الإحتفاء بتجارب الجسد في معرضين تشكيليين في القاهرة

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: سيظل الجسد هو الشاغل الأهم في الفن عموماً، وفي الفن التشكيلي بصفة خاصة، التكوين الذي تنعكس من خلاله التجارب الحياتية والأفكار والرؤى والخيالات، حتى المجرّد من الممكن أن يؤول من خلال الجسد. الأمر الأهم هو رصد الآخر من خلال هذا الجسد/الخاص، أفعال الآخر ووجوده أو حتى غيابه، ومدى تأثيره على تفاصيل الأجساد. يقام حالياً في دار الأوبرا المصرية معرض كل من الفنانين سمر حسين، المعنون بـ «بخصوصية شديدة» في قاعة اتجاه في قصر الفنون. والمعرض الآخر للفنان حنفي محمود، بعنوان «إيهام 2»، المقام في قاعة الباب، وهو امتداد لمعرضه السابق، الذي أقامه في غاليري مصر منذ فترة. كل من التجربتين على تباينهما يتصدر الجسد العمل، ويصبح أشبه بساحة لاستعراض الأفكار المطروحة، وإن كانت تكوينات سمر حسين وجرأتها تقابل محاولة كسر التقليدية في أعمال حنفي محمود. الآخر لدى كليهما حاضر بقوة، وقد يتداخل في أعمال الأخير، ويبدو منعكساً أكثر في أعمال صاحبة الأجساد الصاخبة.

الجسد وتحولاته

يبدو الإيهام هنا من خلال حالات من التواصل بين الشخوص، التي قد توحي بأنها تجربة لشخص واحد تتبدل مواقعه دوماً، لا يهم كونه رجلاً أو امرأة، هناك تجربة وهناك عدة ذوات تتخفى خلالها الذات الأصلية، كالوجوه التي يتم رسمها من خلال عدة طبقات لونية، وكل منها يصنع تعبيراً وحركة مختلفة، أو الأجساد التي تتقارب أو تتباعد حسب حالتها. يأتي ذلك من خلال تنفيذ تقني يتناسب وكل حالة، باستخدام ألوان الزيت على التوال، أو الخشب.
من ناحية أخرى نجد اللقطات التي يتخيرها محمود للجسد، ما بين لقطة عامة يتضح من خلالها الجسد بالكامل، حيث تبدو تفاصيله مخبأة إلى حدٍ كبير، الاهتمام هنا بالحالة وسط مجموعة من الأجساد، وأخرى في لقطات كبيرة لتفاصيل الوجه مثلاً في العديد من الإيماءات العاكسة لحال صاحبها. السِمة الأخرى للأعمال أن المادة لا تنفصم عن الحالة المراد الإيحاء بها، كتكوين السطح الخشبي للعمل، هناك تداخل وتضاغط للسطح، فلا يوجد إلا القليل من السطوح المستوية، فقط في لوحة توحي بأن صاحبها في تابوت، استواء السطح هنا أشبه بحالة موت، ستظل هذه الأجساد وأصحابها في حالة دائمة من التوتر والانفعال، رغم ثباتها الظاهر، الذي ينفيه دوماً تكوينها وألوانها التي توحي بقِدم التجربة وعمقها إن جاز التعبير. حالة الإيهام أيضاً تتحقق من خلال الحركة التي أجاد الفنان التعبير عنها من خلال السطوح المتداخلة، والشخصيات التي تتوارى وكأنها تظهر وتختفي بدورها، وهو أمر فيه شيء من الصعوبة في اللوحة التشكيلية.

الجسد والآخر

تتخير الفنانة سمر حسين عدة عناوين للوحاتها، وفي شيء من الترتيب ليصبح الأمر أقرب إلى حالة سردية للعمل ككل، عناوين مثل.. «جانب، عن قصد، موقف، انغماس، ويقين». حالة من التحولات تعبّر عنها من خلال الجسد، ورغم التكوينات البسيطة، التي تصل إلى حد الخطوط فقط لخلق علاقة كجزء من كُل، السيقان مثلاً. والحفاظ على الأدوات التقنية نفسها في اللوحات الأكريلك على القماش، إلا أن الحالة السردية التي اختارتها تتنوع في فضاءات هذه الحالات المتباينة. بداية يبدو الجسد متكاملاً وفي وضعية توحي بهذه الحالات، وإن يظل بمفرده في معظم اللوحات مع تغير الحالة من موقف إلى يقين مثلاً، وهذا ما يدعو لحضور الأنثوي والذكوري، أو نفي الأخير وثقله في الوقت نفسه. سواء من خلال الألوان الصاخبة، أو الإيحاء بحالة من التحرر في النهاية، خاصة ومسيرة اللوحات وفق منطقها السردي نجدها مرّت بالعديد من التجارب المُجهِدة، التي جاءت تحت عناوين .. عن قصد، أو جانب، وصولاً إلى يقين مثلاً. هنا يحاول الجسد الاكتفاء بذاته ــ كما يبدو ــ وأن ينفي الآخر قد الإمكان، لكن التأكيد على النفي يجمل إثباته في داخله، فهو موجود ويبدو كظل خفي في الأعمال كلها. حالة التجسيد أيضاً تبدو في عدة لوحات لا تتخذ من الجسد البشري موضوعاً لها، لكنه استكشاف هذه العلاقات على مستوى الجمادات، كالعلاقة بين مقعدين خشبيين على سبيل المثال. رؤية كاملة هي التي تبدو من خلالها هذه الأعمال. الجرأة في التكوين وفي تجسيد لحظات حميمة، هذه اللحظات التي تكون بين الجسد وصاحبته، يغيب الآخر أو يتم استحضاره ــ وهو الأقرب ــ ولكن يظل الجسد وحيداً رغم صخبه اللوني وحركته ووضعية تكويناته. هناك أيضاً اللعب على التفاصيل، ما بين لقطة عامة للجسد ككل، او تفصيلة منه فقط كالساق الوحيدة، أو حركة اليد التي تزيح الثوب قليلاً، والتي يبدو التركيز عليها أكثر من باقي تفاصيل جسد صاحبتها، الأمر هنا مرهون بالحالة، وبالفعل.

جماليات الرؤى في النص الشعري المعاصر

سناء الحافي
إن الحديث عن التطور في الشعر العربي المعاصر، يستوجب علينا الانتباه إلى الجوانب الشكلية التي تجاوز فيها الشعر الناحية الإيقاعية للقصيدة العربية، وصولا إلى تطويرالرؤية الشعرية – حسب متطلبات العصرنة- لدى الشاعر وتناوله للقضايا التي تحيط به وبمحيطه بأسلوب يتماشى مع العصر الأدبي الحديث.. وباعتبار أن التجديد الأساسي في القصيدة ليس في جوانبه الشكلية كما يعتبرها البعض فحسب، بل ضرورة توفرها على هذه الرؤية التي تخدم الحدث والزمان والمكان واللغة، وعلى الشاعر أن يعبر عن محيطه وأن يتجاوب مع أحداثه وفق قوانين محكمة، وهذا أمر لا يتحقق لكل من يكتب الشعر، ولكنه يتحقق فقط للشاعر الذي يمتلك حسا شعريا رفيعا وثقافة واسعة تؤهله لبلورة خطاب شعري جميل.
ولهذا السبب نجد أن الشعراء المقروئين في هذه المرحلة، هم الشعراء الذين يمتلكون رؤية شعرية ناضجة، رغم بعض الضعف الذي قد يعتري قصائدهم، فقد يظهر الشاعر وكأنه يتحدث عن قضية شخصية، ولكنه سرعان ما يتبين أن ما كان يعالجه في النص هو خاص بالآخرين، مستخدماً لغة سهلة واضحة، معتمداً على المنهج الحداثي حيث الفرضية والرؤية الشعرية.
إذ يرى العديد من النقاد أن الرؤية الشعرية هي الحد الفاصل بين الشعر الحداثي الجيد في نسقه الجمالي وغيره من الشعر، والدليل على ذلك، إذا ما أردنا أن نصف لوحة فنية أو مقطوعة موسيقية أو أي نتاج إبداعي فلن نجد أدق من كلمة – شعرية – لتكون الوصف القرين للجمال والروعة والإبداع.
وإذا كان الشعر في حدّ ذاته ملمحا جماليا.. فإن هذه الجمالية تكمن في العمق الحسّي والتصويري والفنّي ويمكن الاستدلال عليها عبر مجموعة ملامح بعينها تصف شيئاً ما، وإن اختلفت في نسبيتها، ولكنها موجودة وتظهر في النص الشعري بشكل مباشر مع منظومة التنوع والمرونة، التي قد تؤسس للنسق الجمالي وتفرزها الذائقة الإبداعية، فما بين جيد ورديء مساحة شاسعة تسمح بقدر كبير من التباين والتمييز..
فالجمالية قرينة الإبداع الحقيقي بعيداً عن أي متغيرات، حيث التداعي الدلالي والمغايرة والقدرة على الإدهاش، والتكثيف والعمق والتنوع الذي يحدث قدراً من الدهشة والتفاعل.. وعلى النص الشعري الناجح أن يتميّز أيضا بالاتساع الدلالي وأن يمنح المتلقي خيارات متعددة للتأويل، متبنياً منطقاً ما، حتى إن اختلف هذا المنطق عن المنطق الحياتي والبديهي، إذا ما اعتبرنا أن البعد عن المنطق بمفهومه التقليدي هو في حد ذاته منطق، حيث الإسراف في الذهنية الذي يخرج النص الشعري من حالة الغموض الرائعة إلى مدى متسع من التأويلات الفكرية والحسية الجميلة..
من دون أن ننسى أن لغة الكتابة الشعرية تسهم بشكل أوّلي في تشكيل جماليات النص الشعري النموذجي، فكلما استطاعت اللغة أن تحدث نوعاً من التشابك والثراء أصبح هذا إضافة جمالية للنص، فالمبدع الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل لغة النص تأسر المتلقي ليذوب معها، والمبدع هو الذي يستطيع أن يوظف مفرداته بشكل جيد ويتعامل مع اللغة ككائن ينمو ويتطور ليمنح التركيبات اللغوية زخماً دلالياً يفوق بكثير معناها المعجمي الضيق، ويضيف لنصه ملامح جمالية مهمة، إذا ما أضفنا إلى ذلك أنه من المهم أن يعي جيداً أن هناك من هو في شراكة معه ضمن العملية الإبداعية، سواء كان المتلقي في بؤرة اهتمام المبدع أو خارجها، لأن المبدع في الأساس هو متلق، بل هو المتلقي الأول لإبداعه، إذن، نحن أمام منظومة جمالية إذا ما أحسن استثمارها تنتج نصاً شعرياً ذا نسق جمالي غير الذي منحه إياه كونه شعراً.
ومن الشعراء الذين يقدّمون القصيدة الشعرية الحديثة بتجلّيات أدبية وجمالية وفنية في الساحة الشعرية العربية حاليا نذكر هذه الاسماء: العراقي يحيى السماوي، والفلسطيني جواد الهشيم، وهزبر محمود، و الأردني غازي الذيبة والمغربي أحمد حضراوي..
كاتبة مغربية

الإحتفاء بتجارب الجسد في معرضين تشكيليين في القاهرة
«إيهام 2» و«بخصوصية شديدة» في غاليري الأوبرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية