الأنظار تتجه إلى ما تخفيه لغة التهدئة اللفظية وسمة الإرهاب لم تغب عن «حزب الله»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: مرّ قطوع القمة العربية على لبنان، بحيث أنه لم يخرج منها مشظى كما جرى في قمم واجتماعات سابقة. غاب التحفظ عن قرار «التضامن مع لبنان» الذي سجَّلته مملكة البحرين في قمة نواكشوط على هذا القرار» نظراً لما يتحمله ما يسمى «حزب الله» اللبناني الإرهابي، والعضو في الحكومة اللبنانية من مسؤولية كاملة في السعي لتقويض السلم الأهلي وزعزعة الأمن والاستقرار عبر إثارة الفتنة الطائفية ودعم الإرهاب والتدخل الـسافر فـي الـشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية». ونأت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر بنفسها عن القرار مؤيدة تحفظ مملكة البحرين.
هو تحّول كسب من خلاله لبنان، كدولة، تضامناً عربياً معه فقده خلال السنوات الماضية بعدما أضحى لبنان يدورفي فلك نفوذ حزب الله وراعيه الإيراني، حتى أن صياغة القرار باتت تتضمن الكثير من تدوير الزوايا حول توصيف المقاومة. وهي حقيقة تعكس انقساماً داخلياً حيال «سلاح حزب الله» الذي كان يسمى يوماً «مقاومة» في وجدان الكثير من اللبنانيين انطلاقاً من أن هدفه مقاومة إسرائيل وليس توجيه سلاحه إلى صدورهم، كما حصل في السابع من أيار/مايو 2008، يوم خسر شرعيته الشعبية قبل الوطنية، وأضحى يوصف بـ«السلاح غير الشرعي» ما دفع برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى القول «إن 13 قمة عربية أكدت على ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة» في رده على رسالة الرؤساء الخمسة التي وجهت إلى رئاسة القمة العربية التي أكدت على «ضرورة الاهتمام العربي بالتضامن مع لبنان في تحرير أرضه، وفي رفض السلاح غير الشرعي، وضرورة بسط الدولة اللبنانية وأجهزتها العسكرية والأمنية لسلطتها وحدها على كامل التراب اللبناني، كما هو مقتضى السيادة وحكم القانون والشرعية».
غير أن الغوص قليلاً في مقررات القمة العربية يؤول إلى استنتاج أولي بأن إزالة التحفظ الذي سّجل في قمة نواكشوط لم يأتِ فقط نتيجة وساطات عربية، بل كان له مقابل تجلى بعدم تحفظ لبنان ضمن قرار «صيانة الأمن القومي العربي ومكافحة الإرهاب» على بندين يتعلقان بمملكة البحرين وينصان على الإعراب على دعم كافة الإجراءات التي تقوم بها في مواجهة الإرهاب لحفظ أمنها واستقرارها و«الترحيب بوضع أسماء بعض الأشخاص الذين ينتمون لما يسمى بـ«سرايا الأشتر» الإرهابية في المملكة على قائمة الإرهابيين»، فيما تحفظ العراق والجزائر على توصيف سرايا الاشتر بالإرهابية. ويمكن فهم غياب التحفظ اللبناني من زاوية قدرته على التفلت من الضغوطات الداخلية ما دام لم يؤت على ذكر «حزب الله» في هذا القرار بالتحديد. لكنه كان حاضراً بقوة وبتوصيفه « كتنظيم إرهابي» في قرار «التدخلات الإيرانية في الدول العربية» الذي في بندين منه أدان واستنكر التدخلات الإيرانية في شؤون البحرين من خلال مساندة الإرهاب وتدريب الإرهابيين وتهريب الأسلحة والمتفجرات وإثارة النعرات الطائفية، وتأسيسها جماعات إرهابية بالمملكة ممولة ومدربة من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الإرهابي، اللذين نٌسب اليهما أيضاً ضلوعهما في دعم تنظيم إرهابي ألقي القبض عليه في كانون الثاني/يناير 2016 كان يستهدف القيام بسلسلة أعمال إرهابية في المملكة. فالنظرة إلى الحزب لم تتغير في اعتباره تنظيماً إرهابياً، وذراعاً لإيران في المنطقة، التي جرى رفض وإدانة تدخللها في اليمن واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، لا بل طالبها بالكف عن السياسات التي من شأنها تغذية النزاعات الطائفية والمذهبية والامتناع عن دعم الجماعات التي تؤجج هذه النزاعات في دول الخليج العربي، وبإيقاف دعم وتمويل الميليشيات والأحزاب المسلحة في الدول العربية، والكف عن التصريحات العدائية والأعمال الاستفزازية، ووقف الحملات الإعلامية ضد الدول العربية باعتبارها تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لهذه الدول. وهو قرار لم يوافق عليه لبنان مسجلاً تحفظه على البندين اللذين وصفا «حزب الله» بالإرهابي «كون ان التوصيف خارج عن تصنيف الأمم المتحدة وغير متوافق مع المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب خاصة من حيث التمييز بين المقاومة والإرهاب وكون حزب الله يمثل مكوناً أساسياً في لبنان وشريحة واسعة من اللبنانيين ولديه كتلة نيابية ووزارية وازنة في المؤسسات الدستورية اللبنانية».
وإذا كان «إعلان عمان» أبدى تشدداً- كما في القمة السابقة- حيال «رفض كل التدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية وإدانة المحاولات الرامية إلى زعزعة الأمن وبث النعرات الطائفية والمذهبية أو تأجيج الصراعات» في إشارة إلى إيران، لكنه لم يسمها بالإسم، وهو ما فسره متابعون للقمة باعتماد «استراتيجية تهدوية» لضمان خروج البيان بالإجماع من جهة، ولملاقاة مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي التي تضمنها خطاب أمير الكويت إلى الرئيس الإيراني، والذي دعا قرار المتعلق بـ«التدخلات الإيرانية في الدول العربية « طهران إلى التعامل الإيجابي مع هذه المبادرة تعزيزًا للأمن والاستقرار في المنطقة، رغم أن القرار نفسه أعاد تكليف الأمين العام بمواصلة التنسيق مع وزراء خارجية اللجنة العربية الرباعية التي ترأسها الإمارات العربية المتحدة وتضم البحرين والسعودية ومصر والأمين العام للاستمرار في تطوير خطة تحرك عربية من أجل التصدي للتدخلات الإيرانية في المنطقة العربية، وحشد التأييد والدعم الدوليين للموقف العربي الرافض لهذه التدخلات .
في واقع الحال، بدت المواقف من إيران وأذرعها العسكرية لم تتغير، وإن فضّل بعض المراقبين اعطاء القمة طابع التهدئة إلى حد وصْفها بـ «قمة التهدئة». غير أن السؤال الذي بدأ التفتيش عن إجابات له مع مغادرة القادة العرب للاردن يذهب في اتجاه ما إذا كان « أجواء التهدئة « هي مقدمة لبداية تسوية سعودية-إيرانية في المنطقة تلوح في الأفق أم أنها لا تعدو كونها تهدئة لفظية تأتي في ظل معطيات عن عاصفة قادمة على المنطقة.
القراءة التي تغلب على كلا ضفتي المواجهة تؤشر إلى أن هناك متغيرات كبرى في المنطقة. الاستعدادت من أجل تجميع أكبر قدر من الأوراق لاستخدامها في المواجهة أو على طاولة المفاوضات جارية بقوة على مقلب إيران وأذرعها العسكرية وفي مقدمها «حزب الله». والاستعدادات على مقلب السعودية وحلفائها جارية بقوة هي الأخرى، بالتوازي بين الذهاب في إتجاه ترسيخ أن الحلول في الساحات المشتعلة من سوريا إلى اليمن لا يمكن إلا أن تكون في النهاية سياسية، وتعزيز الجبهة العربية الداخلية والذهاب في إتجاه الاستعدادات العسكرية عبر تعزيز التحالفات ولاسيما أن العنوان الذي لن يغيب عن المرحلة المقبلة هو عنوان مكافحة الإرهاب.

الأنظار تتجه إلى ما تخفيه لغة التهدئة اللفظية وسمة الإرهاب لم تغب عن «حزب الله»

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية