القاهرة ـ «القدس العربي»: كلما مرت الأيام وتسارعت وتيرة الأزمة الاقتصادية ضاقت الأرض بما رحبت على النظام ورموزه، وباتوا ينظرون للأغلبية الفقيرة من الجماهير باعتبارها عبئا ينبغي الخلاص من تبعاته.
ولأن الناس على ضفاف المحروسة جربوا عبر زمن المخلوع المستبد مبارك وبعد رحيله الموت براً وبحراً وجواً فلم يعد لديهم ما يخافون عليه في المستقبل، خاصة حينما يستمعون للإعلاميين الذين يلوثون الهواء بنفاقهم للنظام كل مساء عبر فضائيات تزكم الأنوف بنفايات وأكاذيب عن غد مشرق أوشك أن يدق أبواب الفقراء. فيما تبدو مصر على قلب رجل واحد تبحث عما يقيم «الأود» بعد أن ارتفعت الأسعار وعز الخبز والسكر والأرز وكافة السلع الضرورية. وغاب الحديث عن الحريات بشكل مخيف ومزعج.. تلك الحريات التي كلفت أربعة من الكتاب والمذيعين خلال الأسبوع الماضي عملهم بعد أن تجرأوا وقالوا «لا» في زمن على الجميع أن يقول «نعم».
وفي الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 20 أكتوبر/تشرين الأول تواصل الحديث عن سائق «التوك توك» الذي انتقد النظام ببلاغة يفتقدها كثير من الإعلاميين الذين يتقاضى بعضهم مليون جنيه أجراً شهرياً. شريط فيديو لا تتجاوز مدته ثلاث دقائق للسائق الشاب لازال يقلب الدنيا من غير أن يقعدها، ويثير غضب وذعر النظام الذي يحرك «مرشديه» في الصحف والفضائيات كي يشنوا الهجوم تلو الآخر ضد السائق الذي قال كلمتين وغادر لحال سبيله، ثم ما لبث أن تعرض منزله للسرقة لكن النظام لازال لم يهدأ، بل اعتراه القلق بعد أن اندلعت أمس الأول مظاهرات عارمة في مدينة بورسعيد الساحلية ردد خلالها المتظاهرون هتافات تجاوزت سقف 25 يناير/كانون الثاني. في مثل هذا المناخ يظل السيسي نجم الأغلفة والصفحات الأول للجرائد التي يمطره كتابها بالثناء، فيما يواصل الكتاب المستقلون تحذيراتهم من لحظات فارقة باتت تقترب منها البلاد وإلى التفاصيل:
إنذار للعقلاء
«المظاهرات التي شهدتها بورسعيد أمس الأول إنذار جديد، ضمن سلسلة من الإنذارات الشعبية العفوية التي شهدتها مصر في الأسابيع الماضية، وهي كما يراها جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» رسائل إيجابية للغاية بالنسبة للقيادة السياسية التي تحسن استقبالها وفهمها والتعامل «السياسي» الجاد والمسؤول معها، أما من يتحصنون بالمكابرة والإلهام الذي يتصورونه في شخصياتهم ويتمترسون بآلة قمع أمنية أو غيرها، فهؤلاء هم الذين لا يستفيدون من تلك الرسائل التي هي مقدمات حقيقية للزلزال، وبالتالي يفاجأون بالأرض تميد من تحت أقدامهم في اللحظات الأخيرة، وساعتها لا تفيد مراجعة ولا تنفع إعادة قراءة للرسائل. في بورسعيد خرج الآلاف يهتفون ضد قيادات سياسية ومؤسسية، وهي هتافات خطيرة، وتستعيد ـ تقريبا الهتافات نفسها التي عرفها ميدان التحرير في ثورة يناير/كانون الثاني،غير أن الرسائل التي أتت من بورسعيد تحمل دلالات إضافية عما سبق من أحداث ورسائل، وهي رسائل تؤشر إلى خطر حقيقي من انفجار شعبي مقبل لا محالة ولن تنفع معه أي أدوات سيطرة. الانفجار المحدود الذي حدث في بورسعيد كان في «تفريعة» صغيرة من هموم المصريين الآن، وهي السكن، حيث كان الأهالي قد تعاقدوا مع المحافظة على شقق الإسكان الاجتماعي قبل سنوات بمقدمات عشرة آلاف جنيه، وبعد أن تم المشروع فوجئ الحاجزون ـ وكلهم من البسطاء والفقراء ـ أن الدولة تطالبهم بأربعة أضعاف هذا المقدم، حوالي سبعة وأربعين ألف جنيه، فانفجر الغضب في الشوارع على الصورة التي شاهدها العالم كله أمس، والتي اضطرت الدولة إلى التراجع السريع عن قرارها».
سيذهبون به للجحيم
الويل كل الويل لمن يهاجم النظام ولو بقليل الكلام كما حدث مع إعلاميين لوحقوا اخيرا كعمرو الليثي ورانيا بدوي، فضلا عن عامة الشعب أمثال سائق «التو توك» الذي لاحقته تهم الأخونة، وهو الأمر الذي يعتبره محمد علي إبراهيم في «المصري اليوم» دليلاً على أن النظام لا يطيق النقد: «لا يمكن أن تكون رانيا بدوي أو سائق التوك توك أو غيرهما هم الذين كشفوا عن بطحة «مفاجئة» للحكومة وجردوها من المحسنات البديعية واللغوية التي يلهج بها مادحوها ليل نهار.. إن ببغاوات النظام يسيئون إليه أكثر من رانيا بدوي وعمرو الليثي وسائق التوك توك. اكتشفت الكاتبة الشهيرة مثلا أن سائق التوك توك ينتمي لحزب الحرية والعدالة المنحل، ما يعني أنه تنظيمي أو إرهابي أو قابض من التنظيم الدولي الممول من قطر وتركيا وإسرائيل. هؤلاء الببغاوات زعموا بعد الخلاف مع السعودية أنه حدث لأن المملكة «غيرانة» من مصر وقررت تشويه إنجازات السيسي.. مع إنها الجهة نفسها التي قدمت رشاوى لبعض الصحافيين والإعلاميين من أظرف وساعات رولكس ورحلات الحج الفاخر.. الغيرة سببها الإنجازات الفظيعة للرئيس التي تتحقق في زمن قياسي لم يعرفه التاريخ والله العظيم لقد ابتلانا الله بكم وأنتم نقمة على الحكم ولستم ذخرا له. ويسأل الكاتب مذيعي الفضائيات المليونيرات: ألم تزهقوا من تبرير الفساد والاحتكار بأنه نابع من الإخوان وشماعة مبارك ورجاله؟ ليس كل من يصرخ من الفواتير إخواني وليس من يعاني لإطعام أسرته متطرف أو من أهل الشر.. الغلاء يكوينا جميعا والمصروفات المدرسية أكثر من طاقة الأهالي والخدمات الصحية متدنية وأسعار الدواء ترتفع وعبواته تختفي.. كل ناقد إخواني يستحيل.. لا تكمموا الأفواه وينبري مؤيدوكم المليونيرات لوصلات ردح للمعارضين ستحيا مصر إذا نسفنا أنفاق التخوين».
أسبوع مؤلم
لم يكن أسبوعا مبهجا ولا مطمئنا، ذلك الذي مضى ويحدثنا عنه فهمي هويدي في «الشروق»: «في بدايته هبت عاصفة حديث رجل التوك توك المسكونة بشحنة عالية من الغضب والغيرة إزاء ما انتهى إليه الحال في مصر، أتحدث عن حوار الدقائق الثلاث الذي ترددت أصداؤه بقوة وسرعة في الفضاء المصري، الأمر الذي أسفر عن إلغاء البرنامج الذي بث الفقرة، ووقف صاحبه الإعلامي عمرو الليثي، الذي قيل إنه أعطي إجازة مفتوحة. بعد ذلك شاهدنا فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت فيه سيدة عبرت عن مشاعر الغضب والسخط ذاتها. ولم تمض أيام قليلة حتى أشعل أحد الأشخاص النار في جسده في الإسكندرية، حاول الانتحار يأسا من قدرته على الاستمرار في الحياة بسبب الغلاء الفاحش، وكان إسكندري آخر قد سبقه إلى الجلوس شبه عارٍ في أحد شوارع قلب المدينة وهو يصيح معلنا أنه لم يعد قادرا على تحصيل قوت يومه. في الأسبوع ذاته انتقدت إحدى الإعلاميات وزيرة في الحكومة، ففسخت القناة التلفزيونية عقدها واختفت من على الشاشة. ومنعت جريدة «الأهرام» العامود اليومي للدكتور أسامة الغزالي حرب الذي انتقد فيه مشروع العاصمة الإدارية. كما منعت نقابة الصحافيين ندوة صالون إحسان عبدالقدوس، لأول مرة منذ عشرين عاما، لأنها كانت مخصصة لمناقشة سياسة الحكومة إزاء المشروعات الكبر،. إلا أن ما صدمنا حقا وأشاع جوا من الحزن في بر مصر، كان ما جرى في سيناء حيث تم قتل 13 جنديا في هجوم شنته مجموعة مسلحة، وجرى صده ما أسفر عن مقتل 16 شخصا من المهاجمين. وهو الاشتباك الذي أعقبته حملة تطهير للبؤر الإرهابية شاركت فيها طائرات أباتشي وإف 16. هذه الأحداث المتلاحقة بحسب الكاتب جاءت محملة بإشارات سلبية تشيع درجات متفاوتة من البلبلة والقنوط، وتضيف إلى فضائنا الرمادي سحابات كثيفة تشكل خصما على الحاضر وتحجب منافذ التفاؤل بالمستقبل».
السيسي يفهم أكثر
ونتحول نحو الإشادة بالسيسي ويتولى المهمة أحمد يوسف محمد في «الأهرام» مثمنا تصريحات للسيسي أطلقها مؤخراً حول السعودية وإثيوبيا: «الرئيس كان حديثه في هذه الظروف على مستوى المسؤولية، فلم يُدْل بكلمة تقليدية وإنما تطرق مباشرة إلى شبحي الأزمتين الماثلتين، وهما تهمة التدخل في إثيوبيا وتطورات العلاقة مع السعودية، فأكد في ثقة أن مصر بتاريخها وقيمها لا تتدخل في شؤون أحد وتحدث بالثقة نفسها عن أزمة التطورات الأخيرة في العلاقات مع السعودية، فأكد أولاً استقلالية القرار المصري وثوابته في ما يتعلق بالموقف من الصراع الدائر في سوريا، وشرح مقومات التصويت المصري في مجلس الأمن على مشروعي القرارين الفرنسي والروسي وكيف أن التصويت عليهما معاً لا ينطوي على أي تناقض، وأظهر حرصه على الحفاظ على العلاقات المصرية مع دول الخليج وإن انتقد بلسان عف «تجاذبات» إعلامية خليجية منهياً بأن الإجراءات اللازمة لتوفير البترول اتخذت على الفور بحيث لا توجد لدينا مشكلة في البترول. وأن مصر – مذكراً بكلمة الفقي – لن تركع لغير الله، وأنه لا يخشى أي تحدٍ طالما أن الشعب موحد ضد هذه التحديات، وهكذا قدم الرئيس طرحاً متوازناً للأزمتين اللتين نشبتا في مجرى السياسة، أكد فيه حرص مصر على علاقتها بأصدقائها وأشقائها وحرصها الأشد على استقلالها. وقد حرصت على أن أسأل بعضاً من أصدقائي ممن يتابعون صفحات «الفيسبوك» عن ردود فعل حديث الرئيس لأن هناك متخصصين في تسفيه كل ما يقول والهجوم عليه فقيل لي أن الانطباع الأولى هو التجاهل فانشرح صدري لأننى أدركت كم كان أداء الرئيس رفيعاً».
سلام يا صاحبي
«مازال الخلاف بين السيسي والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، قائمًا ومطروحًا على الساحة، كما تشير «الشعب» إلا أن أحد رجال بنى صهيون، كشف كل ذلك، وأكد أن خلافهم على المصالح ليس أكثر، فالسيسي، يسعى للقضاء على التيار الإسلامي في كل مكان، والملك سلمان، يبحث عن تعزيزات لعرشه باستخدام الفصائل السنية. وقال تسفي مزئيل، السفير الصهيوني السابق في القاهرة: إن الموقف من جماعة الإخوان المسلمين هو السبب الرئيسي في تدهور العلاقات مؤخرًا بين سلطات الانقلاب في مصر والمملكة العربية السعودية. ويرى أن انحسار الدور الأمريكي في المنطقة دفع كل دولة إلى تحديد أولوياتها والبحث عن مصالحها الخاصة. وأشار إلى تباين الأولويات بين الرياض والقاهرة، فالسعودية ترى في التمدد الإيراني الشيعي الخطر الأول الذي يستوجب التصدي والمواجهة، وجعلت ذلك على رأس أولوياتها؛ بينما ترى سلطات الانقلاب في مصر، بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، أن القضاء على جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية يمثل الأولوية القصوى لسياستها الداخلية والخارجية. وحسب المسؤول الإسرائيلي السابق، فإن هذه الأولويات المتناقضة خلقت صداما في الرؤى بشأن الموقف من الأزمة السورية، لافتا إلى أن الرياض تدعم تنظيمات المعارضة المسلحة وبينها جماعات تابعة للإخوان المسلمين، بينما يخشى نظام السيسي من سقوط بشار الأسد خوفا من البديل الإسلامي، وهو ما دفعه إلى تبني الموقف الروسي الإيراني».
مرضى المؤامرة
«هناك شواهد عملية يستطيع هواة نظرية المؤامرة، ومستخدموها لدعم نظم الحكم القاصرة، في بلداننا أن يجدوا فيها ضالتهم لترويج بضاعتهم وفق ما يرى عبد العظيم حماد في «مدى مصر»، ويرصد الكاتب ما قيل عن قانون «جاستا» الأمريكي لمقاضاة الدول راعية الإرهاب، الذي يستهدف المملكة العربية السعودية (الشقيقة) على وجه الخصوص. وكذلك عما يسمى بعملية حصار مصر اقتصاديًا، التي تشمل بين أشياء أخرى، تباطؤ الاستثمارات الأجنبية، وتجفيف موارد السياحة الأجنبية، وربما تمتد لتشمل في نظر هؤلاء الهاتفين بـ»المؤامرة» القرار السعودي بوقف إمداد مصر بالبترول ومشتقاته بشروط متساهلة، بسبب التصويت المصري في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي لا تحبذه دول الخليج حول الوضع في سوريا، والحرب الكلامية التي اندلعت بين إعلاميين سعوديين ومصريين لهذا السبب. في ما حدث بين السعودية ومصر سمعنا من قال إن جماعة الإخوان هي من صنعت الوقيعة، وليس مستبعدًا أن يقال إن روسيا تآمرت على مصر باستدراجها للتصويت لصالح مشروع قرارها لمجلس الأمن للإيقاع بين القاهرة والرياض، ليزداد الضغط الاقتصادي علينا بقطع المعونة البترولية السعودية. ألم يقل هؤلاء إن روسيا انضمت إلى المؤامرة على مصر عندما أوقفت حركة السياحة إليها، عقب نكبة الطائرة الروسية في أجواء سيناء في العام الماضي؟».
إكرام الميت دفنه
الحياة الحزبية يغلب عليها الموات لأجل ذلك يطالب أكرم القصاص في «اليوم السابع» هذه القوى السياسية بأن تغادر مرحلة الكلام فقط إلى مرحلة الفعل، وأن تسعى هي الأخرى لممارسة دورها ولو على سبيل المناقشة وعقد جلسات حوار تشرح فيه سياساتها ووجهات نظرها: «يبدو مثيرا للدهشة أن نرى زعماء أحزاب وشخصيات سياسية، تكتفي بدور على مواقع التواصل الاجتماعي وتندمج في إطلاق تعليقات أو غيرها، وبالكثير يكتب زعماء الأحزاب مقالات يكررون كلاما سبق قوله ولا يخرج عن دوائر الشكوى والعتاب والإعراب عن القلق. من دون أن تتجاوز هذه المرحلة إلى دور سياسي، خاصة أن هذه الأحزاب لديها نواب في البرلمان يفترض أنهم يتحدثون باسم هذه الأحزاب، وقد ترد هذه الأحزاب بأن عدد نوابها قليل، بينما عرف مجلس الشعب في السبعينيات والثمانينيات أفرادا كان كل منهم يمثل صوتا عاليا قادرا على مواجهة الحكومة والدولة باستجوابات وطلبات إحاطة أو حتى بمواقف سياسية كاشفة. ويبدو لافتا أن يكون هناك أكثر من 100 حزب سياسي، ولا تجد من بينها حزبا واحدا يمكنه أن يعبر عن نفسه بعقد ندوات أو مؤتمرات لمناقشة الأحداث الجارية وطرح وجهة نظره أو يمكنه إنتاج وتقديم كوادر سياسية يمكنها أن تمثل روافد للعمل. بالطبع فإن الإجابة الجاهزة لدى الأحزاب والمعارضين أن المجال السياسي مغلق، لكن المدهش أن هؤلاء يكتبون مقالات وينشروها ويطرحونها في مواقعهم ولا يتجاوز الأمر الشكوى والتحذير والإعراب عن القلق».
11/11 في خدمة الحكومة
لا أحد من المعارضين سواء كانوا أفرادا أو جماعات وحركات، يدعو إلى النزول والمشاركة في هذه «المظاهرات مجهولة النسب»، يصر مسؤولو الحكومة وعملاؤها من السياسيين والإعلاميين كما يشير أشرف البربري في «الشروق» على التحذير من يوم 11/11 وتخويف المواطنين من المشاركة في هذه المظاهرات التي لا يعتزم أحد المشاركة فيها: «وفي ظل هذا السيناريو العبثي عندما نرى الحكومة ومن معها هي التي تتحدث عن «مظاهرات مزعومة» وتروج لها في وسائل الإعلام الموالية لها، يصبح التشكك في هوية من يقف وراء هذه الدعوة للتظاهر أمرا مشروعا، خاصة أن أكثر معارضي الحكومة باستثناء جماعة «الإخوان الأغبياء» ليس فقط لا يؤيدون هذه الدعوة وإنما يعارضونها، وقد شاهدنا صفحات المئات من الناشطين السياسيين والمعارضين على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل عبارة «لن أنزل يوم 11/11، فإذا كانت الحكومة قد استغلت الدعوة مجهولة النسب للتظاهر تحت شعار «ثورة المصاحف» يوم 28 نوفمبرتشرين الثاني 2014 لكي تحكم قبضتها الأمنية على الشارع وتجهز البلاد لاستقبال أحكام مهرجان «البراءة للجميع» في اليوم التالي، فإن السؤال الأهم الآن، هو ما الذي ستفعله الحكومة في اليوم التالي ليوم 11/11 بعد أن تكون قد نشرت قواتها في كل مكان لمواجهة المظاهرات التي لن تحدث والمتظاهرين الذين لا يعتزمون التظاهر؟ والخوف كل الخوف من أن تستغل الحكومة الانتشار الأمني المكثف المتوقع يوم 11 نوفمبر / تشرين الثاني لكي تخرج علينا في اليوم التالى بما يبشرنا به المسؤولون ليلا ونهارا من إجراءات اقتصادية مؤلمة تزيد معاناة الشعب التي جاوزت المدى، فترفع أسعار الوقود».
الأغنياء لا ينفقون
«لماذ يتحمل الأغنياء نصيبهم في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية؟ هل يدفعون الضرائب المقررة عليهم طبقا لمكاسبهم الحقيقية وبكل أمانة؟ أم أنهم يتحايلون على القانون فيحولون مكاسبهم إلى خسائر بأوراق مضروبة؟ ماذا يفعلون من مبادرات اقتصادية للصالح العام؟ كم مشروعا خيريا شيدوه؟ وكم تبرعا دفعوه لصالح مؤسسات علمية وصحية وخدمية؟ هل يوجد لدينا أثرياء أوقفوا جزءا كبيرا من ثروتهم مثلا لصالح أعمال خيرية؟ يتساءل سعيد الشحات في «اليوم السابع»: «لماذا لم نجد عندنا ثريا واحدا يتبنى على الملأ مشروعا علميا ينفق عليه من الألف إلى الياء؟ هناك الكثير من الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الموضوع، وجميعها على لسان الناس البسطاء الذين يشعرون بأنهم وحدهم الذين يتحملون أعباء أي إجراءات اقتصادية يقولون عنها «إصلاحات»؟ يضيف الكاتب: حدثني صديق يقيم في أمريكا على التليفون، وقال لي إنه فرغ فورا من ملء البيانات الخاصة بدخله ومكسبه وثروته، على استمارة عبر الإنترنت ترسلها الجهات المعنية إليه واعترف أنه يدفع لأنه يأخذ، وأن القانون سيف على رقبة المخطئ، ولا سبيل إلى التهرب منه، بالطبع لا توجد أي مقارنة بين ما سمعته من الصديق المصري الأمريكي، وبين ما يحدث في واقعنا، فالأصل عندنا هو البحث عن الثغرات القانونية التي يتم اختراقها كي يتم التهرب من دفع الضرائب المستحقة، وفي ذلك هناك أساليب كثيرة يعرفها المتخصصون في هذا المجال، وحاصل جمع كل ذلك هو كوارث اقتصادية بالجملة يتحملها المواطن البسيط الذي يكون أول المتضررين من الإجراءات الاقتصادية، فحين ترفع الحكومة الأسعار يكتوى هذا المواطن بها، أما الغني فتكون معاناته من نوع مختلف. بالطبع هناك أثرياء يعملون طبقا للقانون، يدفعون الضرائب، يقدمون المبادرات، يدفعون تبرعات، لكن يبدو أن هذا يسير من كثير، كما أن هؤلاء لم يستطيعوا تعديل الصورة السلبية لدى المصريين عن أصحاب المال التي تكونت في السنوات الماضية».
مجانية التعليم وهم
إحالة ما يقرب من مئة مدرس إلى التحقيق لممارسة نشاط الدروس الخصوصية، إضافة إلى إحالة البعض الآخر إلى النيابة – يستحق نقاشاً جاداً لماذا؟ لأنه كما يشير أسامة الغزالي حرب في «المصري اليوم»: «ليس هناك نص قانوني يجرم الدروس الخصوصية، أو ما أسميه «سرطان الدروس الخصوصية». ثانيا، يبدو أن أحد دوافع هذا الإجراء هو دفع التلاميذ إلى الدخول في مجموعات التقوية التي تنظمها المدارس نفسها، أي جذبهم من الدروس الخصوصية في «السناتر»- جمع سنتر- إلى تلك المجموعات في المدارس. إن الحقيقة الأساسية والناصعة هنا، والمؤسفة أشد الأسف، هي ببساطة شديدة اختفاء المدرسة كمكان للتعليم والتربية نجرّم الدروس الخصوصية علينا أن نمتلك الشجاعة والإرادة وحسن التقدير للأولويات ونسعى إلى إعادة بناء وتأهيل المدارس العامة كأولوية مطلقة لسلامة وأمن هذا البلد. التعليم وتطويره، بل تثويره هو المطلب الأساسي الملح الآن في مصر قبل أي شيء آخر، لأنه يعني الاستثمار في أغلى وأهم ما تملكه، وإصلاحه ينبغى أن يكون هو المشروع القومي العملاق.
والتعليم- مع التربية- يقترن بالمدرسة بالمعنى الشامل «المبنى، والمنهج، والمدرس». المبنى، أقصد به مبانى مدارس التعليم العام الحكومي، التي تعلمت فيها الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب وليس مدارس اللغات والمدارس الخاصة الفاخرة. والمدرس الذي يحترم مهنته ويستحق مرتبا كريما يغنيه عن أن يكون مجرد أجير لتلميذه، وليس كما يقول بيت الشعر الشهير «كاد المعلم أن يكون رسولاً». وهنا من المنطقي تماما أن يصيح قائل: ومن أين ننفق على هذا كله؟ أقول، إذا كنا جادين فعلينا طرح كل البدائل المتاحة بما في ذلك إمكانية إعادة النظر– ولو جزئيا– في «مجانية التعليم» التي أضحت للأسف شعارا فارغا من أي مضمون».
الجنون يستقيل
«أصيب صمويل بيكيت رائد مسرح العبث بحالة ضحك هستيري بعد أن تناهى إلى سمعه، وهو في العالم الآخر، أن شرطة «مصر الجديدة» ضبطت مواطنًا يحمل عشرة كيلوغرامات سكر، فقامت بعرضه على المحامي العام الأول لنيابات شرق القاهرة الذي أخلى سبيله بكفالة ألف جنيه، وأمر بتحويله لمحاكمة عاجلة بتهمة احتكار سلعة تموينية مدعومة والتربح منها. الخبر المنشور في جريدة «الشروق» أثار قريحة عمرو حسني في «التحرير» وتخيل صمويل بيكيت وهو يمزق كل ما كتبه من مسرحيات لأن الواقع اليومي المعاش في جمهورية مصر العربية صار يفوقها غرابة وعبثية. الرجل لم يقم بتخزين مئات الكيلوغرامات من سلعة تموينية لكي يتم التعامل معه كمحتكر. كما أن القانون لا يجرم شراء سلعة تموينية مدعمة من مستحقيها، لأن شرط وقوع الجريمة يحدث فقط عند الحصول على تلك السلعة من الموزع مباشرة بدون وجه حق، وهذا ما يحتاج إلى دليل لإثباته. المواطن الذي يبيع كيس السكر الذي حصل عليه ببطاقته التموينية لشخص آخر لا يرتكب جريمة لأنه حصل على دعم من الدولة ومن حقه أن يتصرف فيه كيفما يشاء، وهذا القهوجي ربما حصل على تلك الأكياس بالشراء من مستحقيها المصابين بمرض السكر والراغبين في الحصول على حقهم ناشف من الدولة. «ممكن والا لأ؟». ممكن بالطبع، ولكن شركة قطاع الأعمال التي تبيع زيت التموين المدعوم لرجل أعمال من خلال وسيط تجاري ترتكب معه جريمة حقيقية يعاقبهما عليها القانون».
ليس من ورائها خير
أكدت جميع المؤشرات بما فيها استطلاعات الرأى فوز هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي تجري بعد أسابيع، وقد دعمتها بشدة في ذلك النجاح وبكل الوسائل الإدارة الأمريكية الحالية والرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلى جانب مساندة الإعلام الأمريكي غير المحايد لها فما هو موقف الدول العربية من هذا النجاح؟ وما هي الآمال التي ينتظرها العرب؟ وهل ستكون هي أفضل ممن سبقوها بما يخدم القضية الفلسطينية والقضايا العربية؟ التساؤلات يطرحها إبراهيم البهي في «الإهرام»: «السوابق تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها لم ولن تكون أفضل ممن سبقوها، واذا كان البعض في الدول العربية ينتظر منها خيراً استناداً إلى السياسة القديمة التي كان يتبعها زوجها بيل كلينتون عندما كان رئيساً لأمريكا فهذا انتظار في غير محله، فالوضع مختلف اليوم عما كان في الماضي، والظروف التي أصبحت عليها الأوضاع العربية تغيرت إلى الأسوأ، وهذا لا يساعد هيلاري ولا من يأتي بعدها في تقديم شيء للقضايا العربية، إذا كانت لديها الرغبة في ذلك، أنظروا إلى الخلافات بين الدول العربية وبعضها بعضا، الوضع أصبح لا يرضي إلا اسرائيل وأعداء العرب، وهذا يؤدي بدوره إلى طمع الأمريكان وغيرهم من المتربصين بالدول العربية. إن لم تكن هناك رغبة حقيقية لنبذ خلافاتنا العربية، فلا تنتظروا من الرئيس الأمريكي القادم ولا من غيره أي مساعدة، وإن لم تكن لنا سياسات واضحة ومختلفة عن سياساتنا العقيمة الحالية، فعلى الدول العربية السلام، ولن تبكي علينا هيلاري».
«الفيسبوك» متهم
«مازلنا عاجزين عن ملاحقة الجرائم عبر الإنترنت، ولا يوجد لدينا قانون يردع من حولوا مواقع الإنترنت إلى منابر ومخابئ تحرض وتدعو علناً، كما يشير أحمد بكير مدير تحرير «الوفد» لهدم الدولة، وسب وقذف ولعن كبارها، وصغارها، بدون ضمير وبدون عقاب ، ويظل قانون الاتصالات الموحد رقم «10» لسنة 2003 عاجزاً عن الردع والمواجهة وملاحقة الجرائم الإلكترونية في ظل التسيب والانحطاط المنظم وغير المنظم على المواقع الإلكترونية. وكان من المقرر أن يناقش مجلس النواب مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية قبل انتهاء دور انعقاده السابق، لكن تجمد مشروع القانون في ثلاجة المجلس، بدون سبب بعد مناقشته في لجنة المقترحات والشكاوى وإحالته إلى لجنتي الشؤون التشريعية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.. وتترك الدولة الجرذان يمرحون بحرية في جحور ودهاليز «الفيسبوك» و»تويتر» يدمرون البلد من أساسه. والمسؤولون مستهترون وكأنهم غير مستهدفين. ويثني الكاتب على القانون في الإمارات لأنه جرَّم نشر أي معلومات لصالح جماعــــة إرهابيـــــة أو جمعية أو منظمة، أو هيئة غير مصرح لها، بقصد تسهيل التواصل مع قادتها أو أفرادها، وجذب أعضاء جدد، وامتداح أفكارها، والعقوبة في مثل هذه الحالات تتراوح ما بين السجن والغرامة حتى مليوني درهــــم «حوالي عشرة ملايين جنيه مصري».. واعتبر القانون هذه المخالفات جنايات، بعد أن كانت موصَّفة بجنح.. وتمتد عقوبات قانون جرائم تقنية المعلومات إلى كل من يرتكبها، سواء كان مواطناً أو مقيماً أو حتى زائراً، ويتم ترحيل كل من يخالف أحكام القانون من غير المواطنين إلى خارج الدولة، بعد تنفيذ العقوبة».
التصفية ليست حلاً
العديد من الآراء بينها لكتاب وأخرى لقراء تطالب بتصفية الملاحقين أمنياً، وهو الأمر الذي لفت انتباه علاء عريبي في «الوفد»: «يتساءل البعض لماذا نبقي عليهم أحياء وهم يسفكون دماء أولادنا ويذبحون شبابنا ويقطعون رؤوسهم؟ هم يرفعون شعار كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فلنطبقها عليهم، ومن قتل يقتل، لماذا نتركه حيا ونسلمه للقضاء وبعد شهور أو سنوات طويلة ينجح محاميه في الحصول على حكم بعدة سنوات منقذا رقبته من الموت، كيف يهرب بجريمته إلى السجن. هذه الآراء تضعنا أمام سؤال على قدر كبير من الأهمية، وهو: هل نطبق العدالة أم نعمل بالقانون؟ هل نختار العدل أم ننحاز للقانون؟ البعض لا يرى فرقا بين العدالة والقانـــون، إذا يعتقد أن القانون هو جوهر العدالة، وأن اختيارنا العدالة يعني بالضرورة تطبيق القانون، البعض الآخر يميز جيدا بين العدالة والقانون، وينحاز إلى تطبيق العدالة الناجزة، إذا يرون أن بطء تنفيذ القانون فيه ظلم بين يضرب فكرة العدالة في مقتل، فالحق المتأخر لا فائدة منه. ما يهمنا أن نوضحه في هذا المقام، أن القانون جزء من العدالة وليس كل العدالة، وأن القانون أداة من أدوات تحقيق العدالة، والعوار في مواد القوانين يفسد فكرة تحقق العدالة، وكذلك بطء تنفيذ القوانين يبدد تحقيق العدالة.
كما يجب أن نتفق كذلك على أن العدالة لا تقام بذاتها، ولا يمكن تنفيذها بشكل عشوائي، أو تركها لكل إنسان يطبقها حسب مفهومه لها، والشريعة ذاتها لم تطلق للمواطنين تنفيذها بعيدا عن الحاكم أو ولى الأمر، لأنه قد يخطئ في صاحب الدم ويقتل بريئا، من هنا كانت أهمية توفير شهود على الواقعة لحسم عملية الإدانة، فالشريعة السمحة عندما أخذت بالشهود يعني أنها أخذت بالتحقيق في الواقعة، وهو ما يرجئ الأخذ بالقصاص لحين التيقن من الجاني».
«توك توك» ومدرعة
ونتحول نحو أحد أبرز أعداء ميدان التحرير وكاره ثورات الربيع العربي محمود الكردوسي في «الوطن»: «تأتي على مصر لحظات لا تنجب فيها إلا شهداء، ولحظات لا تنجب فيها إلا خونة. مصر الآن بين قوسين: مدرعة.. وتوك توك.
موت مشرف في سيناء، وجحود «عشوائي» مقلق ومخجل في القاع. دماء تسيل في الممرات وبطون الجبال فتطهرها، وزيت وسكر يسيل في العروق دماً ملوثاً بالجشع والدناوة، ويخرج «صرفاً صحياً». وبين القوسين بشر يعمــــــلون في صمت، ويحـــــبون بلدهم في صمت، ويبحثون عن إجابات لأسئلتهم الحائرة في صمت يغضبون، ويصرخون في صمت يبكون شهداءهم، ويلعنون سائق الـــتوك توك في صمت هؤلاء هم البناؤون العظام في هــــذا البلد أما الكذابون والمتنطعون و«المتنخوبون» والمثرثرون (ورقاً وفضائيات) فهم الذين جعلوا لـ«خراب مصر» سعراً وبورصة، لكنهم زائلون».
حسام عبد البصير