الإسهال المعرفي في الثقافة العربية المعاصرة

حجم الخط
0

■ تشهدُ السوق المعرفيةُ في جغرافيةِ الوطن العربي حركةً دائبةً ومشهدًا متحركًا يتمثل في معارض الكتاب، التي تقامُ في دول عربية أصبحت دورتُها السنوية معلومةً لدى جميع متتبعي الحقل الثقافي، وهي ظاهرة صحية في ظاهِرها، خاصة عندما تُعـــقد جلســـاتٌ، وتُوقع مؤلفــاتٌ، وإبداعات على هامش المعارض. غير أن المشهدَ البراق لهذه المعارض وما يصحبُها من استنفار إعلامي: سمعي، وبصري، ومكتوبٍ، ينبغي أن لا يحجُبَ عنا المشهد الآخر: المشهد الخفي، والثابت والمتحجر للمعرفة.
فإذا كانَ العربُ «أمةً لا تقرأ»، فلماذا يُتعِبُ الكتاب أنفسهم؟ ولماذا يكتبون؟ ولمن يكتبون؟ إن الواقع الراهن للمعرفة العربية يعاني من خلل بيّن في ميزانه التجاري: إسهالٌ في التأليف والكتابة والإبداع، وعزوفٌ عن القراءة والاطلاع والانتفاع. فهل أصبحت الكتابةُ ظاهرة مرضيةً لدى بعض الكتاب؟ وهل تضطلع معارض الكتب بدور سلبي عندما يتعمد كثير من الباحثين أو المبدعين إلى الحرص على الظهور بوجهه (لحمه ودمه)، أو بصورتِه على غلاف كتابه؟
فما أن يودعَ (القراء) المعرضَ، ويجمعُ الكُتبيون، والطابعونَ، والناشرون ما تبقى لهم من كتبٍ وأدواتٍ حتى تبدأ حركة الكتابة والإبداع من قبل فئة من الكتاب والمبدعين ـ مع استثناءاتٍ بالطبع ـ إعدادًا للمعرض المقبل، كي تكون البضاعةُ جاهزةً للعرض بغض النظر عما يوجد في هذا الكتاب أو ذاك من إضافة جديدة، أو أفكار مفيدة، أو تخط لعتبة الأسلوب الركيك المُتخَم بالأخطاء اللغوية والإملائيةِ، أو سَن طريقٍ لا قِبَل للسابقين به في عوالم الأجناس الأدبية، وفنية التعبير، وروعة التصوير، مع تحقيق الرسالة السامية التي هي وشاحٌ يتقلدُه الكثير من الكتاب للأخذ بيد مجتمعاتهم، والرقي بها بعيدا عن مُستنقع السياسة، والطائفية الضيقة، أو البحثِ عن التتويج والشهرة.
لا تزال قصائدُ الشعر العربي تُطربُ المتذوقين للغة العربية (وقد أصبحوا قلة في أوطاننا) بلغتهم، ومدْحهم، وهجائهم، وكبريائهم، وأنَفتهم، وعزتهم، وحقارتِهم، وذلهم، وصدْقهم، وكذِبهم، وفُحشهم وزُهدهم… وقد اكتسب التراث العربي – شعره ونثره- صفة الخلود حين لا يزال يعيش بيننا بإمتاعه ومؤانسته لنا، لأنه مثّل ويُمثلُ الهُوية العربية، ويَعكِس عقليتها في جميع الميادين المعرفية… ونجد ـ في مقابل هذا التراث ـ نسبة كبيرة مما تنتجه المعرفة العربية الحديثة والمعاصرة تولد ميتة أو مُحنطةً أو مُجمدةً أو مُصابةً بعاهات مستدامة، أو برُضُوضٍ، وخُدوش، وكُلومٍ عصية على علاجها وجبْر ضررها… فالكل أصبحَ مبدِعًا وكاتِبا وروائيا وقاصا وناقدا، وأصبحتْ عناوينُ الكتُب في المعارض تُجانس نفسَها، وتجتر بعضَها، وتدور في حلْقة مُفرغَة، وهي في ذلك لا تختلف عن كثيرٍ عن الندوات والمؤتمرات التي تقام في كثير من الجامعات العربية… لقد تجاوزَ الغربُ الكثير من المفاهيمِ والقضايا والمدارس النقدية التي أصبحت في ذاكرةِ الماضي، ويتم بعثُها من جديد في مؤلفاتٍ عربية، وتتبناها جامعات عربية في مؤتمرات وندوات تعرف إسهالا واجترارا وصحوةً غير صحية لبعثِ جثثٍ دفَنها أهلُها، وودعوها وطلقوها طلاقا بائنا، ونصبنا أنفسَنا فقهاء للقراءة عليها بغير أجْر ولا ثواب… وهكذا ضيعنا أنفسنا، وشوهنا الآخر الذي نلهثُ وراءه وهو غير راغب فينا، ولا عابئٍ بنا.
لقد أصبح العرب اليوم بدون هُوية معرفيةٍ. وهم في طور افتقاد بصْمتهم الجينيةِ بشكل كامل بعدما كانت ملْكا لهم على مر العصور بامتياز. ولا يمكن للآخر أن يُنكر بصمةَ العرب في العصر الجاهلي، والإسلامي، والأموي، والعباسي والأندلسي. لقد كانت البصمة الجاهلية في الجاهلي، والإسلامية في الإسلامي، والأموية في الأموي، والعباسية في العباسي، والأندلسية في الأندلسي؛ أي أن العرب تركوا خصوصيتهم في كل تلك الحقب الأدبية/ السياسية. أما اليوم فلا نستطيع أن نثبتَ للمجتمع الإنساني هذه الخصوصية، لأن ما يُنتجه العرب من المعارف اليوم أغلبه لقيط، أو تقليد، أو نقل. كما أنه لا يعبر عن الخصوصية العربية. فلذلك تجنح الجامعات الغربية إلى توجيه الطلاب العرب الذين يفضلون متابعة دراستهم هناك إلى دراسة التراث العربي لأنهم يريدون أن يعرفوا عنا المزيد، ولأنهم يعرفون أن الأدب العربي الحديث لا يمثل العربَ، ولا يعْدو أن يكون أدبا مُشوها للنتاج الغربي الحديث، أو مشوها للنسخة الأصل. كان بودي أن أَعرضَ لعناوينِ كُتبٍ، ولأسماءِ نقاد ومؤلفين، ولندواتٍ، ولمؤتمراتٍ ولجامعاتٍ، ولكني آثرت العُدول عن ذلك، والعُدول فن من أفانين التعْبير و الإشارة والإيحاء.

٭ كاتب عماني

الإسهال المعرفي في الثقافة العربية المعاصرة

عبد المجيد بنجلالي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية