يُعتَبر الأمر في العُرف النحوي والبلاغي معنى من معاني الكلام، يحتاجهُ المتكلم في التعبير عما يختلج في نفسه من رغبات، به يطلب من مُخاطَبه إيقاع عمل في الخارج ويُزجيه على فعْله ويدفعهُ إلى ذلك. وهذا ما جَعل سيبويه يُدرجه في باب غير الواجب الذي لا تحكي به عن واقع استقر وثبتَ في الاعتقاد، وإنما تطلب وقوعه، وللأمر في العربية وجُوه كثيرة، فنراه يُنجز بفعل الأمر من قبيل «إفعلْ» وأسماء الفعل ولام الأمر.
والأمرُ إذا ما عيناه في لبوسه النحوي في حُدود ما تقوله لنَا بنيةُ القول، وقبل دخوله ساحة التداول يُعتبر «خطاباً لمن هو دُونك» أي أنك تأمرُ من هو أقل منك مرتبة، من قبيل أمر صاحب المحل إلى العامل الذي يشتغل عنده، مما يستوجب انصياع العامل وتقيده بأوامر صاحب المحل. غير أن انصياع العامل قد لا يكون من باب الاقتناع، وإنما من باب الخوف أن يفقد عمله، وهذا ما يجعل نفاذ الأمر في ذهن المخاطَب (المأمور) وسلوكه مُرتبطاً بسلطة أخرى تتجاوز حُدود استعلاء صاحب المحل، وهذا ما يحيلنا إلى مسألة «الاستعلاء المركب»، الذي يحملُ في طياته مظاهر أخرى من التزجية والدفع والإكراه، فليس الآمرُ بالضرورة مُمارساً لفعل الاستعلاء المباشر، وإنما قد يُوهمك بأنك حر في الاختيار وأنك لست مُجبراً على الانصياع، في حين يكون في أساسه آمراً بما في الأمر من استعلاء قهري تتدخل فيه ظروف حافة قد ترتبط بالمأمور أكثر منها بالآمر.
يترتب على هذا الإقرار أن الأمر مجالٌ واسعٌ في التصرف يتجاوز حُدود بنائه النحوي إلى علاقات خفية تضبطها الأحوال داخل مقامات مخصوصة، سمها إنْ شئت تداولية، فالأمرُ باعتباره عملاً لغوياً أساسياً إذا ما نزلناه في مقامات مخصوصة سيؤدي جُملة من المعاني الثواني حسب طبيعة المقام وعلاقة المتكلم الآمر بمخاطبه، وما يشتركان فيه من معارف تضبطها الأعراف والتقاليد ضمن ثقافة معينة.
إذا كان الأمر كذلك، فانظــــر معــــي في هذه الجملة التي يقع تداولها كثـــيراً في صفحــــات التواصــــل الاجتماعي، والتي تشكل في اعتقــــادنا مصدر إزعاج لدى البعض، لما فيها من انحطاط معرفي في تصورهم، أو لما فيها من إلزام واستعلاء عن غير طيب خاطر عند البعض الآخر.
إن جملة من قبيل «انْشُرْهَا إلى عشرة غيرك أو تأثمْ» هي التي دفعت بنا إلى أن نكتب هذه السطور عن عمل الأمر وسلطة الاستعلاء وما يتحقق من معان مرتبطة أشد الارتباط بالواقع الثقافي الذي يُسير المتكلمين. واللافتُ للانتباه في جملة الأمر هذه أنها – رغم خضوعها لبناء الأمر نتيجة تصدر فعل الأمر «انْشُرْ» ـ لا تتوافق في مستوى من المستويات مع قواعد وشروط عمل الأمر، وتحديدا ضمن ما يُطلق عليه شكري المبخوت «شرط علاقات التخاطب»، وهو شرطٌ يقتضي وجود المتكلم في مرتبة أعلى من مخاطبه، تفسير ذلك ضمن المثال الذي نشتغلُ عنه أن المتكلم الذي يُرسل لك هذه الرسالة لا يملك أحقية الأمر هذه، فهو في مرتبة متساوية معك، وهذا ما يجعلُ البعض يتجاهل هذه الرسائل ولا ينصاع لمن أرسلها أو كتبها. وعليه فإن الاستعلاء وهو شرط من شروط عمل الأمر قد يفشل في هذا المستوى. فهل الأمر خلاف ذلك؟ نعم إن الأمر خلاف ذلك، فالمتكلم (المرسل) يعول في مثل هذه الرسائل على استعلاء من نوع آخر، إنه استعلاء مُركب تتقاطع فيه أنساق ثقافية تحكم ذهنية المتكلمين. في البداية – وفي أغلب الظن- يعرف المتكلم المرسل (سواء أكان هو من كتب الرسالة أو قام بإرسالها) وهو يعد نفسه لإرسال رسالته أن مخاطبــــه قد لا يخضع لأمــــره مما يجعله في بنية القــول يُضيف تخييراً فيه نوع من التهديـــــد، (أو تأثم) مستــغلا في ذلك عواطف المخاطَب وثقافته، فلا شك أن انتماء المخاطَب إلى ثقافة عربــــية إسلامية يجعله يدخـــل في نســـق حجاجي ضربه له المتكلم من أجل إقناعه. وعلى هذا الأساس يتحول الأمر إلى ضرْب من التحذير (إنْ لم تنشر فقد تأثم)، ويذكرنا هذا الضرب من الاستدلال بالمعارف المشتركة التي نص عليها الفيلسوف غرايس أو ما يقترحه ديكرو في الحجاج.
إن اتكاء المتكلم على هذا الاستعلاء المركب الذي تتقاطع فيها البُنى الثقافية يجعلُ «المخاطَب الهش» غير المتسلح بترسانة نقدية يدخل في باب التخمين، فيتردد حينا وينصاعُ حينا آخر، ولكن الثابت أن صنيع الأمر قد أربكه. ونعثر في كثير من المواقف على أنواع أخرى من الاستعلاء المركب – إن صح توصيفنا- من قبيل «إنشرها وستسمعُ خبراً مُفرحاً» ليكون الأمر محققا لمعنى الترغيب، مستغلا ثغرة العواطف التي تُفهم من المقام في علاقة المتكلم بالمخاطب.
نعتقد في نهاية هذه السطور أن اللغة لم تأتِ لتحكُم بحكم على حد قول عبد القاهر الجرجاني، وإنما العمدة على المتكلم المخبر أو المستفهم أو الآمر، وهذا ما يجعلنا في عملية التواصل نحذر مما تخفيه الأبنية التركيبية من أنساق معرفية تسير العملية التواصلـــــية، فليس كل مُخبر صادقا في كلامه، وليس كل آمر قادرا على الأمر، وإنما كل ما يجب معرفته لماذا يقول هذا وكيف؟ فلا نحتاج إلى معرفة القراءة بقدر ما نحتاج إلى معرفة التفكيك والنقد.
٭ باحث تونسي
يوسف رحايمي