الأهوار العراقية: جنة الله التي جففت

حجم الخط
8

بغداد ـ «القدس العربي»: عمَّت الفرحة جموع العراقيين المحتفلين فور الإعلان عن تصويت منظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة على إدراج الأهوار والمناطق الأثرية العراقية على لائحة التراث العالمي، وتمت الموافقة على ضم ثلاث مدن قديمة وأربعة من الأهوار العراقية إلى سجل لائحة التراث العالمي بعدما حظي الطلب الذي تقدم به العراق بدعم دول (الكويت ولبنان وإيران وفرنسا وكازاخستان وفنلندا واندونيسيا والبرتغال وتونس وتنزانيا وفيتنام واليابان والبيرو).
وفي بيان بثته السفارة العراقية في أنقرة، قالت إن «هذا الإنجاز يعد إضافة مهمة لقائمة التراث العراقي ونجاحاً كبيرا».
وحسب عضو الوفد العراقي المشارك في اجتماعات اليونيسكو جاسم الفلاحي فإن الأهوار التي شُملت بالتصويت هي (الأهوار الوسطى والحمّار الشرقي والغربي وهور الحويزة) في حين تم التصويت على ضم ثلاث مدن أثرية إلى لائحة التراث العالمي هي (أور والوركاء وأريدو).
من جانبه قال رئيس الوفد العراقي، مستشار رئيس الجمهورية، قحطان الجبوري إن التطورات السياسية والأمنية التي حدثت في تركيا الجمعة حالت دون استكمال جلسات المؤتمر وتأجيلها إلى إشعار آخر وان اليونيسكو هي من أبلغت الوفود المشاركة بالتأجيل. مضيفاً أنه لا توجد دولة رفضت المشروع العراقي عدا تركيا، معللة أسباب ذلك إلى تأثير توزيع الحصص المائية عليها، أما بقية الدول فلم تبد أي معارضة حول الانضمام.
وتعد مناطق الأهوار أكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط وغربي آسيا. وتبلغ مساحة هذا المستنقع المائي الشاسع نحو 16 ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة دولة لبنان. وتمتد الأهوار بين ثلاث محافظات جنوبية هي ميسان، وذي قار، والبصرة. وهي جزء لا يتجزأ من طرق عبور الطيور المهاجرة ما بين القارات، ودعم أنواع الحيوانات المهددة بالانقراض، واستمرارية مناطق صيد أسماك المياه العذبة، وكذلك النظام البيئي البحري في الخليج العربي. وإضافة إلى أهميتها البيئية، تعتبر مناطق الأهوار تراثاً إنسانياً لا نظير له، وقد كانت موطناً للسكان الأصليين منذ آلاف السنين. وقدّر الباحث غافن يونغ عُمْرَ هذا المجتمع بخمسة آلاف سنة. وكانت منطقة الأهوار حاضنة للكثير من المعارضين للأنظمة السياسية على امتداد تاريخ البلاد، وذلك لوجود متاهات عديدة تخفي مئات الأفراد، ومنها انطلقت العديد من الثورات.

نشأة الأهوار

في بحث نشره الكاتب برهان شاكر قال إن لدينا شواهد علمية أكيدة حصلنا عليها من تحرياتنا الأثرية عندما كان الهور موجوداً بعافيته وبعد تجفيفه من قبل النظام البائد، بأن اجزاء كبيرة من أهوار محافظتي الناصرية وميسان كانت أرضاً يابسة تستغل في الزراعة، وكانت هناك بعض المستنقعات الدائمية المحصورة وخاصة في محافظة ميسان. والدليل على ذلك هو انتشار المواقع الأثرية فيها. ففي هور الحمار الذي تقدر مساحته بمليون وثمانية وأربعين ألف دونم تمكن الباحثون من تثبيت 122 موقعا أثريا بين صغير وكبير وتاريخ بعض المواقع يعود إلى عصر فجر السلالات السومرية، أي بحدود 2800- 2350 ق. م.  وتتوزع هذه المواقع على المناطق التالية: الجبايش، والإصلاح، والعكيكة، والسديناوية، وكرمة بني سعيد، وهذه المواقع إما كانت مغمورة بالهور وإما يحيط بها الماء وذلك حسب ارتفاعها.
وفي محافظة ميسان فهناك 48 موقعاً أثرياً مكشوفاً يعود تاريخ أغلبها إلى العصور الفرثية والساسانية وبعضها أقدم تعود إلى الألف الأول ق. م، وتنتشر هذه المواقع في هور الحويزة، والوادية، والصحين، وبريدة.. إلخ، وهي كأخواتها في أهوار الناصرية إما كانت مغمورة في الهور وإما محاطة بمائه. وهناك تجمعات سكانية حديثة أقيمت في الهور على التلال الأثرية، إذ ترى قطع الفخار وكسر الآجر القديمة منتشرة عليها، كما لاحظت ذلك شخصياً في منطقة الجبايش في العام 1970. ويذكر العاملون في حقل النفط في الأهوار أن مكائنهم كانت في أثناء عملها تستخرج كسر الفخار من أعماق مختلفة، ومن الطريف أن نذكر ورود معلومات في نص سومري يؤكد قيام السومريين بشق الجداول وكذلك استصلاح بعض الأراضي من الملوحة التي ظهرت بوادرها بحدود العام 2400 ق. م واستمرت زمناً طويلاً بعد ذلك كما هو معروف في وسط العراق وجنوبه. كل ذلك يؤكد أن مناطق الأهوار كانت أرضاً يابسة عاش عليها العراقيون وزاولوا نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وبنوا حضارتهم العتيدة كما في باقي أجزاء العراق، وفي نحو العام 629م طغى الرافدان وروافدهما طغياناً هائلاً لم يسبق له مثيل وخربت مشاريع السدود ومشاريع الري الرئيسية التي أهملت لضعف الدولة الساسانية في أواخر أيام حكمها في النهروان وسد العظيم القديم وكذلك سد ديالى القديم ومناطق أخرى. وغيَّر الرافدان مجريهما في مناطق عديدة في الوسط والجنوب فانقلبت مناطق أقصى الجنوب إلى أهوار واسعة تمتد كالبحر وصارت تعرف هذه الأهوار حينها بـ«البطائح» وقد وصفها المؤرخون والبلدانيون العرب وصفاً مسهباً وأدخلوها على خرائطهم.

«المعدان»عرب الأهوار

لم يعرف أقوام سكنت مناطق الأهوار بعد امتلائها بالمياه غير عرب الأهوار أو تسميتهم العراقية «المعدان» ومفردها «معيدي» ويسمون باللغة الإنكليزية «Marsh Arabs» وهم مجموعة سكانية عراقية موطنها الأصلي منطقة أهوار جنوب العراق.
انتقل المعدان في السنوات الأخيرة وبفعل عدة عوامل من بينها عملية تجفيف الأهوار بعد العام 1991 إلى مدن مجاورة وإلى خارج العراق، ويتميز المعدان بتربيتهم جواميس واعتمادهم على صيد الأسماك كمصادر للرزق. كما يتميزون ببناء صرائف من القصب ذات طراز معين تسمى المضيف إضافة إلى قوارب مصنوعة من القصب تساعدهم في صيد السمك تسمى المشحوف، وعلى الرغم من أن الميزتين الأخيرتين يشترك فيها المعدان مع فئات أخرى من سكان جنوب العراق.
والمعدان في حركة دائمة، فهم كثيرو التنقل طلباً لمتطلبات حياتهم ومتطلبات حيواناتهم، وفي حقيقة الأمر فإنهم أشباه بدو في بيئة أهوارية، يتنقلون بحيواناتهم في أعماق الأهوار أو إلى حافاتها حسب الفصول والظروف الطبيعية، ولا يتعلق سكنهم ببقعة جغرافية معينة ويكون تنقلهم على شكل مجاميع، تربطهم علاقة العشيرة الواحدة ويقتصر بناء مساكنهم على الصرائف «جمع صريفة» والأكواخ الصغيرة وهي أبسط أنواع المساكن وأكثرها شيوعاً في مناطق الأهوار قاطبة. وتشيد الصرائف من حزم من القصب يتناسب طولها وقصرها مع ارتفاعها وتنشأ على شكل أقواس متتالية تربط من الأعلى، غير أن هناك اختلافاً بسيطاً بين بناء الصرائف والأكواخ الصغيرة، وهذه الصرائف أو الأكواخ مقسمة إلى قسمين، القسم الأول خاص للاستقبال، أما القسم الثاني فهو مخصص لأفراد العائلة، ويفصل ما بين القسمين بأن يضع صاحب الكوخ ما لديه من حاجيات في وسطه، بحيث تفصل القسمين عن بعضهما، ويسمى القسم الخلفي «العمرة» أو «الربعة» ويقيم صاحب الجاموس دائماً أمام كوخه حاجزين من القصب متقابلين وبشكل مائل إلى الداخل وملتصقين بالكوخ ويكونان بمثابة «حظيرة» للحيوانات وتسمى هذه الحظيرة باسم «ستارة» لوقاية الحيوانات من برد الشتاء ورياحه، وتكون أمام الدار فسحة صغيرة تسمى «مشول». حسب ما يصف الكاتب حيدر شامان الصافي، الذي يؤكد أن بناء سكن العائلة الواحدة وحظيرة حيواناتهم من هذا النوع لا يستغرق أكثر من يوم واحد.
من جانبها تشير الدكتورة ناهدة التميمي إلى أن المعدان سكان سومر وأكد وأور وبابل.. وهم القوم نفسهم الذين ما زالوا إلى يومنا هذا يتميزون بصفات جسمانية خاصة مثل امتشاق القامة وسعة العينين والسمرة. كما أنهم القوم ذاتهم لأنهم إلى يومنا هذا يستعملون الكلمات التي كان السومريون القدامى يستخدمونها نفسها، مثل «اكو« و«ماكو« وتعني العدم والوجود وكلمة «جا» وتعني «إذن» وكلمة «الدربونة» وتعني «الزقاق» وكلمة «الشلب» وتعني «الرز» وكلمات أخرى كثيرة ما زالوا يستخدمونها منذ زمن السومريين إلى يومنا هذا. علماً أنها لغة أصلية ليست مأخوذة من لغة أخرى. مضيفةً أن سكان الأهوار ما زالوا يحتفظون بالتقاليد والعادات ذاتها ويبنون مضايفهم من القصب بطريقة فنية ساحرة حتى أطلق على منطقتهم «فينيسيا الشرق» أي أنها تضاهي مدينة البندقية الإيطالية التي تعوم على الماء جمالاً وسحراً، بل تتفوق عليها لأن طبيعتها ما زالت بكراً لم تدنسها المدنية أو تشوشها الازدحامات والتلوث.

تجفيف الأهوار

على الرغم من أهمية الأهوار بيئياً، غير أن نظام صدام حسين لم يتردد في تدمير مصادر الثروة المائية للأهوار، إذ قام مبكراً (منذ العام 1985) بخطوات لتجفيفها، كمقدمة لمشروع أكبر، أدى إلى تدمير هذا المستنقع المائي الشاسع. فقد كشف الدكتور جيمس يراز نكتون، الأستاذ في قسم الجغرافيا في جامعة كامبريدج البريطانية، عن قيام السلطات العراقية بأعمال هندسية جديدة لتجفيف ما تبقى من مياه أهوار الحويزة المتاخمة للحدود العراقية ـ الإيرانية في العام 1985. وبعدما انطلقت شرارة انتفاضة الشعب العراقي في العام 1991، التي زعزعت نظام صدام حسين آنذاك، وبعد قمع الانتفاضة في جميع المحافظات، بقيت الأهوار منتفضة بسبب صعوبة وصول القوات العسكرية للنظام إليها، وكلّف صدام حسين صهره حسين كامل وعزت الدوري بالإشراف على الهجوم على الأهوار والقضاء على المنتفضين. وأشرف الدوري مع ضابطين كبيرين لتنفيذ هذه العملية، هما إياد فتيح الراوي وعبد الواحد شنان آل رباط. وكانت مهمة فتيح الراوي تصفية مدينة العمارة، ومهمة آل رباط استعادة مناطق الأهوار، وهذا الأسلوب اتخذ أيضاً في مدينتي البصرة والناصرية، ولكن تحت إمرة ضباط آخرين.
أما في مدينة العمارة، فتوجد أهوار متصلة في إيران من جهة، وفي مدينة الناصرية من جهة أخرى، مما جعل الحكومة تركز عليها قبل البدء بالهجوم. وأعلنت مكبرات الصوت الحكومية من خلال طائرات مروحية أن مدينة العمارة ستضرب بالغازات الكيميائية، مما أدى إلى هروب الكثيرين من المنتفضين إلى مناطق الأهوار، وقدروا في حينها بنحو مئة ألف شاب. وفي منطقة الأهوار، خاض جيش النظام معركة كبيرة مع المنتفضين، خصوصاً تلك المعركة التي جرت في قرية الشطانية والتي استخدم فيها الجيش نحو 150 كيلوغراماً من قذائف النابالم المحرّمة دولياً، وأصيب فيها قائد الحملة آل رباط بنيران المنتفضين، واستخدمت الطائرات المروحية في جمع مئات الشبان، هم وزوارقهم، من خلال شباك المروحيات. وقد أسفرت الاعتقالات وعمليات القتل العشوائي إلى اختفاء أكثر من 50 ألف مواطن من أبناء المنطقة، بعضهم اقتيد إلى السجون، والبعض الآخر هرب إلى إيران.
إلا أن الحكومة العراقية التي تلت سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 فتحت المياه من جديد على الأهوار، فعادت لحياتها، وعاد أهلها لها، إلا أن وضعها لم يعد كالسابق بسبب سنوات الجفاف الطويلة.

أحلام جديدة

كتب الكثير من الباحثين والمثقفين والمتخصصين في البيئات المائية عن عودة الأهوار، وكانوا يحلمون بحمايتها دولياً لكي لا تضيع هذه البيئة، التي أثر تجفيفها على جو العراق والمناطق المجاورة، مرة أخرى.
وبعد إعلان اليونيسكو عن إدراج الأهوار ضمن التراث العالمي، طالب الدكتور عباس كاظم الحكومة العراقية والمجتمع الدولي بنقاط مهمة، منها: يجب سنّ جميع القوانين اللازمة للحفاظ على هذه البقعة التاريخية المهمة بيئياً وجمالياً ومنع استمرار التخريب الذي طالها من تجاوزات وصيد جائر وتلويث وما إلى ذلك. ورصد مبالغَ مالية لتطويرها وترميم ما تضررَ منها وفتح الاستثمار الوطني والعالمي بشروط صارمة من أجل تحويلها إلى قبلة سياحية في المستقبل القريب وتعريف العالم بها. واستخدام هذا التصنيف لحماية الأهوار من الجفافِ ولو أدى ذلك إلى تقديم الشكاوى للمحاكم والمؤسسات العالمية للضغط على دول الجوار التي تجورُ على حصص العراق المائية (في هذا الملف تتساوى إيران وتركيا في سياساتهما في مسألة الماء).
في حين لم يتفاءل الكاتب علي عبد النبي الزيدي بهذا القرار رغم سعادته الكبيرة به «أشعر بالخوف جداً من ضم الأهوار للائحة التراث العالمي، لا أثق بأحد أبداً، تذكروا كلماتي جيداً، صُرفت على أهوارنا مبالغ طائلة تجعل من أرضها جنة حقيقية ومن أهلها أغنى الأغنياء، للأسف.. اذهبوا للأهوار الآن ستشاهدون مشاريع وهمية وكاذبة وتجدون أن أهلها لا يملكون ثمن الثياب التي يرتدونها، عوز وفقر وخوف من المستقبل، أرجوكم يا أحبائي أن تخافوا مثلي ولا تثقوا بأحد، ربما ستكون السرقات هذه المرة تحت غطاء دولي رسمي».

الأهوار العراقية: جنة الله التي جففت

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية