مصابٌ فادحٌ مؤلمٌ وظرفٌ عصيب، مشاعر حادة ومضطربة تنفلت متوثبةً في نفس كلٍ منا، دافعةً إيانا للصراخ الناقم والعويل والمطالبة بالثأر.
وكلها مشاعر مفهومة ومشروعة، بيد أن الأصعب والأشق هو تمالك النفس ومحاولة الفهم وطرح الأسئلة، التي لا مفر من كونها مزعجة وشائكة؛ بين الشعور بوجوب الصمت مراعاةً واحتراماً لمشاعر الحزن وحالة الحداد الوطني وبين الحاجة الملحة لإيجاد تفسيراتٍ موضوعية ومقنعة في ظرفٍ حرجٍ، لتفادي تكرار المأساة والسقوط في الهاوية. وإزاء خطرٍ وجودي حقيقي يتهدد مصر ومحيطها العربي يتعين على الكاتب تخير كلماته بدقة وعناية ليوصل رسالته بدون تقصيرٍ من جهة وبدون أن يجرح مشاعر الناس أو يساء فهم مقاصده.
بدايةً، لست أشك في أن مصر تتعرض لهجمةٍ إرهابية، فكل قتلٍ أو تفجيرٍ أو استهدافٍ لمدنيين لا ذنب لهم أو مجندين يقومون بواجبهم الوطني، يعد إرهاباً في نظري، لكن ما يقلقني في حقيقة الأمر هو رواية الحكــومة بتسلسلها الزمني، التي من المفـــترض أن تطمئن أمثالي وتبث فينا الثقة في النظام وفي مقدرته على معالجة الموقف وفي المستقبل.
يوماً ما، منذ ما يزيد على العام وعقب سقوط الإخوان، خرج علينا أحد الناطقين باسم النظام، فأخبرنا بأنهم سيقضون على الإرهاب المسلح في سيناء، وسيسحقون الإرهابيين في غضون أسبوعين، ومن ثم صاروا يعرضون عليناً صوراً لعملياتٍ عسكرية تظهر كيف انقضوا على المسلحين، وجعلوا يحصون أعداداً من القتلى، وباتت تبدو بؤر تمركزٍ لهؤلاء المسلحين، الذين أعيد تعميدهم هم أيضاً ليصبحوا «تكفيريين» بدون أن يشرح لنا أيٌ منهم ما معنى تلك اللفظة بالضبط ولا محدداتها، والأهم من ذلك ما هي الوسائل البحثية الجنائية والاستخبارية التي استطاعوا بها الوصول إليهم. ولأن الكثــــيرين من الناس يريدون تصــــديق ذلك (كون الاحتمــــالات الأخرى مفزعة) فقـــد استسلمنا لشعورٍ بالاطمئنان مقتنعين بأن كل شيء سيصير على ما يرام .
ثم جاءت تلك العملية الأخيرة فأخذتنا على حين غرة، ولا أبالغ إذ أقول إن الكثيرين يشعرون بالخوف الآن، بالإضافة إلى الغضب، خاصةً أن تفاصيلها، ناهيك عن كيفية التعامل معها مزعجة ومخيفة للغاية، فقد أفقنا من غفلتنا أو تفاؤلنا على ما يقارب الثلاثين شهيداً، ومثلهم من المصابين تقريباً، غير أن ذلك الخبر-الحادث المفجع لم يكن سوى بداية الصدمات، إذ مع توالي الأنباء وتكشف المزيد من التفاصيل والملابسات تبين مدى الحنكة والحرفية من قبل منفذي التفجيرات، والأخطر مدى درايتهم بمسار المركبات والقوات، ومدى قدرتهم على التنبؤ برد فعلها، الأمر الذي يؤكد الإعداد الميداني الجيد والتخطيط والترصد المحكم، نحن إذن لسنا أمام «هواة» أو مجــــموعات تافهة، ولنا هـــنا أن نسأل: أولاً كيف يتمكن هؤلاء «التكفيريون» أو الإرهابيون أو أياً كان اسمهم من تنفيذ عملياتٍ بهذه الدقة بعد ما يزيد على السنة، وبعد انقضاء الأسبوعين من حــــربهم وإيقـــاع تلك الخسائر المزعومة فيهم؟ أين كانت أجهزة الاستخبار والاستطلاع المبكر؟ كيف كانت تحركات القوات مقـــروءة لهذه الدرجة ولم يتم تغيير مساراتها وفق خطــــة طـــوارئ، عقب أول تفجير حين تحركت للإسعاف وإخلاء المنطقة؟ أليست كل تلك تساؤلاتٍ مشروعة، غير أنني أعترف بأن رد الفعل الرسمي والعسكري في الأيام اللاحقة سكب المزيد من الزيت على نار قلقي وهواجسي ومخاوفي: فقد أخبرونا بأنهم قصفوا أوكار الإرهابيين وأردوا كثيراً من منفذي الحادث الإرهابي قتلى، ومن ثم خرجوا علينا بخطة تفريغ الشريط الحــــدودي تلك، هـــنا للأمانة تصبح الأسئلة ملحة وحارقة يغلب عليها الشك وانعدام التصديق المتوجس الخائف: كيف اكتشفتم منفذي العملية بهذه السرعة، وإذا كانت قدراتكم مبهرة وفائقة بهذه الصورة، فلماذا لم تكتشفوا الجريمة قبل وقوعها، حين كانت مجرد خطة؟ أما حين يخبروننا بأن مجنداً كان حاضراً العمليات الإرهابية هو الذي تعرف على الجناة الإرهابيين فلا تملك سوى أن تسأل: الحمد لله على سلامته ونجاته، ولكن هل كان القتلة قريبين إلى هذه الدرجة ليتمكن من حفظ وجوههم ومن ثم التعرف عليهم؟ وحين كانوا يقصفون، هل تمكن من التعرف عليهم من الطائرة أو المركبة التي كان يستقلها عن بعد؟ حتى «رامبو» لم يفعلها! أما حكاية التهجير تلك فإنني أذكر، خير اللهم اجعله خيراً، أن أحد مآخذ كل القوى الوطنية و»اليسارية» (التي تدعم السيسي الآن) على معاهدة كامب ديفيد هو إخلاء سيناء من السلاح، وقد هللوا (وأنا وراءهم) لعودة انتشار قوات مصرية في سيناء، واعتبرنا ذلك من مكاسب الثورة، وطالبنا بتعمير سيناء، للحد والعرقلة عن طريق الكثافة السكانية من مقدرة إسرائيل على التغلغل، فأين نحن من ذلك الآن بالتهجير وتعثر وتعسر قواتنا البين؟
والحقيقة أن قصة الفشل وانعدام الكفاءة تلك لم تبدأ اليوم او البارحة، بل ولدت أو على الأقل وجدت منذ بداية حكم الضباط: لقد أدركوا منذ البداية (وربما أشار عليهم أحد ممن كانوا يفهمون وبذلوا بسخاءٍ وطواعيةً خدماتهم للضباط) أن الدول والأنظمة لا تستمر بالقمع وحده، فلم يكتفوا بمصادرة المجال العام وحله، عبر ضرب قواه السياسية التي كانت حية وفاعلة حتى ذلك العهد، والصحف والرقابة، إلى ما سوى ذلك من وسائل الإعلام، وإنما شرعوا في بناء سردية عن المنجزات والقدرات كأقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط الخ، والأكيد أنه إن كان هناك بعض المنجزات الاجتماعية والاقتصادية في حقبة الستينيات، فإن ذلك توقف بعد ذلك، وكانت تلك الدعوى بالقدرة الفائقة أو تصورها في النفس تتحطم للأسف في لحظات الاختبار الحرجة، وما هزيمة 67 سوى أنصع مثالٍ وربما أكثره إيلاماً، غير أن النماذج لم تقف عند هذا الحد، فعلى صعيد مكافحة ما يصطلح كل طرفٍ على تسميته إرهاباً، رأينا كيف تصرفت إسرائيل في عملية عنتيبي، وكيف تصرفنا في قبرص: فضيحة بكل المعايير والمقاييس وكارثة إنسانية، باختصار، لقد استعاض النظام بالقدرة والكفاءة والمنجزات الوهمية في واقعٍ مختلقٍ موازٍ، عن الفشل الحقيقي وقلة الحيلة وفقر الكفاءة، وكان يلجأ للتغطية على هذا العوار والترهل بالعنف من باب «إضرب المربوط يخاف السائب»، والحقيقة أنه في بلدهم لم يكن أحدٌ سائباً، وتم اعتماد الحلول الأمنية للمشاكل السياسية، بصورة تنم عن غباءٍ مطلق، ولا نبالغ مطلقاً إذ نزعم أن تهميش أهل سيناء اجتماعياً واقتصادياً، ومن ثم التعامل الأمني الفظ المهين معهم، عقب تفجيرات طابا، يلعبان الآن دوراً أساسياً في نفورهم وتغريبهم عن هذا النظام وهذا البلد، الأمر الذي أقرره بمنتهى التحسس والألم.
في زمن مبارك، ذلك الزمن الممتد البليد، وعلى إيقاع اللافعل وتجميد الصراعات، ومع تنامي وسائل الإعلام، خاصةً المرئي لشعبٍ لا يعد قارئاً في المقام الأول (من واقع أرقام توزيع الصحف مقارنةً بدولٍ أخرى مثلاً) توفرت لمبارك وسيلة هيمنة لم تتح لسابقيه، فلم تتكشف تلك الهوة الفاصلة بين الحقيقة الرثة وأسطورة القــــدرة، وإنما فقط كان الواقع الرث يطل برأسه في صورة ترهل وانهيار البنية التحتية، بحيث توقف زخة مطر القاهرة بأكملها، لكن ذلك لا ينفي أن الشقوق الغائرة الممتدة كانت قد ضربت في جسد دولته حتى صدعتها.
إن الخطر الوجودي الذي يتهدد مصر، وهو حقيقي ومخيف، لم يبدأ اليوم أو البارحة وإنما هو نتيجة ومحصلة عقود طويلة من القمع والسرقة والتهميش، والكذب. لست أكتب هنا لأزايد على أحد، فليس الوقت وقت مزايدات أو تصفية حسابات، وإنما يدفعني الخوف من المستقبل، كما أنني أتحفظ في إدانة الحاضرين الموجودين لأنني أدرك أنهم نتاج عقودٍ من الفشل، مصر تحتاج الآن إلى قراراتٍ حكيمة وشجاعة تبدأ بالاعتراف بالفشل وصعوبة الموقف والبحث عن حلول سياسية ومصارحة الناس بكل ذلك، خيرٌ لهم من أن يشعروا بالسخط وعدم الرضا عن النفس والحاجة إلى التغيير قبل وقوع الكارثة، أما إذا استمر النظام على ما هو عليه من «داوها بالتي كانت هي الداء» فإن العواقب وخيمة، وإني أكاد أراها.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل