الإئتلاف الحكومي المقبل في تونس: فرضيات بالجملة والحسم بعد الإنتخابات الرئاسية

حجم الخط
0

تونس – «القدس العربي»: الطيف السياسي في تونس يميل الى أنه لا رابح ولا خاسر في الإنتخابات التشريعية التونسية الأخيرة، وأن المنتصر الوحيد هو الشعب التونسي الذي أثبت لنفسه وللعالم أنه قادر على المرور ببلده إلى بر الأمان دون الحاجة إلى وسطاء خارجيين. فالأزمات التونسية تم حلها داخليا من خلال مجتمع مدني قوي ومتماسك فيه منظمات عريقة وعتيدة على غرار «الإتحاد العام التونسي للشغل» و»الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» وغيرها من المنظمات الوطنية التي رعت الحوار الوطني بين الأحزاب السياسية.
لقد أفرزت الإنتخابات الأخيرة قطبين سياسيين كبيرين في تونس، هما «حركة نداء تونس» التي يتزعمها رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي و»حركة النهضة الإسلامية» التي هي جزء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. كما أفرزت هذه الإنتخابات اندثارا لأحزاب سياسية كانت مؤثرة وإلى وقت غير بعيد في المشهد السياسي على غرار حليفي حركة النهضة في الترويكا، حزب «المؤتمر» و»التكتل» (حزبا رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني التأسيسي) مقابل صعود أحزاب جديدة على غرار حزبي «الإتحاد الوطني الحر» و»آفاق تونس» الحائزين على المرتبتين الثالثة والخامسة وهما حزبان ينتميان إلى يمين الوسط وتوجهاتهما ليبرالية إجتماعية.

اتهامات

وتطال الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد حركة «نداء تونس» من قبل خصومه وبعض الجهات في الخارج تهم بالجملة لعل أهمها تلك المتعلقة بإعادة إنتاج المنظومة القديمة. كما تتهم الحركة بأنها إحدى تمظهرات الثورة المضادة التي أجهضت المسار الثوري الذي انتهجته تونس منذ يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010.
والحقيقة أن المتأمل في تركيبة الهيئة التسييرية لحركة «نداء تونس» التي هي بمثابة المكتب السياسي لا يجد قيادات من الصف الأول من نظام بن علي، ولا يتعدى الأمر وجود شخص أو شخصين ممن انتموا سابقا إلى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل ولم يكونوا من قيادات الصف الأول في هذا الحزب المنحل بمقتضى حكم قضائي. أما فيما يتعلق بالقواعد فإن حركة «نداء تونس» تضم منتمين سابقين لحزب «التجمع» المنحل مثل أغلب الأحزاب السياسية التونسية التي استفادت بعد الثورة من هؤلاء لإعتمادهم كرصيد انتخابي نظرا لخبرتهم في العمل السياسي.
فالتجربة السياسية العراقية التي اجتثت حزب البعث بعد الإطاحة بنظام صدام، والتي كانت أحد أسباب عدم استقرار العراق، ماثلة في الأذهان وتم ذكرها والإستشهاد بها في أكثر من منبر حين كانت الطبقة السياسية في البلاد ومنظمات المجتمع المدني بصدد دراسة مسألة إقصاء رموز النظام السابق. وتم الإتفاق على أن تكون العقوبة شخصية ومن القضاء لكل من ثبت تورطه في فساد أو استبداد مع نظام بن علي، كما أن هناك هيئة مكلفة بملف العدالة الإنتقالية ترأسها المناضلة الحقوقية سهام بن سدرين ستنظر في جميع الإنتهاكات والتجاوزات الحاصلة في تونس منذ ما قبل الإستقلال وليس فقط فترة حكم بن علي.

مشارب فكرية متعددة

تتشكل حركة «نداء تونس» من خليط إيديولوجي ففيها يساريون ونقابيون وليبراليون وقوميون ودساترة وإسلاميون، ويراها مؤسسها الباجي قائد السبسي مجتمعا سياسيا تونسيا مصغرا يضم كل الأطياف السياسية التونسية للمصالحة بينها. كما يراه مؤسسوه الجيل الخامس للحركتين الوطنية والإصلاحية التونسية يستمد مرجعيته الفكرية من أفكار مصلحي القرن التاسع عشر على غرار خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف ومحمد بيرم الخامس وغيرهم وكذا حركة الشباب التونسي التي تأسست في سنة 1904 لمقاومة الإستعمار الفرنسي والتي انبثق عنها الحزب الحر الدستوري (حزب الإستقلال) الذي أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920 وجدده الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة سنة 1934.
كما يعتبر نقابيو النداء، الذين يمثلهم في أعلى هرم الحزب الأمين العام الطيب البكوش، أنفسهم امتدادا للحركة النقابية التونسية ، ورائداها المرحومان محمد علي الحامي الذي أسس جامعة عموم العملة التونسيين سنة 1924 وفرحات حشاد مؤسس الإتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946. ويعتمد الباجي قائد السبسي على منظمة الشغيلة وسعى منذ البداية إلى استمالتها نظرا لوزنها الجماهيري وقدرتها على التأثير في مفاصل الدولة ولتاريخها في مقاومة الاستعمار وتصفيته.

اليسار والقوميون

كما أن اللافت في هذه الإنتخابات هو التقدم الذي أحرزته الأحزاب المنضوية في الجبهة الشعبية ذات التوجهات اليسارية والقومية مقارنة بالإنتخابات السابقة، حيث احتلت الجبهة الشعبية المرتبة الرابعة بخمسة عشر مقعدا مع إمكانية أن ينضم إلى كتلتها البرلمانية المستقبلية نائبان آخران أو ثلاثة من المستقلين من ذوي التوجهات اليسارية. وبالتالي فإن المتوقع هو أن تتحول الجبهة إلى القوة الثالثة في البلاد التي يسعى الطرفان (النهضة والنداء) إلى استمالتها. فلو اتفقت حركة «نداء تونس» مع حركة النهضة على تشكيل حكومة مشتركة فإنهما قادرتان على إدارة الشأن العام براحة بال ودون الخشية من انفراط عقد الإئتلاف الحكومي لأنهما يشكلان أغلبية مطلقة. أما إذا اختار «النداء» الحكم بدون حركة «النهضة» فإنه سيكون مجبرا على استمالة الجبهة الشعبية اليسارية وحزب آفاق تونس الليبرالي بما أن العلاقة بين النداء والإتحاد الوطني الحر لا تبدو جيدة بعد الهجمة الإعلامية الشرسة التي استهدفت رئيس الحزب رجل الأعمال سليم الرياحي والتي اتهم حركة «نداء تونس» بالوقوف وراءها.
لكن أي ائتلاف من هذا القبيل سيكون هشا وقد لا يصمد بما أنه بالكاد تحصل على النصاب الكافي لتشكيل الحكومة. وبالتالي فإن حركة «نداء تونس» وإذا ما رغبت في تشكيل حكومة صامدة وقوية وحائزة على أغلبية مريحة من دون حركة «النهضة» ستكون مطالبة باستمالة الجبهة وآفاق وأيضا الإتحاد الوطني الحر وهو ما يبدو صعبا في الوقت الراهن.

حكومة وحدة وطنية

وبالتالي فإن كثيرا من الخبراء والمحللين يرون في حكومة الوحدة الوطنية الحل الأمثل للخروج بالبلاد من أزمتيها الاقتصادية والإجتماعية وأيضا ليستتب فيها الأمن. لكن الكثير يحذرون من حكومة المحاصصة التي تتقاسم فيها الأحزاب الحقائب فيما بينها بمنطق الغنيمة وأخذ نصيب من الكعكة كل بحسب وزنه الانتخابي.
ويرى هؤلاء أن الحل الأمثل هو تشكيل حكومة من المستقلين لديها برنامج تتفق عليه جميع الأحزاب السياسية، وتلتزم هذه الحكومة بالسير على نهجه وتحظى بمباركة مجلس نواب الشعب. لكن البعض، ممن يعتبرون حكومة التكنوقراط التي تدير البلاد في الوقت الراهن حكومة لم تنجح في تحقيق أهدافها، يستبعدون هذه الفرضية ويصرون على عدم تكرارها.
وبحسب أغلب الخبراء والمحللين فإن مسألة الإئتلاف الحكومي لن تحسم إلا بعد إجراء الإنتخابات الرئاسية ومعرفة رئيس تونس المقبل فحينها فقط سيتمكن كل فريق من معرفة حجمه الإنتخابي الحقيقي نظرا للإرتباط الشديد بين الاستحقاقين الانتخابيين.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية