الأمازيغ… شرف ورفعة وجذور ضاربة في التاريخ

حجم الخط
16

«وأماّ تخلقهم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف والرفعة بين الأمم ومدعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار، وحماية النزيل ورعي الأذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات على الشدائد، وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الإنتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعدوم، وقرى الضيف والإعانة عن النوائب وعلو الهمة وإباية الضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملك وبيع النفوس من الله في نصر دينه، فلهم في ذلك آثار ……. قادتهم إلى مراقي العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الأيدي ايديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم….».
هذا جزء مما جاء على لسان العلاّمة ابن خلدون في كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر»عندما جاء على ذكر البربر وخصالهم، والحديث عن البربر حقيقة يطول لعمق جذورهم الضاربة في التاريخ ومقاومتهم لشتى الأطماع المقبلة من أوروبا من الفينيقيين وغيرهم من الإمبراطوريات القديمة.
ولن أغوص في سجال بعيد عن الحقيقة والواقع والذي يتحدث عن أصولهم الحميرية في اليمن أو الجرمانية …بل اكتفي بالقول بانهم من أقدم السلالات البشرية ولم يهاجروا من أي منطقة في العالم بل وجدوا فيها»شمال افريقيا» وإختلطوا بأجناس وفدت إليهم .
تتحدث عدة مصادر تاريخية على انهم لم يألفوا أو يندمجوا مع المحتلين في القدم بمختلف حضاراتهم ودياناتهم عدا الإسلام، الذي إعتنقوه وأحبوه لصفاء فطرتهم بل حاربوا لأجله وكانوا فاتحين لبلاد أخرى تحت راية الإسلام وما القائد الأمازيغي «طارق ابن زياد»إلاّ شاهدا على مدى عمق إيمانهم وإعتناقهم لدين التوحيد.
وإندمج العرب و الأمازيغ مع بعضهم البعض بالمصاهرة والجوار،وآخ الإسلام بينهم فأصبحوا جسدا واحدا متكاملا تبينت صلابته ووحدته عند إحتلال الجزائر سنة 1830م، عندما هبّ الأمازيغ بكل تشكيلاتهم مع العرب هبّة رجل واحد ضد المحتل فناضلوا وسالت دماؤهم وروت تراب الجزائر، فأينع وطنية وإعتزازا بكل المكونات الثقافية التي تشكلت على أرضنا عبر التاريخ. وأصبحت أعياد الأمازيغ أعياد الجزائر كاملة، والإحتفال برأس السنة الأمازيغية يحتفل به العرب والأمازيغ على السواء، وهو الموافق لليوم الثاني عشر من الشهر الأول كانون الثاني/ يناير من السنة الميلادية، ويبدأ تقويم السنة الأمازيغية من سنة تسعمئة وخمسين قبل الميلاد،عندما هزم شيشناق الأمازيغي رمسيس الثالث وإعتلى العرش الفرعوني 950ق.م.
تحضر في هذه المناسبة جلّ الأسر الجزائرية الكسكس أو «الطعام «كما يسمى في الجزائر وهو أكلة تقليدية امازيغية الأصل، لكن بعد الفتح الإسلامي اصبحت من إختصاص العرب كذلك وبنكهة خاصة، حتى أنّ بعض المناطق العربية القحّة كمنطقة «أولاد نايل» في الوسط الجزائري،مشهورة بكسكسها اللذيذ أكثر من المناطق الأمازيغية نفسها؟.
أما فيما يتعلق باللغة الأمازيغية وبعيدا عن الإستغلال السياسي لها سواء من الشوفينيين أو المؤدلجين المفرنسين، فهي بكل لهجاتها لغة محكية لم تلق للأسف عناية وإهتماما لأسباب تخص الأمازيغ ذاتهم لشدّة ما واجهوه من إستعمار قديما قبل الميلاد ولإنهماكهم في تحرير الأرض قبل كل شيء،ولسبب لاحق يتمثل في إهتمام السياسة الجزائرية بعد الإستقلال باللغة العربية وإعادة الإعتبار للغة التي حرم منها أجدادنا ومحاولة ترسيخها في الإدارة أو في المدارس والجامعات كلغة علم بدلا من الفرنسية، وأغفلت لغة الأجداد الأخرى للأسف ظنا كذلك منهم أن الحديث عن الأمازيغية كلغة قد يقسّم المجتمع الجزائري ويشرخ بنيته؟ وكان رائد التعريب هو الراحل الرئيس هواري بومدين الأمازيغي .
وهي نظرة حقيقة قاصرة فاللغة الأمازيغية مكوّن اساسي للهوية الجزائريةلا يمكن إلا أن تزيد الساحة الثقافية ثراء،ولو أنها لاقت الإهتمام الكافي بعد الإستقلال مباشرة لكانت اللغة الثانية في الجزائر مراعاة لقيمتها التاريخية وللناطقين بها، ولأصبحت الآن كاللّغة التركية أو الألبانية… خاصة وأنّ مفردات عربية عدّة دخلت في معجمها.
الأمازيغية الآن لغة وطنية بنص الدستور ويتم تعليمها في المدارس في عدة محافظات في إنتظار تعميمها عبر باقي التراب الوطني، وقد أستحدث قاموس خاص بالصحافيين الناطقين بالأمازيغية في نشرات الأخبار، وهي خطوة جدّ مهمة تستحق التثمين،نتمنى أن تلقى هذه اللغة مزيدا من الإهتمام وتزيد في لحمة الشعب الجزائري بعيدا عن ضجيج السياسة.

منى مقراني- الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية