تميزت الفلسفة أم العلوم جميعا بإهتمامها البالغ بالإنسان كفرد وكمجموع وغاية في حد ذاته ، حيث غاصت في كل ما يميزه عن باقي المخلوقات، وظائفه العقلية النفسية حواسه لغته الخ….
ومن بين المسائل التي ناقشها الفلاسفة وعلماء النفس لمدى أهميتها ودورها المحرك في البيئات المهيئة نجد «الإبداع» .
بداية دعونا نتفق أن الإبداع كملكة ذاتية وكخلاصة عقل نير متفرد ،ليس خاصية تتمتاز بها شعوب دون غيرها ، بل تتقاسمها كل الفئات البشرية بأنواعها وأعراقها، وإنما الخلل يكمن في إكتشافها ومنه رعايتها وتشجيعها لتوظيفها في مكانها المناسب.
فشروط الإبداع تنقسم الى قسمين مهمين أحدهما يكمّل الآخر ،القسم الأول وهو الأهم يتعلق بذات المبدع ، المتمثلة في خصوبة المخيلة حدة الذكاء قوة الذاكرة الإرادة القوية ،الشجاعة في خوض غمار تجارب لم يقم بها غيره أو إحداث تغيرات جذرية على تجارب سابقة في شتى ميادين المعرفة ، أو كما يقسمها الباحثون إلى جانب عقلي وجانب إرادي وجانب إنفعالي .
والقسم الثاني إجتماعي، يتبادل فيه الفرد والمجتمع المصلحة العامة ، حيث يتكفل المجتمع بالمبدع ويقدم له يد العون لتسهيل مهامه والتفرغ لإنجازاته ، ويقدم الفرد المبدع من جهته حلولا أو إبداعات من شأنها ان تسهم في التطور و فتح آفاق معرفية لم يسبق لها مثيل.
وهو ماكان سائدا أيام عزّ العرب والمسلمين عموما ،حيث شهد العالم على إبداع قل نظيره في جميع المجالات العلمية والفكرية، وكانت اسماء مثل إبن الهيثم وإبن النفيس والخوارزمي وإبن خلدون وغيرهم الكثير تملأ الدنيا نورا وعلما ويقينا،بل حتى في الجانب العسكري اثبت المسلمون دهاء لم يعرف من قبل كواقعة نقل السفن عبر الصحراء التي قام بها محمد الفاتح في فتح القسطنطينية .
وهو المناخ المتوفر بقوة في الغرب الآن عكس ماآل إليه الوضع عندنا في العالم العربي حيث تتظافر الجهود ويتجند الكل من أجل إكتشاف الطاقات الإبداعية، لذلك يحتكر الغرب إذا ما أضفنا له اليابان جل الإبتكارات الطبية والهندسية والتكنولوجية وغيرها من شتى أنواع العلوم وما جائزة نوبل إلا شاهد على تصدرهم قائمة التميز ولإبداع .
ومنه نتساءل: لماذا غبنا أو غيبنا عن هذا المسار ؟لماذا لا يبدع العربي إلا إذا هاجرهناك؟ هل تتعمد دولنا إفراغ المجتمعات العربية من مبدعيها بقصد أو بغير قصد جراء سياساتها الرعناء؟ .
جل المجتمعات العربية تغيب فيها الرؤية والإرادة في التغيير لأجل الأحسن سواء بالنسبة للطبقات السياسية الحاكمة أو للأفراد كذلك ،و تجد أغلب الناس بإختلاف مستوياتهم التعليمية تستأنس بالمألوف وتركن للتقليد بشكل غريب مما أفقدهم مهارة التمييز والتنوع ، وبات الواحد منهم لا يرغب في تغيير واقعه على مرارته ،ولاعاداته السيئة ناهيك على أن يرغب في تغيير الرئيس وإن بقي دهرا حاكما له.؟
فالحاضنة الإجتماعية التي تقتنص بعين خبيرة المهارات النادرة وتشجعها وتهتم بها وترعاها إلى ان تقطف ثمارها ، عن طريق الفهم السليم لأبجديات التربية والتعليم وحسن التوجيه للطاقات الإبداعية عاجزة و تكاد تنعدم لدينا مع الأسف ، فكم من طاقات إبداعية أهدرت وقبرت وهي في المهد؟ لجهل محيطها بقيمتها .
نفتقر للإبداع الفكري فلا حلول في الأفق لمشاكلنا السياسية ولا إبداع في وضع أو كتابة نظريات تنطلق من فهم مميز ورؤية من زاوية مختلفة لحالتنا الخاصة المختلفة تاريخيا وثقافيا وسياسيا عن غيرنا، وكل ماهنالك غرق بعض من يحسب على الطبقة «المثقفة» في نسخ ولصق التجارب المختلفة والأفكار البالية القادمة من الشرق والشمال،بإصرار غريب لقلة إبداعهم في فهم واقعنا ، وإن وجدت إبداعات فكرية جابهتها آلة هدامة مضادة تتمثل في الإستبداد بأدوات متنوعة ، وإلا كيف نفسر غياب أفكار المبدعين الأوائل كمحمد الغزالي عليه رحمة الله ؟، ولماذا فكر مالك بن نبي أثمر في ماليزيا ولم يثمر في وطنه الجزائر ، «وإن كانت كتبه موجهة للعالم الإسلامي بعربه وعجمه».أليس هذا دليلا على أن عتمة حالكة السواد يراد لها البقاء لحاجة في نفس الحاكم لبؤس معرفي في المجتمع؟.
فهذا الأخير يتحمل قسما كبيرا من المسؤولية إذا لم يكن مهيأ فكريا ومعرفيا لتقبل الجديد و قد يكون الجدار الأول أو الحفرة التي يسقط فيها المبدع وهو يخطو أولى خطواته نحو التميز.
نحن في أمس الحاجة إلى نهضة فكرية تواجه الإستبداد هذا الذي عطل البلاد والعباد وإشترى الذمم والعمائم وتاجر في الجهل ، نحن بحاجة الى فئة فاعلة واعية تعرف وتعي مكامن الضروري تقدم الحلول والعلاج ولا تلهيها مسائل جانبية عن جوهر الأزمة التي نحياها في عالمنا العربي المعاصر، نحن بحاجة إلى عين ساهرة مبدعة تحيا لأجل النهوض بالأمة وتجعلها في صدارة الأمم لأنها أهل لذلك.
منى مقراني- الجزائر