الأنساق المعرفيّة في ديوان «بائع النّبيّ» للفلسطيني سلطان القيسيّ

حجم الخط
0

يشير مصطلح «النّسق المعرفيّ» إلى وجود نظام كليّ ينتظم البنية النّصّيّة، بحيث تحمل رؤية الكاتب عبر توظيفه مجموعة من المعارف داخل هذا النّصّ، فيصبح النّصّ دالّا ومدلولا في الوقت ذاته، فثمّة دالّات لغويّة ولفظيّة تحيل القارئ إلى ما هو خارج النّصّ، كما أنّ البنية النّصّيّة تجعل المعنى مرتكزا على تلك الدوالّ، ليتبادلا التّأثُّر والتَّأثير في عمليّة التّلقي.
لقد استند ديوان «بائع النّبيّ» إلى جملة من المعارف، شكّلت نسقا تسير عليه البنية النّصّيّة بأجمعها، فأوّل ملاحظة تسترعي الانتباه تلك اللّغة الّتي جاءت على نسق واحد في إيقاعها الهادئ، وألفاظها الّتي تنتمي إلى الإيقاع ذاته، والحقول الدّلاليّة، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم ثقافية، ولذلك فإنّ القارئ سيسير في جادّة واحدة من أوّل نصٍّ إلى آخر نصٍّ دون أن يعثر على اختلاف أو تباين في اللّغة، وهذا يجعل الدّيوان بوصفه بنية لغويّة، نسقا لغويّا موحّدا. مع أنّ هذا النّسق اللّغويّ الّذي يحيا في ثنايا الدّيوان كان مستندا إلى عناصر لغويّة متعدّدة تراثيّة ومعاصرة، عربيّة وغير عربيّة، نثريّة وشعريّة، فحضرت ألفاظ المضارب والعشيرة والموبايل وألفاظ الإنترنت والهاتف، كما اشتملت لغة الدّيوان على ألفاظ الحبّ والحرب والخيل والدم والسيوف، ولم تخلُ كذلك بعض القصائد من روح السُّخرية أو الفكاهة اللّطيفة أو المفارقة المحزنة مع ذلك التَّصوير الشّعريّ الجادّ. ومع أن الشّاعر وظف بعض الأمثال الشّعبيّة الدّارجة في مواضع قليلة إلا أنّها لم تُحْدِث خللا في البنية النّصّيّة المنسابة على إيقاع واحد ويحكمها قانون لغويٌّ محكم من الرّصانة والصّياغة عالية المستوى.
وظّف الشّاعر كثيرا من النّصّوص الدّينيّة، من آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة، ولكنّه لم يلجأ إلى الاقتباس الحرفيّ في أيٍّ منها، بل إنّه بنى جملته الشّعريّة على هدي من العبارة الدّينيّة، لتحيل إلى النّصّ الدّينيّ دون أن تفقد العبارة الشّعريّة خصوصيّتها ومعناها الدّلاليّ الخاصّ بها، فالعبارة القرآنيّة «إنّ كيدهنَّ عظيم» تصبح «كيدهنّ جميل» و«صبر جميل» تتحول إلى «صبر كثير» و«من أثر السُّجود» تغدو «من أثر الملوك»، كما أنّه يبني بعض الجمل الشّعريّة على نسق الآيات القرآنية، فلا بد من أنّ القارئ ستقفز إلى ذهنه آية «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» عندما يقرأ «حيث لا خوف عليّ ولا أهلي يحزنون»، وكذلك يحضر الحديث الشريف «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وهو يردّد قول القيسي «فالكنعانيّات معقود بنواصيهنّ الحبّ إلى يوم القيامة». وتحفل لغة الدّيوان بالعديد من هذه الإحالات النّصّيّة، وتجاوزت الثلاثين موضعا.
وتنبغي الإشارة إلى أن عنوان الدّيوان «بائع النّبيّ» يحيل إلى قصّة النّبيّ يوسف عليه السّلام، وقد افتتح الشّاعر ديوانه بالآية القرآنيّة الّتي تشير إلى هذا المعنى وتحدّده «وشروْه بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة، وكانوا فيه من الزّاهدين»، وبهذا يجعل الشّاعر هذه القصّة هي الفضاء الأعمّ الّذي يشمل كلّ نصوص الدّيوان. ومن النّصّوص الدّينيّة أيضا ما كان مستعارا من الكتاب المقدّس، فقد عنون الشّاعر أوّل قصيدة في الدّيوان بـ «نشيد الأناشيد الّذي للكنعانيّات».
وتظهر في الدّيوان أيضا شخصيّة الشّاعر المعرفيّة المكتنزة بأنماط ثقافيّة متنوِّعة، فيحفل الدّيوان بذكر أعلام ثقافيّة من الثّقافتين العربيّة وغير العربيّة، فيتجاور شكسبير ومكبث وغودو وماركيز وهومر وباخ وجان جنيه بجانب آدم وقابيل والصَّحابة والأولياء وعمر وعليّ وعروة بن الورد وعليّ بن الجهم، وتتآلف السُّوناتا والسُّمفونية مع المقامات الموسيقيّة العربيّة والعتابا، وتمتزج الموسيقى الأجنبيّة فرنسيّة وإنكليزيّة وإسبانيّة وتشيليّة مع أغان عربيّة شائعة لذياب مشهور وفيروز ومحمّد عبد الوهّاب وجورجيت صايغ ومحمّد منير، وغير عربيّة لجاك بريل وجليبيرد بكود، وخوليو إجلسياس، وفولييت بارا وغيرهم.
لقد تنوَّعت الأشكال الفنيّة في قصائد الدّيوان، فأحالت القارئ إلى أنساقٍ معرفيّة جماليّة، سواء في ذلك ما اتخذته من أشكال فنية كالقصائد القصيرة جدا، التي رأى الرّوائي واسيني الأعرج في مقدمته أنّها تنتمي إلى «الهايكو اليابانيّ» أم تلك القصائد الّتي اتّخذت الشّكل المسرحيّ «غودو وبائع النّبيّ» و«الرّاعي والمجنون»، حيث اعتمدت القصيدتان على تنوّع الأصوات داخل النّصّ. كذلك فإنّ الدّيوان اشتمل على قصائد نثر وقصائد من الشّعر الحرّ وستة أبيات في مقطوعتين، جاءتا على نمط بحور الخليل الشّعريّة، وكلتاهما من البحر البسيط، وهذا انحياز واضح من الشّاعر للنّسق الجماليّ الشّعريّ الحديث، والانطلاق إلى أفاق القصيدة الحديثة الّتي تستفيد من المنجزات الشّعريّة المعاصرة.
إنّ اكتناز الجملة الشّعريّة بكلّ تلك الأنساق المعرفيّة المشار إليها أعلاه، منح القصائد شاعريّة جليّة في شاعريّتها، بما اجترحته من تعدّد وانفتاح في الأفق والتفكير، معبّرا في نهاية المطاف عن شخصيّة الشّاعر المنفتحة المتحرِّرة، الّتي تنظر إلى ما هو جماليّ فتوظّفه توظيفا إبداعيّا لخلق بنية نصيّة جديرة بالقراءة والاحتفاء والاحتفال والدِّراسة والتّحليل.

٭كاتب فلسطيني

الأنساق المعرفيّة في ديوان «بائع النّبيّ» للفلسطيني سلطان القيسيّ

فراس حج محمّد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية