«الأيّام الشعرية في قرطاج» تتعدّى على اسم أولاد أحمد

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»- عبدالدائم السلامي: علمت «القدس العربي» من السيدة زهور، زوجة الشاعر الراحل أولاد أحمد، أنّها بصدد رفع شكوى قانونية على إدارة أيام قرطاج الشعريّة بسبب استثمار مديرتها، جميلة الماجري، لاسم أولاد أحمد ولأشعاره في مناشط الدورة التأسيسيّة لأيّام قرطاج الشعريّة، التي تمتدّ على الفترة المتراوحة بين 21 و30 مارس/ آذار 2018، وذلك دون واجب الحصول على موافقة عائلته.
وأضافت زهور أولاد أحمد قولها إنّ الشاعرة جميلة الماجري لم تزر أولاد أحمد في محنته الصحيّة الأخيرة. وهو ما جعلها ترى في تصرّف إدارة هذه الأيام الشعرية تعدّيا على اسم الشاعر الراحل، واستثمارا له دون موجب قانوني في فعاليات ثقافيّة لم تُدعَ لها عائلتُه. كما قالت إنّ الماجري كانت على رأس اتحاد الكتاب التونسيّين زمن بن علي، ولم تدافع عن الكُتاب بل كانت تستجيب لشروط النظام آنذاك وتدافع عنه. يُضاف إلى هذا أنّه لمّا طلب منها النظام منعَ أولاد احمد من حضور الأنشطة الثقافية التي كانت تتمّ باسم اتحاد الكتاب، لم تنتصر للإبداع، وإنّما أبلغت أولاد أحمد بأنها قررت إيقاف التعامل معه بأمر من السلط العليا. ومعلوم لدى الجميع أنّ الشاعر أولاد أحمد عاش معارِضًا لأنظمة الحكم في تونس، ومعارِضًا للسياسات الثقافيّة التي اتبعتها الحكومات، ومعارِضًا لكلّ «الكتّاب الرسميّين» (كُتّاب الدولة)، وعانى جرّاء ذلك سنوات من البطالة بعد طرده من العمل. ولا أنسى، إنْ نسيتُ، قولَ أولاد أحمد لي، قبل يوميْن من وفاته، وبسخريّة سوداء مُرّة جدّا، بأنّه يُحبّ بلدتَه الصغيرةَ، ويُحبّ أهلَه في سيدي بوزيد منبعِ شرارة الثورة التونسيّة، ولكنّه لا يرغب في أن يُدفنَ في قريتِه، لأنّ «المُعْتَمَدَ» (وهو الحاكم السياسيّ للقرية) سيستثمر جنازَته استثمارا سياسيًّا يصير بفضله واليًا (حاكم محافظة).
دولة الكَتَبَة
في هذا السياق ما يدعو إلى القول إنّ المُتخيَّلَ السياسيّ العربي محكومٌ، منذُ أزمنته الأولى، بكراهية الإبداع والمبدعين، بل هو لا يرى في المبدِع، متى خرج عن سلطتِه، إلاّ كائنًا يستأهل النَّبْذَ و»التأديبَ»، حدث هذا مع طرفة بن العبد، وغيره كثيرٌ مِمَّن عاشوا تلك مثلَ تلك المِحْنَةِ. ولأنّ شوكةَ المبدِع، تلك التي في ألفاظه، تجرح ولا تنكسرُ، عمدَت السياسة إلى صناعةِ نفرٍ من الكَتَبةِ ليكونوا عصاها التي تضرب بها المبدعين المارقين عن سلطانها (والحقّ أن الكاتب لا يكون مبدِعًا إلا بالانتهاك والمروقِ). حيث لم يخلُ لنا عصرٌ عربيٌّ من كتبةٍ فشلوا في التخييل وبرعوا في التنكيل بالمبدعِ حتى بعد موته: إذْ عملوا مخبرين عن الكُتّاب لفائدة الحاكم، فكانوا عيون السلطان وعصاه، واستثمروا ذلك ليصنعوا لهم أسماء كبيرة (تُخفي وعيًا للدنيا قميئا) يعيشون بها كأنّما هم سلاطين الكتابة. غير أنّ الواحد منهم ـ متى مات- يموت كلَّه، يموت جميعًا: جسده واسمه ونصوصه وعلاقاته وتاريخه الأرضيّ، ولا يبقى في الذاكرة الجماعيّة إلا اسمُ طرفة بن العبد وأولاد أحمد وأسماءُ باقي أضرابهما من المبدعين المارقين عن المألوف الأدبي والسياسيّ.
تُجّار الوطنيّة
اكتظّت الساحة الثقافية التونسيّة، منذ الاستقلال وإلى حدّ الآن، ولا تزال تكتظّ بكَتَبَةٍ كثيرين: فبعد الاستقلال مباشرة، عملت السلطة السياسية على تغييب «جماعة تحت السّور»، وهم خيرة كُتّاب تونس وقتئذ (ولولا عزالدّين المدني وتوفيق بكّار لما عرفهم الشعب التونسيّ)، غيّبتهم لتصنع لها كَتَبَتَها وَفْقَ معاييرها الخاصّة التي تتلخّص جميعها في جملةِ «الكاتب في خدمة الدولة»: فظهرت أسماء عديدة تتكئُ على «الوطنيّة» لتُغلِّقَ الأبوابَ أمام المبدعين الحقيقيّين، فكتبوا فيها نصوصا باردة فنيًّا نالوا بفضلها الشهرة والامتيازات، وحكموا بها رقاب المشهد الثقافي ومن ثَمَّ حكموا على مبدعين حقيقيّين بالتغييب والجنون والنسيان (كلّنا يذكر سبب جنون الشاعر منوّر صمادح)، ثم جاء بعدهم جيل الثمانينيات. وكان كتبةُ الدولة إذا رضوا عن تابع لهم سمّوه مبدِعًا ومتى غضبوا من آخر كان مصيره الإقامة في العراء الثقافي (نذكر هنا مصير الشاعر رضا الجلاّلي الذي توفّي في الشارع)، ولعلّ الشاعر الراحل أولاد أحمد واحد مِمَّن أَفسد عليه أصحاب «الإبداع الوطنيّ» (و»تقديس الأدب التونسيّ» و»مجاملة الأدباء الوطنيين») حياتَه، وهم يواصلون الآن إفسادَ هناءته بمماته.

«الأيّام الشعرية في قرطاج» تتعدّى على اسم أولاد أحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية