■ في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، كانت الحركات الوطنية تنقسم إلى معسكرين. الأول يقوم على تبني برنامج إصلاحي في إطار النظم الموروثة لممارسة السلطة ومشروعيتها. أما الثاني فقد تبنى تحديث النظم الموروثة باسم الثورة، خاصة تلك التي كرست الفروقات الاقتصادية والاجتماعية. والملاحظ أن الاتجاهين كانا ساريين في جسم الحركة السياسي والثقافي بأكملها، قبل أن يتجسدا في تنظيمات أطرت المشهد السياسي، وكونت الحكومات التي أنيط بها تحقيق المشروع الوطني إلى غاية الثمانينيات من القرن الماضي، حين فشلت السياسات التي ارتبطت بذلك المشروع. وقد تزامن هذا الفشل مع تحولات عميقة وظهور توجهات جديدة، واختلافات اكتست حدة غير مسبوقة، ما أسفر عن إعادة ترتيب الأوراق الاجتماعية والسياسية على شكل جبهتين: الأولى «حداثية» والثانية «دعوية».
ومع الحراك الثوري الذي هز منطقتنا، فرضت مسألة إعادة تعريف الذات والكيان نفسها على الجميع، وهو ما دفع الأنثروبولوجي المغربي في جامعة برنستون الأمريكية عبد الله حمودي في كتابه الصادر حديثا «الحداثة والهوية»، المركز الثقافي العربي 2016، إلى القول بأن مهمة الجيل الجديد تتمثل اليوم في البحث عن طريق للخروج من الثنائيات المؤسسة للجبهتين (الحداثوية والدعوية). وهذا الخروج، هو ما يمهد الطريق للتأسيس لمشروع مجتمعي جديد يضمن إعادة بناء الكيان على أسس مقبولة من طرف مكونات المجتمع الحية، ويلبي رغباتها في المزيد من التحرر والسعادة.
ولتجاوز هذه الثنائية يقترح علينا صاحب كتاب «الشيخ والمريد» توظيف مفهومي «سياسات الخطاب» و»إنتاج الحكم المعرفي» للتنقيب عن المشترك بين الجبهتين، ومحاولة الكشف عن إشكالية تهميش ذلك المشترك من طرف الجانبين، التي في حال كشفها قد تظهر لدينا أوجه التوافق الممكنة في اتجاه منظومة سياسية تعالج مخلفات الانفصام.
ملاحظات على الجبهتين:
ويرى حمودي، إن نحن رمنا الصواب في إنتاج الحكم المعرفي، في ما يخص ظواهر الحياة اليومية، فإنه يتعين علينا التخلص من الفرضيات المسبقة والمبطنة في عملية المقارنة نفسها. ومن تلك الفرضيات، التي سكنت اسس المعرفة بدون مساءلة، ثنائية الأصالة/الحداثة التي خيل للناس أن تناقضهما هو شيء تفرضه طبيعة الأشياء، لكن الرجوع إلى كلا الشيئين المقارنين، ومساءلة ماهية كل طرف من المقارنة، يكشف حقيقة كانت دائمة غائبة تلخصها العبارة التالية: «إن الأصالة محدثة وإن الحداثة محدثة».
ولتوضيح معنى هذه العبارة، يرى حمودي أن ثنائية أصالة/حداثة، جاءت في الأساس كوليد للصراع بين المجتمعات المسلمة والدول الإمبريالية، صراع أسفر (منذ ما يزيد عن قرنين) عن تغيير ميزان القوى لصالح الأنظمة الأوروبية. والظروف التي أتى التصور في سياقها هي المد الاستعماري الذي هيمن على الحياة، وعلى الحكم المعرفي نفسه، كما على عمليات التصنيف والفرز، بين ما اعتبر تقليدا ميتا، وما اعتبر رصيدا قابلا للتحديث. فالأصل التاريخي، أي الصراع وتغير ميزان القوى سلبا بالنسبة للشعوب المغاربية والعربية هو الأصل الحقيقي لثنائية الأصالة والحداثة، ولذلك كانت هذه الفرضية وراء تعيين نواة الأصالة بحصرها في الشريعة وآلياتها المعرفية، ونواة الحداثة التي حددت في منظومة القوانين والمؤسسات الوضعية ومناهجها.
وبالتالي فلا مناص ـ حسب حمودي ـ من الاعتراف بأن الأصيل والدخيل كما يجري العمل بهما اليوم ما هما إلا موروثان استعماريان. فأصحاب الأصالة يحاولون الاستيلاء على الأصول التي اختزلتها المقارنة الاستعمارية في منظومة الشريعة، بينما أصحاب الحداثة استولوا منذ نهاية الاستعمار السياسي على تلك النواة التي اختزلتها المقارنة الاستعمارية في العلم والتكنولوجيا والقانون الوضعي.
بيد أن التصنيف قد أفرز ظاهرة غريبة تتمثل، بحسب حمودي، في إقصاء الحداثيين من الأصول عبر تصويرهم وكأنهم ذات خارجية عن الذات الإسلامية، مع أنهم في غالبيتهم متشبثون بها وغير منسخلين عن الإسلام. وهو الأمر الذي يرده إلى مرحلة ما بعد الاستعمار السياسي، التي احتل فيها التحديث مكان الصدارة، وأسندت المهام الأساسية إلى النخب التي كانت في تلك المرحلة مؤهلة في ميدان تقنيات الإنتاج والتسيير الحديثة. كما أخذت تنظر إلى الأغلبية الشعبية وكأنها آلة مسيرة. وبسبب عزل التكوين العلمي والتقني عن التكوين الديني والثقافي، انحصر الدين في الفرائض والشعائر والثقافة وفي اللغات المتداولة يوميا. هشاشة هذا الموقف – في رأي حمودي- أسفرت عن نتيجة خطيرة ومؤثرة تتمثل في كون الحداثيين تنازلوا لصالح الدعويين عن النظر في الرصيد الديني، والشرعي والأخلاقي، الذين يرجعون إليه في تنظيم حياتهم. وعلى سبيل المثال، فإن اعتزموا الزواج فلا سبيل للاقتران بدون الرجوع إلى ذلك الرصيد، وكذلك إن اضطروا للطلاق، أو فيما يتعلق بالميراث والأملاك والأفراح والمسكن، والمأكل والملبس والعلاقات الإنسانية، وقواعد الحلال والحرام، وبهذا ساهموا في إضعاف موقفهم بدل الدفاع عنه بحرية، وباستعدادتهم العملية والعقلية.
من جانب آخر يرى حمودي أن الدعويين لم يكونوا أقل حداثة من الحداثويين، وهو الأمر الذي بدا منذ مرحلة الثمانينيات عبر الجهود التي بذلوها في سبيل إعادة تشكيل صورة الدين وتشكيل صورة الداعية المدافع عن الدين، من خلال ما يسميه بـ»عملية بناء الصورة» الذي يهتم أساسا بالشكل على حساب المضمون، (وهو يعني بذلك أن سياسات المظهر التي اعتمدها الدعويون هي في الأساس ناتجة عن مفاهيم إمبريالية غربية، كما يؤكد ذلك الباحث المغربي فريد الزاهي المتخصص في حياة الصورة). ورغم ذلك فقد مثلت هذه السياسات عند الدعويين دليلا على الحياة طبق ذلك «الأصل» كما يؤولونه، وظهرت مثلا في تشكيل الهندام، وعلامات التدين والورع والتقوى. والحال أن هذه المؤشرات تظهر في طابعها المحدث حين نتناول درسها من منظور أشكال الحياة الكلاسيكية، سواء تعلق الأمر بالمجتمع المغربي أو غيره. فنرى مثلا أن ما يسمى بالزي الإسلامي عند الرجال والنساء، يختلف عن جلباب الرجال وسترة النساء بصورتهما الموجودة في الساحة قبل تراجعهما أمام الأزياء الأوروبية. واللافت هو عدم تشكيك أحد آنذاك في إسلامية تلك الأزياء التقليدية من قبل مجيء الأزياء التي انتشرت مع انتشار التنظيمات الدعوية. والشيء نفسه ينطبق على الحلق والالتحاء وغطاء الرأس بالنسبة للرجال والنساء. ولذلك فإن هذه الأزياء المسماة «إسلامية» إنما هي محدثة، يجب تفسيرها بردها إلى التحول العميق الذي اخترق الحياة والمؤسسات والعادات. وأمواج التحول هذه لم تستثن شيئا يذكر، من المسكن إلى الشارع ومرافقه، من التعليم العتيق إلى التعليم الجديد، من نظم التسوق والتجارة إلى استثمار الأموال والممتلكات، من عادات الأفراح إلى طقوس الدفن.
وخلاصة القول إن المسلمين جميعا ابتكروا أنماطا جديدة في الحــــياة، في تفاعل مســــتمر بين القديم والجديد، وإن الأشكال المتخذة من طرف الدعويين هي أيضا أشكال مبتكرة.
من يرث روح الإسلام:
ولتجاوز هذا المنطق الثنائي، يرى حمودي أنه لا بد من التأكيد على أن الشريعة كنز الجميع ومرجع مشترك في استخراج الحلول. والأخلاق والآداب الإسلامية هي كذلك. ومن حيث كون كل هذا رصيدا للجميع، فلا بد أن يكون هو أيضا موضع مساءلة جماعية عبر مراعاة ثلاثة عوامل: الأول يتحدد في مستجدات البيئة الجديدة والمتجددة دوما، والثاني في التراكم المتنامي للحلول العملية الناتجة من أفعال الفاعلين سواء اعتبروا أنفسهم حداثيين أو أصوليين. والعامل الثالث هو المنهج. وإن نحن سلمنا بهذا، فإن الحلول العملية من طرف الدعويين والحداثيين معا تبقى مجرد اختيارات تحتاج إلى التبرير استنادا إلى ما يدعوه بـ«منطق الظرفيات المقارن». وبهذا ترتسم مكانة الأصول الشرعية. فبقدر ما يتحتم الرجوع اليها لدراسة الأحكام وفهم آلياتها ومقاصدها، بقدر ما يتحتم التعمق في علوم وفنون عديدة. في مقدمتها التاريخ والحفريات، والبيولوجيا، والاقتصاد والأنثربولوجيا والسوسيولوجيا والديموغرافيا وما إلى ذلك، ناهيك عن المنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية والتجارب الفنية. فتلك هي العلوم والفنون التي من شأنها أن تعين على توضيح منطق أي ظرفية، لكن تحديد منطق الظرفية لا يتوقف على العلماء فحسب ـ بأصنافه الدينية والدنيويةـ بل يستمد ذلك المجهود مادته أيضا من التجربة في الحياة: تجربة العلماء وتجربة الناس عامة. كما أن هذا المنطق لا يمكن أن يتخلى عن المقارنة مع المسارات الأوروبية وغير الأوروبية. فلا أوروبا ولا غيرها هي القاعدة في تصور الإصلاحات، ولكن مقارنة المسارات قاعدة أساسية من قواعد البحث والتنقيب. وأظن أن المقارنة مع المسار الأوروبي له الأهمية القصوى نظرا إلى طبيعة العلاقات وكثافتها في الماضي والحاضر.
من هنا يعتقد حمودي أنه حتى لو رجحت أصوات الشعب كفة الدعويين بقدر ما، كما حدث أخيرا في تونس والمغرب ومصر، فإنه لن يمنحهم أغلبية مطلقة. والظاهر أن أصوات الشعب تصب في اتجاه تخليق الحياة الاجتماعية والسياسية، وفي اتجاه تحسين ظروف المعيشة، فلا طاعة عمياء، ولا انبهار بمؤشرات التدين يضمن للتنظيمات الدعوية قوة سياسية دائمة في غياب النجاح في الميادين العملية. وإذا سلمنا بهذا فإن النجاح سيكون من حظ الذين يبنون كفاءاتهم وصدقهم فيما يخص وضع البرامج المجدية وتطبيقها مع احترام الحريات، سواء كانوا حداثيين أم دعويين. وسوف يكون الفارق الواضح هو القيام بذلك في ظل منظومة غير مسبوقة تقرن المساواة في الحظوظ الاقتصادية والاجتماعية، بالحرية الفردية. وربما سيكون ذلك أيضا هو الفارق الأساس بين جبهة ليبرالية اجتماعية متجددة، وجبهة دعوية لم تنجح أبدا في وضع الأسس النظرية لعدل مقرون بالحرية. والحرية الفردية في هذا المقام لا علاقة لها لا بالأنانية، ولا بالغرق في الملذات، وإنما أساسها تثمين المجهود الفردي في ميداني الأخلاقي والعمل وربط المكاسب والامتيازات بذلك المجهود.
٭ باحث سوري