«الإسلاميون» الماسكون بزمام السلطة الحكومية في المغرب غاضبون، هذه الأيام، من التلفزيون، ومجاهرون بإعلان «مقاطعته» وتطليقه طلاقا بائنا، وذلك بحجم الحرب التي يعتقدون أن القائمين على القنوات العمومية يشنونها عليهم. لكن المُشاهد المغربي المغلوب على أمره، يوجد حائرا بين طرفين: أحدهما يبحث عن هيمنة ما على التلفزيون لتمرير خطابه، والثاني يشق عصا الطاعة، ويتصيد أخطاء «الإسلاميين» المستوزرين ليسلط الأضواء الكاشفة عليهم.
خلال الأسبوع الماضي، كانت القناة الأولى تردد آناء الليل وأطراف النهار، أنها ستستضيف لحسن الداودي، وزير التعليم العالي، في البرنامج التلفزيوني المباشر «ضيف الأولى». وقبل حلول الموعد المحدد ببضعة أيام، فوجئ المشاهدون بتعويض الضيف بوجه آخر، ينتمي ـ هذه المرة ـ إلى المعارضة، يتعلق الأمر بالسيدة ميلودة حازب القيادية في حزب «الأصالة والمعاصرة» المقرب من محيط القصر.
ولم يقدّم الوزير الذي كان مبرمجا للاستضافة التلفزيونية أي سبب واضح ومقنع لاعتذاره عن عدم المشاركة، ولكن مصادر إعلامية كشفت أن الحزب الذي ينتمي إليه لحسن الداودي «العدالة والتنمية» قرر مقاطعة البرامج الحوارية في التلفزيون المغربي، لتفويت الفرصة على «خصوم» ذلك الحزب للتهجم عليه.
هل من حق وزير في الحكومة أن يتغيب عن برنامج تلفزيوني، امتثالا لقرار حزبه؟ الجواب: لا، فهناك مواطنون ينتظرون حضور الوزير المعني ليقدم توضيحات ومعلومات حول عدد من القضايا التي تشغل بال الرأي العام. وامتناعه عن الحضور، في آخر لحظة، دليل على تهربه من تقديم الأجوبة اللازمة. أمام هذه النازلة، لم تتردد «الجمعية المغربية لحقوق المشاهد» في التعبير عن موقفها من حالة الشد والجذب بين الحكومة المغربية وقنوات القطب العمومي، حيث أكدت في بلاغ صحافي على أن الحق في إعلام عمومي مسألة في غاية الأهمية، كما هو الشأن بالنسبة لمسألة الحق في الولوج إلى المعلومة التي لا يمكن دخولها دون فتح بوابات الوزارات أمام الحوارات الإعلامية الجادة والهادفة. واعتبرت «الجمعية المغربية لحقوق المشاهد» أن المغاربة ما زالوا يتمنون لو كان لديهم إعلام عمومي حقيقي يسائل المسؤولين بعمق وجدية، كما يتمنون لو كان لديهم مسؤولون في مستوى المساءلة المشروعة. لذلك، سجلت الجمعية استيائها من استمرار نهج البرامج المعتمة التي تغلف بظاهر الحوار السياسي، لكنها تبطن أهدافا أخرى غير معلنة. كما تسجل استياءها من ممارسة مسؤولين حكوميين يمتنعون عن فتح أبواب المعلومة أمام المواطن المغربي.
ومثلما يلاحظ العديد من المتتبعين، فالمؤكد أن وزراء حزب «العدالة والتنمية» يتصرفون كما لو أنهم ما زالوا في موقع المعارضة، ولذلك يغلب على خطابهم التشكي والتذمر، ويتحدثون لغة قريبة من نظرية المؤامرة، كما لو أن الإعلام العمومي بعيد عن سلطتهم الحكومية. مع العلم أن ثمة ميثاقا مرجعيا وقانونيا يحدد المقتضيات العامة لعمل الإعلام العمومي في المغرب اسمه «دفاتر التحملات»، وهو ما يمكن الاحتكام إليه لدى «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري». والمفارقة أن هذه الأخيرة تنشر تقارير تفيد أن الحكومة وأغلبيتها البرلمانية تحظى بنصيب الأسد في ما يقدم عبر القنوات التلفزيونية العمومية. دلّونا بالله عليكم: أي الفريقين على حق إذن؟
مطربون يتدثرون بالعَلم المغربي
في برنامج تلفزيوني جزائري، سئل نجم الراي الشاب بلال لماذا لم يطلب الجنسية المغربية على غرار زميله الشاب خالد؟ فأجاب باستهزاء: «ماذا سأفعل بها؟ وفـيـمَ ستنفعني؟» علماً بأن الشاب بلال يحرص عندما يكون في المغرب على حمل العلم المغربي في سهراته العمومية (مثلما يفعل الشاب خالد) ويغني عن عدة مدن مغربية.
وخلق منح الجنسية المغربية للشاب خالد صدمة داخل أوساط المنتديات الاجتماعية في المغرب، لاسيما وأن هذا الفنان كان زار مخيمات تيندوف، معقل جبهة «البوليساريو» المناوئة للمغرب في صحرائه؛ مع العلم أن المغرب من بين الدول التي تتشدد كثيرا في منح الجنسية لغير المواطنين، ومن ضمن الحاصلين عليها الشاعر الغنائي الكويتي مصعب العنزي الذي صار ـ بقدرة قادر ـ يحمل لقب «سفير الأغنية المغربية»، ويحظى بـ»دلع» التلفزيون المحلي الذي قدّم «ملحمته الفنية» عن المغرب مرارا وتكرارا.
والواقع أن التدثر بالعلم المغربي وترديد أغان مغربية معروفة صارا موضة لدى العديد من الفنانين العرب ممن يشاركون في مهرجانات فنية في المغرب، مثلما حصل في الدورة الأخيرة لمهرجان «موازين» بالعاصمة الرباط.
وعلى ذكر مهرجان «موازين» الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وهيمن على القنوات التلفزيونية المحلية، فقد ارتبط بـ»ظواهر» التقطها الخبير الإعلامي الدكتور يحيى اليحياوي بذكاء، وسجل بشأنها ملاحظات في تدوينته الإلكترونية، حيث كتب: «من موضات مهرجان موازين المستجدة هذه السنة، إقدام العديد من «الفنانين» (الأجانب وبعض المحليين أيضا) على عقد ندوات صحافية يؤثثها رهط من مبعوثي الجرائد، لا لون لهم ولا رائحة، لكنهم يحملون بطائق الصحافة مع ذلك. ليس ثمة جدول أعمال ولا محاور نقاش ولا نقط محددة يمكن التداول فيها. «المغرب بلدي الثاني» تقول هذه النكرة. «سأهدي سهرتي للشعب المغربي المعطاء»، تقول تلك. «سأغني بالدارجة المغربية في الموسم القادم» تتابع نكرة ثالثة… وهكذا دواليك. يتمايلون على المنصات في كل الاتجاهات، يغازلون الجمهور بتكبر، يلفون أحواضهم بالعلم الوطني، «يغنون» بلحن وبدون لحن، يأكلون ويشربون آناء الليل وأطراف النهار، يركبون السيارات الفارهة، يودعون بمراسيم وتشريفات، ويتواعدون على «موازين الهمزة» للعام المقبل، بعدما تكون حساباتهم قد انتفخت ببعض ملايين من العملة الصعبة الخالصة التي يأتي بها مواطنونا في المهجر… ذبلت وهزلت وترهل عودها».
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل