تعيش جماعة الإخوان المسلمين في الأردن مرحلة حاسمة من تاريخها، فبعد خمسة أعوام على الربيع العربي تجد الجماعة التي تعد من أقدم الجماعات السياسية والإجتماعية في البلاد نفسها مقسمة بين جماعتين تتنافس كل واحدة منهما على الإسم والشرعية. فهناك أصل وصورة، فالأصل يستند على تاريخ يمتد إلى ولادة الدولة الأردنية الحديثة وتراكم تاريخي من التعاون مع الدولة الهاشمية ووقوف مع الدولة في كل الأزمات التي مرت عليها سواء من مواجهة الملك الشاب حسين لليساريين الذين حاولوا الإنقلاب عليه في خمسينات القرن الماضي، إلى المواجهة مع القوى الفلسطينية (حرب إيلول، 1970) وحتى حرب الخليج الأولى 1990. ولعبت الحركة منذ تأسيسها في الأردن عام 1942 دور المعارضة الموالية للعرش الهاشمي وحصلت نتيجة لهذا على مزايا لم تحصل عليها جماعات سياسية أخرى، وشاركت في العملية السياسية كأفراد في عهد لم تسمح فيه الدولة بالأحزاب وكفصيل سياسي في المرحلة الديمقراطية الثانية. ومن هنا تعبر الأزمة الأخيرة والتصعيد الذي تقوم الحكومة به عن نهاية الحبل السري الذي ربط الجماعة بالمؤسسة الحاكمة ولعقود طويلة.
إنقسامات
وجاء إغلاق مقار الحركة في عمان ومدن أخرى في 13 نيسان/إبريل ليضع الحركة أمام استحقاقات جديدة بل وأدخلها في طريق مجهول. ولا يمكن فصل ما جرى للحركة عن المآلات التي أصابت حركات الإخوان الأخرى في الدول العربية وليس فقط في مصر التي نشأ فيها أول فرع للإخوان عام 1928. فهذه الحركة التي تسيدت مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011 وفازت في كل عملية انتخابية أصبحت اليوم موسومة بالإرهاب ومعظم كادرها القيادي يقبع في سجون الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قاد انقلابا ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي في تموز/يوليو 2013 وخرجت الحركة من التيار الرئيسي وأصبحت مطاردة وتعيش تصدعات داخلية خطيرة. وعليه فأزمة إخوان الأردن هي بالضرورة انعكاس لهزائم الربيع العربي، ومن المعروف أن الحكم في الأردن استطاع تجاوز أزمة الربيع العربي وأوقف ما عرف بالحراك الأردني الذي حاول الإخوان من خلاله التعبير عن مطالبهم من المؤسسة الحاكمة. ومع ذلك تظل أزمة إخوان الأردن متعددة الجوانب، إقليمية ومحلية ونابعة من الداخل. فقد عانت خلال السنوات الماضية من انقسامات حول برامج الإصلاح الداخلي، وتفجر الوضع بظهور مبادرة زمزم عام 2012 والتي تشكلت من قادة بارزين كانوا في جبهة العمل الإسلامي منهم رحيل غرايبة الذي قدم مبادرته على أنها محاولة لإنجاز خطاب إسلامي جديد يتجاوز خطاب الإخوان والترويج لخطاب أكثر شمولية وقربا من الرأي العام. وتظل مبادرة زمزم عرضا للخلافات الداخلية التي تعصف بالحركة منذ عام 2010 واتخذت طابعا جهويا بين تيار أردني في الحركة وآخر فلسطيني. ويحلوا للبعض تصويره بالصراع بين «حمائم» و «صقور» وقد استغلت الدولة الخلافات الداخلية لتعميق الفجوة بين الطرفين، ما أدى لاحقا لتقدم مراقب عام سابق للجماعة، عبد المجيد ذنيبات بطلب يعطيه الحق بوضع اليد على ممتلكات الجماعة «الأم» التي لم تجدد رخصتها بموجب قانون الجمعيات التعاونية والخيرية لعام 2014. وقبلت الحكومة الأردنية الجماعة الجديدة التي يمثلها الذنيبات والتي يقول إنها تؤكد على الهوية الأردنية وتعارض ارتباطات الجماعة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وفي نهاية نيسان/إبريل 2015 منعت الحكومة الجماعة القديمة من عقد احتفال بالذكرى السبعين لتأسيسها. وبعد أشهر بدأت مصلحة الأراضي والمساحة بنقل ملكية العقارات التي تقدر قيمتها بملايين الدولارات من الجماعة القديمة للجناح الجديد. وفي 29 آذار/مارس منعت الحكومة الحركة الإسلامية من عقد اجتماع داخلي وتنظيم انتخابات بدونها لا تستطيع الحركة انتخاب قيادات لها بطريقة قانونية. ولم يشفع للحركة أنها تعمل بطريقة شرعية منذ 70 عاما وسجلت نفسها مرتين في عام 1946 و 1953.
مصير الإسلام السياسي
هذا بعد، أما البعد الآخر فمتعلق بطريقة التعامل مع الإسلام السياسي بعد عودة الدولة العميقة في مصر وظهور تحالفات إقليمية بدأت تتعامل مع الإخوان كشر أشد من تنظيم الدولة الإسلامية. فقد هزم الإخوان في اليمن، وصنفوا كإرهابيين في الإمارات والسعودية وأجبرت حركة النهضة التونسية المتأثرة بفكر الإخوان التخلي عن السلطة. صحيح أن الأردن لم يتبن سياسة القمع والحظر التي تبنتها مصر والسعودية القائمة على الإقصاء والحظر، ولم يمل الملك عبدالله الثاني للنموذج المغربي القائم على دمج الإسلاميين في منظومة الحكم، بل اتبع مدخلا تدريجيا يقوم على التضييق وتقسيم الحركة الإسلامية وتبني تيارات أخرى مناهضة لفكر الإخوان ومحاولة نزع الشرعية الرسمية عنهم. ولكن النظام لم يتسامح مع نقد مسؤول في الحركة لدولة حليفة. فقد أعتقل نائب المراقب العام زكي بني إرشيد في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2014 بتهمة انتقاد دولة الإمارات وحكم عليه بالسجن لمدة 13 شهرا.
ولا بد من إلإشارة إلى عامل أسهم في تعميق الخلاف الداخلي للجماعة وأثر على برنامجها، وهو التراوح ما بين السياسي والإجتماعي/ الدعوي. فقد أنشأت الحركة بعد مرحلة الديمقراطية الثانية «جبهة العمل الإسلامي» لكنها في الوقت نفسه تمسكت بهويتها كحركة دعوية واجتماعية متجذرة في المجتمع الأردني من خلال مؤسساتها التعليمية والطبية والخيرية. ولم تجد الحركة تناقضا بين دورها الدعوي والسياسي، حيث عبرت عن مواقفها المعارضة للنظام والرافضة لمعاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية (وادي عربة) عام 1996 أو قوانين الانتخابات ومقاطعة العملية الانتخابية، وهي مواقف وإن أغضبت المؤسسة الحاكمة إلا أنها لم تقد لحملة قمع وملاحقة للجماعة أسوة بما جرى لفروعها بالدول الأخرى. ولا حاجة لنا للقول إن الملك عبدالله الثاني لا يكن ودا للإخوان أو الإسلام السياسي. فقد كان أول ضيف يحل على مصر بعد الإطاحة بمرسي عام 2013. وفي مقابلة مع جيفري غولدبيرغ من مجلة «ذا أتلانتك» (نيسان/إبريل 2013) وصف الإخوان بـ»الذئاب في ثوب حملان» يديرون «حركة ماسونية». وفي ظل الأزمات التي تواجه الأردن اليوم من تبعات الحرب الأهلية في سوريا والأزمة في العراق وتدفق اللاجئين من كلا البلدين إلى داخل الحدود الأردنية بالإضافة لمشاكل اقتصادية وبطالة بين الشباب، فان فتح جبهة ضد تيار إسلامي يحظى بشعبية يدعو للتساؤل. فالإخوان كما تحدث ديفيد شينكر بمقال له نشرته دورية «فورين أفيرز» الأمريكية (تشرين الأول/أكتوبر 2013) هم آخر ما يقلق الملك عبدالله الثاني في ضوء تراجع حظوظ الإخوان في مصر وما يواجه الأردن من التحديات التي ذكرناها وبعضها وجودي مثل تهديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
حملة سياسية
من وجهة نظر المتحدثين باسم الإخوان فالحملة الحالية ضدهم «سياسية». وفي مقالة نشرها موقع «فورين أفيرز» (3 أيار/مايو 2016) نقل فيه الصحافي المقيم في عمان آرون ميغيد عن معاذ الخوالدة، المتحدث باسم الإخوان قوله «إن إجراءات الحكومة الأخيرة غير عادلة وتعيد الأردن لعهد قوانين الطوارئ»، موضحا أن الحرية السياسية لم تعد كما كانت. وأضاف أن «هناك جناحا داخل النظام يسعى لسحق الإخوان في الأردن» ولكنه يرى أن الخطة ليست واقعية إن أخذنا بعين الإعتبار الدعم الشعبي الذي يتمتع به الإخوان في المملكة الهاشمية. ويرى الخوالدة أن الإجراءات القمعية الحالية هي «الثمن» الذي تعتقد الحكومة أن على الإخوان دفعه بسبب مشاركتهم في الحراك الشعبي عام 2011 ومطالبتهم بالإصلاح. وأوضح عبد اللطيف عربيات، رئيس البرلمان السابق، وهو أرفع منصب يتولاه مسؤول في حركة الإخوان المسلمين أن التيار المنشق عن الجماعة أو الإخوان الجدد «ضعيف جدا» وأن الحركة الأم أوسع وتحظى بدعم من المؤيدين لها. وفي السياق نفسه يعتقد مراد العضايلة أحد مسؤولي الجماعة أن الحكومة لعبت دورا في هندسة انشقاق المجموعة الجديدة وقال «هذا الإنقلاب دعمه النظام». وكان جيفري غولدبيرغ قد تحدث في مقابلته مع الملك عبدالله الثاني عام 2013 عن دور قامت به المخابرات الأردنية أحيانا بزرع الشقاق في صفوف الجماعات الإسلامية عبر شراء بعض قادتها. وتشير تقارير تم تداولها في عمان أن الحكومة لعبت دورا في هندسة الإنشقاق لإضعاف قاعدة التأثير السياسي التي تتمتع بها جماعة الإخوان المسلمين. وتتمسك الحكومة بموقفها أن الأمر لا يعدو كونه مسألة قانونية لا علاقة له بالسياسة كما تحدث المتحدث باسمها محمد المومني. إلا أن جيليان شويدلر من كلية هانتر بجامعة سيتي- نيويورك، ومؤلفة كتاب عن الأحزاب الإسلامية في الأردن واليمن تعتقد أن مطالبة الحكومة الجماعة بالتسجيل ما هي إلا «تمثيلية». وقالت إن تحرك الحكومة هو سياسي يهدف لاضعاف الجماعة التي تعارض سياساتها. فقد قاطع الإخوان المسلمون انتخابات عام 2010 و 2013 وهما قراران أغضبا المسؤولين البارزين في الحكومة. وحاول رئيس الوزراء في حينه، سمير الرفاعي إقناع الجماعة المشاركة وبدون نجاح لمنح الانتخابات شرعية.
وعليه فمحاولة التصعيد ضد جماعة تحظى بدعم شعبي يحمل الكثير من المحاذير. وتحظى جماعة الإخوان بشعبية واسعة تتراوح حسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية ما بين 25- 30٪ أي ما يوازي مليون شخص. ويذكر ميغيد بقوة الجماعة السياسية التي أظهرتها أولا في عام 1989 في الفترة السياسية المفتوحة حيث أصبحت أكبر كتلة في البرلمان. ومن ثم قامت الحكومة بتغيير قوانين الانتخابات بشكل أضعف المناطق التي يسيطر فيها الإسلاميون. ولهذا السبب قاطع الإخوان انتخابات عام 2010 و 2013. ويحذر ميغيد من مخاطر القمع ومداهمة مقرات الإخوان وإغلاقها والتي قد تدفع بعض العناصر لتبني تيار العنف، في وقت تواجه فيه الحكومة تهديد تنظيم الدولة. ومن هنا فليس من الحكمة تهميش جماعة ذات جذور قوية في المجتمع، في وقت تواجه فيه الحكومة الخطر الجهادي وتدفق حوالي 2.000 أردني إلى سوريا للإنضمام لصفوف تنظيم الدولة. ويرى أن قمع الإسلاميين سيؤثر على موقف الأردن الدولي، خاصة أن البلد يحبذ أن ينظر إليه في الغرب كبلد ديمقراطي. ويذكر الكاتب هنا أن المحللين الكبار للسياسات دعوا واشنطن لتخفيض مستويات علاقاتها مع مصر بسبب قمعها للإسلاميين وجماعات العمل المدني. ورغم أن الوضع في مصر أسوأ إلا أن زيادة في درجة القمع قد تدفع جماعات حقوقية في الغرب وواشنطن لإعادة تقييم سياستها تجاه الأردن.
وفي النهاية فالإخوان ليسوا المشكلة الأهم التي تواجه الملك عبدالله الثاني. لكن الكاتب يرى أن التصعيد يعكس موقفا آخر، فمع تراجع حظوظ الإسلاميين في العالم العربي فإن الحكومة تريد أن تؤكد أنها لا تزال تتعامل مع الإخوان المسلمين كتهديد جوهري ولهذا تقوم بتصعيد القمع ضدهم. ويرى جواس واغاميكر المحاضر في جامعة اوتريخت، أن الإخوان يتلقون ضربات في عموم الشرق الأوسط خاصة في مصر وربما اعتقدت المملكة الهاشمية أن هذه فرصة «تدفع فيها الإخوان للإذعان عبر أساليب بيروقراطية». وقال إن الأردن يقوم باستغلال الإنقسامات الجديدة بين الإسلاميين: بين الجناح الجديد والقديم. وذلك عبر دعم التيار الجديد القريب من الحكومة. كل هذا يعني أن الأوقات الجميلة بين الدولة والإخوان والتي بدأت مع المؤسس الملك عبدالله الأول ذهبت بدون رجعة.
إبراهيم درويش