الإرهاب وعودة شبح الهجرة اليهودية إلى فلسطين

حجم الخط
0

نضب خزان الهجرة اليهودية إلى فلسطين أو كاد ينضب، بعد هجرة مليون من يهود الاتحاد السوفييتي سابقا في التسعينات، ومـــنذ مطلع القرن الحالي أصبحت الهجرة اليهودية لفلسطين ليست ذات أهمية كبيرة، على الأقل من الناحية العددية، فراحت تتناقص سنة بعد سنة من المئات إلى العشرات، لذا انهمك منظرو الحركة الصهيونية بالحديث عن الخطر الديمغرافي، واختلال ميزانه في المدى القريب لصالح العرب، فتمحورت السياسة الإسرائيلية حول شعارات من نمط «أرض أكثر عرب أقل»، بالنظر إلى التسويات أو الخطوات السياسية أحادية الجانب وتخطيط الاستيطان.
فيما تجد الحركة الصهيونية ضالتها اليوم في تفاقم موجة الإرهاب العالمي، لحث الهجرة اليهودية مجددا إلى فلسطين. في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي اعتمدت الحركة الصهيونية على النازية في حث الهجرة، عبر تخويف اليهود من المجازر والمحارق النازية، لدرجة دفعت المؤرخ الألماني هينكيه كاردلهل إلى تأليف كتاب بعنوان «هتلر مؤسس دولة إسرائيل» ترجمه إلى العربية ميشيل منير، رصد كاردلهل في كتابه العلاقات السرية بين هتلر والحركة الصهيونية، والدور الذي لعبته تلك العلاقات في تخويف اليهود ودفعهم للهجرة إلى فلسطين، وتوفير الفرصة التاريخية لتأسيس الكيان الصهيوني، ومما جاء في الكتاب «أن هتلر نال التهنئة بعد استلامه الحكم من لومنفلد رئيس الحزب الصهيوني في ألمانيا، ثم وقع اتفاق «الترانسفير» مع الوكالة اليهودية الصهيونية لإرسال 60 ألف يهودي ألماني مع عائلاتهم للاستيطان في فلسطين، وعوض لهم عن ممتلكاتهم في ألمانيا ببضائع ألمانية». ألغى هتلر جميع المنظمات والأحزاب اليهودية في ألمانيا، ما عدا الحزب الصهيوني، ثم عين مسؤولين صهاينة في معسكرات اعتقال اليهود في أوروبا، منهم مناحيم بيغن مسؤولاً عن معتقل يهود بولونيا وبذلك اشترك الصهاينة معه في قتل «اليهود المعادين للصهيونية» الذين قضوا فيما يسمى المحرقة.
في العاشر من كانون الثاني/ يناير 2015 وبعد حادثة صحيفة «شارلي إيبدو»، دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يهود فرنسا للهجرة إلى فلسطين، كما جدد هذه الدعوة مؤخرا بعد أحداث كوبنهاغن، ولكن هذه المرة وجه الدعوة لكل يهود أوروبا، هذا يعني أن إسرائيل تسارع إلى توظيف تلك الأحداث لخدمة مشروعها وحث الهجرة المتوقفة، بيد أن ذلك لم يرق لفرنسا التي رد رئيسها فرانسوا أولاند على تلك الدعوات بالقول: «لن أقبل .. بتصريحات تصدر في إسرائيل تبعث على الاعتقاد بأن اليهود لم يعد لهم مكان في أوروبا وعلى الأخص في فرنسا» مضيفا: «لكن علينا أن نضمن لكل يهود فرنسا وبشكل أوسع لكل مواطني فرنسا الأمن والاحترام والاعتراف والكرامة».
أما في اليمن فقد نشرت وكالة رويترز مؤخرا تقريرا تشير فيه إلى عزم من تبقى من يهود اليمن على الرحيل، بعدما تمدد الحوثيون باتجاه صنعاء، التي كانت آخر مكان آمن لمن بقي من اليهود في اليمن، وكان هؤلاء يرفضون مبدأ الهجرة إلى إسرائيل، باتوا اليوم يبحثون عن وسيلة للهجرة، فيما رفض يهود تونس الدعوة الإسرائيلية للهجرة بعد ثورة البوعزيزي قائلين، إنهم توانسة ولا يشعرون بأي انتماء لإسرائيل.
بالنظر إلى هذه التطورات المتسارعة في ملف الهجرة اليهودية لفلسطين، لا بد من القول إن الأعمال الإرهابية التي ينفذها بعض الحمقى، تصب في خدمة إسرائيل في المحصلة النهائية، سواء لناحية دعوة الأحزاب اليمنية المتطرفة للانقضاض على ما حققه العرب من انجازات في أوروبا، سواء كانت تلك الإنجازات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. على الصعيد السياسي تراجعت الرواية التاريخية الصهيونية، وتقدمت الرواية الفلسطينية على المستوى الشعبي والرسمي في أوروبا، حيث هناك إقرار واعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بل هناك اعترافات على مستوى الحكومات والبرلمانات بدولة فلسطين، أيضا هناك اعتراف كبير بحق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وإقامة المساجد وارتيادها بحرية تامة، كما استقبلت أوروبا مئات الآلاف من اللاجئين العرب والمسلمين الفارين من ويلات الحروب، وسهلت عملية اندماجهم في المجتمعات وأسواق العمل.
إن هذه التطورات المأساوية التي تحدث، والتي يعتقد البعض عن جهالة أن بعض الأعمال الإجرامية التي يقومون بها «هي ذود عن المسلمين وحرماتهم» إنهم مخطئون، بل على العكس تماما، هم يخدمون عكس الاتجاه، ويضرون بقضايا العرب والمسلمين، ويساهمون في رسم صورة مشوهة عنهما، بحكم المؤكد سوف تستغل في الدعاية المعادية للعرب والمسلمين، وقد حصل هذا ويحصل، وسوف يلحق أضرارا فادحة خاصة بالقضية الفلسطينية، ما يجري اليوم من تهويل إسرائيلي للمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها اليهود، إنما يذكر بطريقة استخدام الفزاعة النازية وفزاعة اللاسامية، وهذه فقدت أهميتها لدى اليهود الذين حققوا درجة كبيرة من الاستقرار والاندماج في المجتمع الأوروبي، اليوم يستخدم الإرهاب كفزاعة جديدة لإعادة شبح الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

باحث فلسطيني ـ مقيم في السويد

مصطفى قاعود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية