«الإسلام السياسي» يدفن حيا في تونس

■ أنهى صعود من وصفه المنظمون «بضيف الشرف» على منصة القاعة الرياضية بضاحية رادس جنوب العاصمة تونس، شكوكا وتكهنات سرت عصر الجمعة الماضي حول احتمال عدوله عن تلبية دعوة وجهها له قبل ايام رئيس حركة النهضة، لحضور حفل افتتاح المؤتمر العاشر للحزب.
لكن الاستقبال الكرنفالي والحماسة المفرطة والغريبة التي بدت على وجوه الحاضرين بمجرد ظهور الرئيس قائد السبسي، التي كان من الصعب تخيلها سنوات قليلة إلى الوراء، لم تحجب حالة القلق والارتباك التي ظهرت على ملامح التسعيني، ولا مشاعر حرجه ونشوته في الوقت نفسه وهو يخبر جمهور القاعة منذ اللحظات الاولى لخطابه القصير وبمنتهى الوضوح والصراحة بانه «تردد قبل المجئ للمشاركة في الحفل الافتتاحي»، لأنه «من موقعه كرئيس للجمهورية يقف على المسافة نفسها من كل الاحزاب والحساسيات السياسية»، قبل أن يضيف بعد ذلك بأنه حضر تقديرا منه للجهود التي يقوم بها حزب حركة النهضة «لدعم التوافق والمصالحة الوطنية، ما أهله للمشاركة في حكومة توافقية». لم تكن التضحية الصعبة التي أقدم عليها السبسي مجاملة لطيفة لمن صار صديقا وشريكا في السلطة، ولم تكن أيضا مجرد فرصة للتعبير عن الامتنان والشكر لمساندة «الاستاذ راشد الغنوشي وحزبه للمسار الذي اخترناه لبلدنا، والذي يقوم على نهج التوافق وتشريك كل التونسيين بدون اقصاء في حماية واستمرارية الدولة والتشبث بالنمط المجتمعي الحداثي، كما اراده مؤسسو الجمهورية وبناة تونس الحديثة»، مثلما قال، بل مناسبة نادرة لعرض حزمة من الطلبات والنصائح على شكل دعوات إلى المؤتمرين حتى يؤكدوا «أن النهضة اصبحت حزبا مدنيا تونسيا قلبا وقالبا، ولاؤه لتونس وحدها وعلى أن الاسلام لا يتناقض مع الديمقراطية… وعلى خصوصية حركة النهضة المستمدة من طبيعة المجتمع الذي نشأت فيه مما يفرض اعتبار السياق الاجتماعي والسياسي التونسي وحده لا غير عند تقرير سياساتها». وعلى أن «يكون المشروع السياسي للنهضة بعد اقرار المراجعات، منسجما مع السياق الوطني العام ومستجيبا لانتظارات الشعب التونسي ويعالج التحديات الوطنية الكبرى ويقدم بصددها قراءات وإجابات وطنية مسؤولة بصرف النظر عن موقع الحركة في المشهد السياسي وعلاقتها بالحكم، سواء أكانت طرفا مشاركا فيه او كانت خارجه». كان واضحا أن القبول المر لدعوة الحضور محاولة محسوبة لتسويق انتصار خط المهادنة والتقارب مع الاسلاميين، على منطق المواجهة والصدام التقليدي معهم أو اسلوب «الكرسي الفارغ» والقطيعة العمياء الذي اختاره جانب من الحلفاء السابقين فيما عرف بجبهة الانقاذ. ولاجل ذلك بدا خطاب السبسي بمثابة التتويج الرسمي لمعركة صعبة وشاقة قادها التسعيني قبل نحو ثلاثة اعوام، من أجل الإطاحة بمن ظلوا يوصفون بأعداء الدولة المدنية المستترين بالدين وإعادتهم ولو بالحيلة إلى البيت الذي أخرجوا منه قبل عقود، لمجرد احتجاجهم وتمردهم على قوانينه وأسلوب تسييره. وربما رأى الرئيس وآخرون غيره أن ساعة الحسم دقت وأن الفرصة التاريخية التي انتظرها الكثيرون لاقتناص توقيع رسمي من الاسلاميين على شهادة موت «الاسلام السياسي» باتت اقرب مما مضى، لذلك سارع هو بحسم تردده في الحضور وانساق الاعلام المحلي وراء تعبئة الرأي العام وتحضيره لحدث عالمي سوف يقلب حاضر ومستقبل تونس ومحيطها رأسا على عقب. لم يهتم احد بلوائح المؤتمر ومقرراته ولا بالجهد الذي استمر على مدى عامين في التحضير له داخل المحليات والجهات ثم في المركز، لأن كل ما شغل المتابعين هو ذلك القرار الاستراتيجي الغامض بالحسم، فيما عرف في الادبيات النهضوية بمسألة الفصل والوصل. لقد قرأ الجميع تصريح الشيخ راشد الغنوشي لصحيفة «لوموند» الفرنسية عشية بدء المؤتمر، بأن «الاسلام السياسي رغم تحفظنا على المصطلح الذي هو غربي كان ردة فعل على مسألتين وهما، الديكتاتورية في البداية، ثم العلمانية المتطرفة. لكن الثورة وضعت حدا لكليهما». وبما أن الدستور الجديد «وضع حدودا للتطرف العلماني والديني في الوقت نفسه فلم يعد هناك مبرر للاسلام السياسي في تونس»، كما أن مفهوم الاسلام السياسي تم «تشويهه من خلال التطرف الذي تقوده «القاعدة» و»داعش» ومن هنا كانت الحاجة لاظهار الفرق بين الديمقراطية الاسلامية التي نتبناها والاسلام الجهادي المتطرف، الذي نريد الابتعاد عنه اكثر». وكان التفسير الوحيد لذلك التصريح هو أن الاسلاميين بصدد قطع الحبال الاخيرة التي ظلت تربطهم بالاسلام كعقيدة ونهج حياة وحكم، مقابل التعلق بروابط افتراضية بديلة، هي روابط الدولة العلمانية العصرية. هل تستحق السلطة التي يطمحون لاستعادتها تلك المجازفة الصعبة والمحفوفة بالمخاطر؟ وكيف يمكنهم أن يعرضوا انفسهم ويقدموا افكارهم وبرامجهم خارج الشعار الجماهيري المعروف «الاسلام هو الحل»؟ الجواب الذي يقدمه الشيخ الغنوشي في الحوار ذاته مع صحيفة «لوموند» هو انهم يخرجون» من الاسلام السياسي للدخول في الديمقراطية الاسلامية»، فنحن كما يقول «مسلمون ديمقراطيون لا يدعون بعد الان الاسلام السياسي». لكن فهم رئيس حركة النهضة لعملية الانتقال من «الاسلام السياسي» الذي صبغ مرحلة الاحتجاج على الدولة إلى «الديمقراطية الاسلامية» التي فرضها واقع الانخراط والمشاركة في ادارة السلطة باعادة ترتيب البيت الداخلي بالشكل الذي يسمح للحزب بالتفرغ فقط للشأن السياسي العام وترك المجال الدعوي والثقافي للجمعيات والمنظمات الاهلية، لا يفهم داخل بعض الاوساط والنخب الجامعية في تونس الا على انه التفاف تكتيكي واعادة تسويق جديدة للبضاعة القديمة. لقد كانت مديرة دار الكتب الوطنية واحدة من بين كثيرين فهموا مسألة الفصل بين السياسي والديني بتلك الطريقة، وكتبت تقول على صفحتها على فيسبوك بان «الرهان الحقيقي ليس الفصل بل تغيير العلاقة بالنص المقدس، بحيث يصبح نصا تعبديا اخلاقيا لا مرجعا قانونيا ودستوريا، وهو ما يعني تغيير الجهاز المفهومي لمقاربة النص والتخلي كليا عن حجج من قبيل نص قطعي الدلالة».
ومن الواضح أن تلك المقاربة تلقي الضوء على طبيعة مشهد تونسي يعيش حالة ارتباك وانفصام حاد بين هوية معطوبة، تكاد تكون شبه مجهولة وكونية وانفتاح ديمقراطي مبالغ لا أحد بامكانه توقع الحد أو المدى الذي قد يصله مستقبلا. والإشكال الحقيقي هنا، ان الدولة التي قطع الاسلاميون خطوات تاريخية لخطب ودها والصلح معها لم تقم بأي خطوة رمزية او فعلية نحوهم. فقد ظلوا كما كانوا طوال الاربعين عاما الماضية مطالبين بأن يثبتوا باستمرار ولاءهم وطاعتهم لها وان يجددوا كل مرة فروض «تونسة» لم تتبدد حتى الان شكوك الجمهور الواسع في انها جزء اصيل من هويتهم. وليس معروفا إن كان باستطاعة التونسيين أن يفصلوا بين الدعوة التي كانت حجر الزاوية في نشاط النهضويين وبين السياسة التي بقيت مدار تحركهم داخل الحزب، رغم أن نتائج سبر للآراء اظهرت أن اكثر من سبعين بالمئة منهم يرون انه من الضروري فصل الدين عن الدولة. فبعد عقود «التصحر الديني» الذي ضرب تونس جراء سياسات الاستبداد، لم يحصل اي تغير حقيقي قد يدل على أن الحرية والديمقراطية التي اطلت قبل خمس سنوات، قد غيرت شيئا في فهم واستيعاب الناس للاسلام كعنصر حيوي واساسي في حياتهم. لقد فقد الدعاة والمفكرون والمثقفون وصعد على السطح اكاديميون ومن وصفوا بالخبراء ليبثوا الشك والريبة في القرآن وفي جدارة الدين بالعيش خارج الضمائر والتكايا والمساجد، ولم يقدم السياسيون في المقابل أي دليل مادي يثبت أن تدينهم يمكن أن ينتشل الناس من الفقر أو الانحراف او الارتماء في المجهول. ولاجل ذلك صار تصحيح الصورة السلبية لعلاقة الاسلام ثم الاسلاميين بالسياسة ضروريا ومطلوبا. لكن اصطدام تلك العملية الصعبة والشاقة بتكلس الدولة وجمود الشعب يجعلها «قفزة في الهواء» لا أحد باستطاعته الجزم بنجاحها أو فشلها. وربما وافق بعض المتشائمين هنا ما كتبه البروفيسور ابويعرب المرزوقي قبل ايام من انه «يشم رائحة الغدر بالنهضة ويرى خيوطها تتشابك»، ولكن تجربة الانتخابات الاخيرة في تونس اثبتت أن ما وصف بـ»الاسلام السياسي» كيان بسبع ارواح، وان من ينتظرون موته العاجل سوف يفاجأون قريبا بان توقعاتهم سقطت في الماء تماما مثلما سقطت توقعات بعض ضيوف المؤتمر العاشر حول احتمال تغيب الرئيس التونسي عن حضور المؤتمر العاشر لحركة النهضة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

«الإسلام السياسي» يدفن حيا في تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية