الإرهاب غرام وانتقام و… فتنة

حجم الخط
0

ضربت «الدولة الإسلامية – داعش» ضربتين شديدتين بالغتيّ العنف والوحشية والدويّ في دولتين خلال يومين، فأودت بحياة العشرات وجرحت المئات وخلّفت دماراً وأضراراً بآلاف ملايين الدولارات.
الضربة الثانية، في قلب باريس، كانت الأقسى والأفتك والأكثر دوّياً من الأولى في ضاحية بيروت الجنوبية، لسبب لافت هو استهدافها عاصمة دولة كبرى. ما حدث في بيروت وباريس، كان له، وما زال، وقع مدوٍّ هائل كأنه صوت ارتطام النجوم. كيف لا وقد ارتقت «الدولة الإسلامية» به ومعه إلى رتبة دولة كبرى.
في فرنسا، لن يكون المشهد السياسي بعد الضربة المزلزلة كما كان قبلها. محكومٌ على قادتها أن يتوقفوا عن مراعاة «داعش» كرمى لعيون الحلفاء الإقليميين والأصدقاء المدللين من المعارضين السوريين «المعتدلين». السكوت والمكابرة أصبحا مستحيلين. لكن صعود اليمين المتطرف، خصوصاً «الجبهة الوطنية» العنصرية، إلى صدارة المشهد السياسي لن يكون مستحيلاً.
في لبنان، الضربة كانت شديدة وموجعة. الإرهاب التكفيري سددها إلى لبنان واللبنانيين بقصد الثأر من المقاومة. قبلها بنحو اسبوعين سدّد ضربة مماثلة لروسيا بإسقاطه طائرة مدنية في سيناء تغصّ بركابٍ روس أبرياء. بين الضربتين الموجعتين حرص الإرهاب التكفيري على قصف المدنيين بوحشية في أحياء دمشق وحلب وحمص واللاذقية.
كل هذه الهجمات الوحشية شكّلت، وستشكّل من الآن فصاعداً، ردود أفعال انتقامية من «الدولة الإسلامية – داعش» ضد اعدائها الأيديولوجيين والسياسيين والعسكريين، وفق جدول أولويات يقدّم الأهم، في نظرها، على المهم والخطر الأقرب على الخطر الأبعد. سلوكيةُ «الدولة الإسلامية» هذه تنطق بحقيقة صارخة مفادها أن الإرهاب، وفق «ادارة التوحش»، غرام وانتقام. وحدهم المصابون بعمى الألوان والذين يتحكّم بهم الغرض، والغرض مرض، يجهلون أو يتجاهلون في هذا السياق حقائق ثلاثاً إضافية ساطعة:
أولاها، أن الإرهاب التكفيري عموماً وإرهاب «داعش» خصوصاً، أصبحا خطراً شاملاً يهدد العالم برمته، دولاً وشعوباً، وأن عداوتهما الإستراتيجية لكلِ مَن ليس منهما، فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، تجري ترجمته مرحلياً بهجمات بالغة الوحشية في الزمان والمكان. فمن لا تستهدفه حروب «داعش» في الحاضر لن يكون بمأمن منها في المستقبل.
ثانيتها، أن «الدولة الإسلامية» تمتلك من القدرات البشرية والاقتصادية والفنية، ما يضعها من حيث الفعالية في مصاف دولةٍ كبرى. ليس أدل على ذلك من أنها لم تتوانَ عن مهاجمة دولٍ كبرى، كروسيا وفرنسا، كما تقوم بلا هوادة بمهاجمة دولٍ ومجتمعات على مدى رقعة جغرافية تمتد من اليمن شرقاً إلى تونس غرباً، مروراً ببلاد الشام وبلاد الرافدين، ناهيك عن قيامها بتهديد روسيا في عقر دارها (بقولها «إن الدماء ستجري فيها انهاراً!») وتهديد دول اخرى في الشرق والغرب. إلى ذلك، تتحالف مع دول وحكومات وازنة وتتلقّى منها اموالاً طائلة وأسلحة متطورة وعتاداً، وتتمتع عبرها بتسهيلات تجارية ولوجستية بشرية وفنية.
ثالثتها، أن دولةً ارهابية على هذا المستوى العالي من الإمكانات والقدرة على الإنتشار والفعل المدمر لا تصحّ مواجهتها، بفعالية، إلاّ عالمياً وبتحالف عريض وقوي بين دول وحكومات، وبمشاركة واسعة من تنظيمات شعبية مقتدرة وجادة في تنفيذ التزاماتها.
ليس ثمة ما يشير إلى أن الولايات المتحدة أدركت هذه الحقائق الثلاث ومفاعيلها وما تقتضيه من متطلبات. فهي ما زالت متهاونة في توجيه ضربات جوّية قاسية لـِ»داعش» في العراق وسوريا؛ وما زالت ناشطة في توريد أسلحة لتنظيمات تعتقد أنها موالية للمعارضة السورية «المعتدلة» بدعوى مقاتلة «داعش» والجيش السوري في آن، مع علمها بأن معظم هذه الأسلحة ينتهي إلى ايدي «داعش»؛ وما زالت ترفض التنسيق مع سوريا وحلفائها من اجل ترفيع فعالية الحرب على «داعش» كونها تعتبر سوريا بقيادة بشار الاسد عدواً؛ وما زالت تتريث في دعم مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي لأنها لا تريد القطع مع تيار الاخوان المسلمين في مصر وسائر عالم العرب؛ وما زالت تتباطأ في تنبيه حلفائها إلى خطر «القاعدة» و»داعش» في مناطق جنوب اليمن، ولاسيما في حضرموت وعدن.
تركيا هي الاخرى ما زالت تتهاون في مواجهة «داعش»، وترى أن له دوره الفاعل في مواجهة أكراد سوريا في شمال شرق البلاد، الذين تشكو من تعاونهم مع حزب العمال الكردستاني التركي، وتخشى من انفرادهم بإقامة حكم ذاتي في محافظة الحسكة وجوارها. إلى ذلك، ما زال رجب طيب اردوغان، ولاسيما بعد انتصار حزبه في الانتخابات، يمنّي النفس بأن تدعم «الاسرة الدولية اقتراحه بإقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية»، وهو يؤمل بأن يحظى بتأييدٍ لمشروعه من قمة مجموعة العشرين التي تستضيفها بلاده.
هذا التباين، بل التناقض، بين روسيا وإيران وسوريا من جهة، والولايات المتحدة وتركيا ودول «الناتو» وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى يستفيد منه «داعش» لتشديد ضرباته الوحشية في عمق سوريا ولبنان والعراق ومصر واليمن، ظناً منه انها تؤدي إلى ضعضعة حكوماتها وقواها الأمنية، وربما تُسهم في دعم البيئات الحاضنة لخلاياها النائمة. غير أن هجماته الفائقة الوحشية حتى الآن أعطت نتائج عكسية، لاسيما في لبنان. فقد تجاوزت فئاته السياسية المتناحرة خلافاتها وتشنجاتها العصبية، وتلاقت جميعها في إدانة «داعش» وجريمته النكراء، وتداعت إلى التماسك الوطني في وجه الإرهاب والإرهابيين، والى سد الثغرات السياسية التي يتسلل منها «داعش» لإشعال فتنة مذهبية بين اهل السنّة واهل الشيعة، وبين اللبنانيين والفلسطينيين. فالشقاق السنّي – الشيعي على مستوى عالم الإسلام برمته أضحى التربة الخصبة لإشعال فتن مذهبية مدمرة في دوله ومجتمعاته.
هذا التناقض في الموقف بين الأطراف الدولية والإقليمية حيال «داعش» وطرائق التعامل معه أو مواجهته أدى إلى تهديد مصير مؤتمر فيينا -2 الذي كانت دعت اليه روسيا، في محاولة لتجسير الفجوة بين مختلف فصائل المعارضة السورية من جهة، وبينها وبين الحكومة السورية من جهة اخرى. فقد اصرّت الولايات المتحدة وحلفاؤها على حصر تمثيل المعارضة السورية بجماعة «الإئتلاف الوطني» (خالد خوجة) الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له، في حين اصرت روسيا وحلفاؤها على تمثيل هيئات معارضة أخرى من بينها «مجموعة استانا» (رندا قسيس) ولجنة «مؤتمر القاهرة» (هيثم مناع) وحزب الإرادة الشعبية (قدري جميل) و»هيئة التنسيق الوطني» (حسن عبد العظيم). غير أن أمريكا وحلفاءها تحفظت بدعوى أن «الإئتلاف الوطني» كان حاز تأييد «مؤتمر أصدقاء سوريا» و120 دولة شاركت في لقائهم الاول في باريس، متجاهلةً أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسور في السنوات الثـلاث الاخيرة، وألا وجود ميدانياً فاعلاً لـِ»الإئتلاف»، خصوصاً بعد الحضور الروسي الكثيف، سياسياً وعسكرياً، منذ مطلع الشهر الماضي.
ماذا بعد؟
إذا بقي التناقض بين الأطراف الدولية والإقليمية سائداً، فلا سبيل إلى حسمه إلاّ في الميدان وعلى مرأى ومسمع من سائر المشاركين والمتفرجين.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية