تعيش فلسطين أو ما تبقى منها حالة غريبة ومكرّرة من حالات الغيبوبة السياسية، ويواجه الفرد الفلسطيني واقعا مستهلكا يجعله حبيس نفسه، وأسير وطنه وفاقد أمله، فالأهداف والأحلام الوطنية قد بهتت من تزاحم وتراشق طالبيها، والسياسات الفلسطينية قد غدت محترفة في استجداء الآخر وجلد الذات، والمسافات المحرّمة بين الضفة والقطاع قد تقلّصت لتشبه المسافة القصيرة بين جبل محسن وباب التبانة في طرابلس اللبنانية، كل هذا والقضية الفلسطينية ومنذ نشأتها، ومروراً بسنين طويلةٍ ومؤلمةٍ من تفاصيلِ مشكلة ما تزال تتشعّب، ونتائج نزاعٍ أصبحت تتوالد وتتكاثر، تجد القضية التركيز ولا تجد الحل، فهي قضية تقوم على صراع لم يبرح اعتباره القضية المركزية، وأنه سبب عدم استقرار هذه المنطقة وتوترها، وكم كان لها من الاهتمام الإقليمي والدولي الشيء الكثير، كونها باقية في منطقة تغلي وتتأرجح ولا تستقر، وفي وقت تزداد فيه المشاعر الدولية، وتتعاظم فيه موجة التفهم الدولي لمعاناة شعب، وشرعية وعدالة قضية، فحُمّى الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطينية موعودة أصبحت تنتشر وتكبر، للحصول على تسوية نهائية للنزاع، ولإعطاء دفعة قويّة لبناء دولة ذات سيادة بين ارض وماء وهواء.
في كل يوم يزداد فيه التصلب الإسرائيلي تطرّفا وتعنتا، وفي كل مكان ينتشر فيه الاستيطان البغيض بلا رقيب أو حسيب، وبينما تتعرّض منازل وممتلكات الفلسطينيين، وخاصة القريبة من البؤر الاستيطانية في مناطق متفرّقة من الضفة والقدس الشرقية لاعتداءات متكرّرة، نجد الواقع الفلسطيني يعيش حالة من الانقسام والتشرذم السياسي والفكري، فكيف بالخطاب السياسي لقضية سيبلغ مداه ويحقّق مبتغاه، وهو مثقل بغمام اسود من اتهام شركاء القضية بأنهم فئويون ومغالطون، وكاذبون ومتآمرون، وكيف بعالمٍ سيحاور سلطتين سياسيتين وتنفيذيتين، إحداها ترفع السلاح كما ترفع سقوف المطالب السياسية والتاريخية، والأخرى لا تنفك عن التأكيد على أن الكفاح المسلح قد كان وانقضى، وأن الخيارات السلمية والاحتجاجات الشعبية، واللجوء إلى المحافل الدولية هي مسلكها اليوم وغداً، مع الاحتفاظ والتذكير بحقّها الطبيعي في حلّ نفسها كآخر الحلول وفي أقصى درجات الإحباط السياسي، وكيف بوطن يحيي ذكرى رحيل ياسر عرفات، ويتوق لنقل رفاته إلى القدس يوما ما، قد أصبح يختصم ويتنابز حول منصة الاحتفال ومن فجّرها، وكيف بعملية إيواء عشرات الآلاف من أصحاب البيوت المدمرة في غزة سترى النور، بينما ساسة القضية يعرّون ويكشفون ويلطّخون عدالة قضيتهم.
قد لا يختلف الواقع الفلسطيني عن محيطه العربي بان المتاح والممكن هو ألذّ الأمرّين، وابيض الأسودين، وقد يبدو أن ازدياد عدد الدول المؤثرة والتي تؤيد حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المنتظرة، يمثل ذلك بريق أمل وقبس من نور، يضيء قضية عانت التهميش والركود في أعوام الربيع والحروب الأهلية العربية، لكن المسؤولية الوطنية والأخلاقية الفلسطينية تقتضي الإسراع والالتزام بتعزيز حالة التوحّد والمصالحة، والعمل على إنشاء حكومة توافق وطني تحيا ولا تموت، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أُطرٍ زمنية محددة ومؤكدة، ونبذ التخاصم وغياب الثقة بين أخوة لا ترضى منهم فلسطين أن يبقوا أعداء!.
م. زيد عيسى العتوم