الإرهاب باعتباره متوالية إسرائيلية

حجم الخط
0

الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وإسرائيل تقاوم نهاية الاستعمار والاحتلال. فقد ولّت مسألة الاستعمار منذ الحرب العالمية الثانية، عندما شاركت أمم العالم في دحر النظام الفاشي الذي أراد أن يفرض بقوة الاستبداد والاحتلال والقمع واعتمادها كوضع قائم لا يملك له فكاكاً، وكحالة يمكن التَّكيف معها وإدراجها ضمن الوضع العادي.
ومنذ ذلك الحين وفكرة التسلط والاستعمار لا تَتْرى من التواري عن الأرض الأوروبية والأمريكية، ثمَّ سعت بعد ذلك بقية دول ومجتمعات العالم إلى التّخلص من ظاهرة الاستعمار، ومقاومة كل أساليب وأشكال الاحتلال ولو بمساعدة الدول العظمى التي شاركت في الحرب العالمية الأولى. فقد ذاق العالم مرارة الحرب في العقد الثاني من القرن العشرين، وحاول القادة السياسيون وقت ذاك العمل على تجريد بلدان العالم من بذور وإرهاصات الحرب، وبؤر التوتر ونزعات الاحتلال، بمحاولة التغلب على المشاكل والأزمات في حينها قبل أن تستفحل… لكن التطور التاريخي أملى شروطا أخرى غير التي كان يحلم بها الرئيس الأمريكي، صاحب مبادرة النقاط الأربع عشرة، وبعض المخلصين من ذوي الضمائر الحية والصدور الرحبة، بالعطف على مصير الإنسانية، وتحولت المشاكل والأزمات إلى تحديات، وعبثا حاولت أوروبا التخلص منها.. لا بل هي التي كانت تدفع، مع عوامل أخرى، نحوالحرب العالمية الثانية.
وإسرائيل، هي اليوم آخر كيان يعاند في شبه إصرار وفي الرمق الأخير، يعيش مع فكرة الاحتلال ويقاوم نهاية الاحتلال، وقد ترك هذا أثره البالغ على مصير إسرائيل ذاتها. فقد أدَّى هذا السجال والعراك بين إسرائيل ونهاية الاحتلال والاستعمار إلى توكيد أن الاستقلال صار فكرة قائمة بذاتها، وارتقت إلى النظام ذاته الذي يأبى أي معنى غير معنى الحرية، وتقرير المصير الذاتي ويرفض كل ما فـــي حكم الاحتلال والإكراه والسيطرة والخضوع والاستعمار.
إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تروم تطبــــيع ما لا يمكن تطبيعه في عصر يأبى الاستئناس بفكرة الاستعمار بالقــوة، لأن هذه الفكرة حوربت بالقوة زمن المد الاستعمار الرأسمالي، ما أدى إلى انهيار الأنظمة الشمولية من فاشية ونازية والأنظمة الاســــتغلالية الكامبرادورية، وأخيرا الأنظمة الديكتاتورية الأحادية، وبقيت إسرائيل حالة من حالات الاستعمار والمشروع النوعي الذي وظفته الدوائر الاستعمارية الأوروبية ثم الأمريكية، لكي تكون الصورة الأكثر تجاوبا مع مقتضى العصر التكنولوجي والإعلامي الفائق الذي يراد لهذا المشروع أن يغطي على حقيقة الاحتلال.
لكن، مرة أخرى تفشل إسرائيل في ترسيم الاحتلال، ولا تستطيع فرضه بالقوة لأن الاحتلال كنظام لفظه العالم كله في نهاية الحرب العالمية الثانية.. فقد سخرت شعوب العالم نفسها لتطوي صفحة الاستعمار والاحتلال، وتزيل بالتالي مفردة بغيضة من قاموس السياسة الدولية، وبقيت إسرائيل الوحيدة التي تعاند في شبه مقاومة يائسة لتجعل الاحتلال حالة طبيعية، لكن هيهات، إذ بوغتت إسرائيل وصارت فكرة الاحتلال هي التي تطاردها وتحاصرها، وهي لا تدري بذلك حتى وهي تحاصر الدولة الفلسطينية الناشئة، لأن مفاوضات السلام وعملية الشروع في بدء تطبيق بنود «أوسلو» و»مدريد» كشفتا مدى زيف الدولة الإسرائيلية، عندما باغتها الوجه الحقيقي للأرض الفلسطينية التي كانت تنطق عربي وتتجاوب أكثر مع المصير العربي، وأن كل تنازل عن شبر من الأرض لصالح الفلسطينيين يستدعي بالضرورة تقلصا للوجود الإسرائيلي، ويستنفر على إثره كل بقايا إسرائيل الأمريكية والأوروبية. وهكذا، وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة مصيرها فوق الأرض العربية، بعدما تقادمت فكرة الاحتلال وتراجع النظام الاستعماري من الحياة السياسية الدولية، وصار قدر إسرائيل اليوم هو مقاومة نهاية الاحتلال في عصر يأبى منطق التسلط، وفرض الوجود بالقوة، وهي المقاومة التي أتت على الذخائر والعدد والمكامن المتبقية من المشروع الصهيوني الاستعماري.
إن الشعور الذي ينتاب إسرائيل اليوم، وأكثر من وقت آخر، هو أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يعني، في وعي ولاوعي السلطة العِبْرية، إعادة النظر في الدولة الإسرائيلية ذاتها، وكأن المنطق هو تعارض الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية، مع أن الفلسطينيين لا يكفون عن تقديم التنازل عن حقوقهم، على أمل الوصول إلى لحظة قبول إسرائيل بالدولة / السلطة الفلسطينية.. لكن، عبثا وصلوا إلى القناعة بذلك. وهكذا تعود السلطة العِبْرية إلى درجة الصفر من مبادرة السلام وتعطي الانطباع الكبير بأنها لا تريد الوصف ولا اللون الفلسطيني يحوم حول جنباتها، وسارعت، في شبه يأس تام، إلى محاصرة نفسها قبل أن تحاصر الفلسطينيين، بـ»جدار العيب» حتى لا ترى ولا تسمع عن كل ما هو فلسطيني.
وقد أقدمت السلطة العبرية، عبر شارون، الذي لا يعرف معنى السلام ولا يريده أصلا، إلى تدمير البنية التحتية والفوقية للسلطة الفلسطينية الناشئة والمنبثقة عن اتفاقية مدريد وأسلو وماراثون المفاوضات التي تمت خلال فترة حكم الرئيس بيل كلينتون 1992 ـ 2000. وأسلوب التدمير أرادته إسرائيل لتقويض الدولة الفلسطينية وإقامة الدليل على عجزها في لجم المقاومة الفلسطينية في مختلف تعبيراتها، وبالتالي تعطي لنفسها مسوّغ مطاردة وتصفية النشيطين والفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية والتوغلات والاحتجاجات التي تمارسها بين حين وآخر، في وتيرة محكمة لإجهاض كل محاولات الهدنة التي يلتزمها الجانب الفلسطيني، وتعوض به إسرائيل السلام الذي يتهددها لأنها صارت لا تقوى على ما هو عادي وطبيعي ولا تطيق الأمن والسلام.. بل لُحمة تماسكها هو التوغل والاعتداء والاقتحام والقصف وكل ممارسات ومفردات الحرب. ان العناد في الاحتلال والإصرار على زرع المستوطنات، في عصر ما بعد الاستعمار والعصر التكنولوجي الفائق، هو الذي أشر إلى الفعل الجهادي المسلح وفتح المواجهة القتالية مع الغرب والأنظمة العربية التسلطية، كأفضل سبيل من اليأس السلبي الذي يعترف بـ»الحقيقة» كوضع قائم، ويفرض حالة التعامل العادي مع الحالة الشاذة. وهكذا، فبدلا من مجاراة الغرب في حربه على ما يسمى الإرهاب، يجب تحويل الحرب عليه إلى الجبهة الإسرائيلية التي تكثف بؤرة الإرهاب العالمي، لمن يحسن النظر ويعرف كيف يدرك الحقائق عندما تحلل إلى معطياتها وعناصرها الأولى.

٭ كاتب وباحث ـ الجزائر

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية