير من إمكانية أن تؤدي إلى اشتباك مع القوات الأمريكية شمالي سوريا.
يضاف إلى ذلك الضغط الذي مارسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاتصال الهاتفي مع أردوغان وتأكيده على ضرورة تجنب وقوع خسائر في المدنيين، وهو ما تكرر مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي تحدثت مع أردوغان هاتفياً حول عملية عفرين، يضاف إلى ذلك العديد من المواقف الغربية المعارضة للعملية.
لكن الخشية الأكبر تتمثل في إمكانية توجه فرنسي جديد إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لمطالبة تركيا بوقف العملية العسكرية في عفرين وهو ما قد يحظى بدعم أمريكي وغربي بشكل عام ويضع القيادة التركية في موقف صعب ويجبرها على تقليص أو وقف العملية.
كما أن أنقرة لا ترغب في حصول أي تطورات قد تؤدي إلى تراجع الموقف الروسي الذي وفر الضوء الأخضر للعملية التركية، وفي ظل الكشف عن أن روسيا دعت الميليشيات الكردية لتسليم عفرين للنظام السوري قبيل منح أنقرة الضوء الأخضر ودعوة الوحدات الكردية مؤخراً النظام السوري لحماية المدينة، تخشى أنقرة أن تطلب روسيا من تركيا وقف الهجوم مقابل تسليم المدينة للنظام.
وعلى الرغم من أن تركيا ترى في النظام السوري خطراً أقل بكثير من الوحدات الكردية في منظورها للأمن القومي للبلاد، إلى أنها ترغب في إتمام العملية وتدمير مواقع الوحدات الكردية وتحصيناتها في عفرين وتطهيرها من المسلحين لتصعيب أي سيناريو لاحق لإعادة فرض سيطرتهم على المدينة.
وعلى الرغم من أن الجيش والسياسيين الأتراك أكدوا مراراً أنهم يعملون كل الممكن من أجل ضمان عدم التعرض للمدنيين في عفرين إلا أن تركيا تواجه حملة إعلامية واسعة من قبل أطراف دولية والنشطاء الأكراد حول العالم الذين بدأوا يشكلون لوبيات للضغط على الحكومات الغربية للعمل على وقف العملية العسكرية التركية في عفرين.
وفي هذا الإطار شكلت وسائل الإعلام التركية ووكالة الأنباء الرسمية فرقا إعلامية خاصة وكبيرة من أجل ما تقول إنها لمواجهة «الدعاية السوداء» ضد عملية «غصن الزيتون»، وتقول إنه يجري نشر صور مزورة وأخرى من فلسطين واليمن ومناطق أخرى في سوريا على أنها «جرائم يرتكبها الجيش التركي بحق المدنيين في عفرين»، وتقول إنها تعمل على كشفها وتوثيقها بالأدلة.
وفي أول الخطوات الغربية ضد تركيا قررت حكومة تسيير الأعمال في ألمانيا تجميد أي قرار بشأن تحديث دبابات «ليوبارد 2» ألمانية الصنع والتي تستخدمها أنقرة ضمن عملية «غصن الزيتون»، وسط أنباء عن نية برلين وقف تصدير الأسلحة إلى تركيا.
وعلى الرغم من أن تركيا تقول إن 75% من الأسلحة والذخائر التي يستخدمها الجيش التركي في العملية هي من الأسلحة الوطنية والمصنعة محلياً، إلا أنها تخشى أن تتصاعد هذه الحملة وتشمل قرارات منع تصدير الأسلحة إلى تركيا لدول أخرى مثل بريطانيا وأمريكا وغيرها.
لكن أردوغان يُظهر عدم اكتراثه بالمواقف الدولية المعارضة للعملية ويؤكد نيته الاستمرار بها حتى «تطهير عفرين من آخر إرهابي»، وذهب إلى أبعد من ذلك بالتأكيد على أن الجيش التركي سوف يواصل عملياته لتطهير جميع الحدود السورية التركية من الإرهابيين وصولاً لحدود العراق.
وقال أردوغان، الجمعة: «بعد السيطرة على عفرين سنطهر منبج من الإرهابيين، بعدها نواصل كفاحنا حتى لا يبقى إرهابي حتى الحدود العراقية»، مضيفاً: «البعض يطالبنا بإلحاح بان نعمل على أن تكون هذه العملية قصيرة الأمد، اسمعوا! إنها لا تزال في يومها السابع. كم من الوقت استمرت العملية في أفغانستان؟ كم من الوقت استمرت العملية في العراق؟»

الألغام والضباب يعيقان محاولات الجيش التركي لتحقيق تقدم قُبيل تعاظم الضغوط السياسية الدولية

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية