القاهرة – «القدس العربي»: يعتني الكاتب الروائي والباحث عبد الرشيد محمودي اعتناء خاصا بتراث عميد الأدب العربي طه حسين، فقد كتب دراسات مطولة حول أدبه وحياته ومعاركه، وأصدر كتابا مهما قبل عدة شهور ضمنه الكثير من المعلومات والقضايا الفكرية تحت عنوان «طه حسين بين السياج والمرايا»، وما أن خفتت أصداء الكتاب الأول، حتى فاجأنا محمودي بإصداره الثاني عن العميد مطبوعا باللغتين العربية والفرنسية بعنوان «طه حسين الأوراق المجهولة»، وهو تدشين آخر لكنوز طه حسين ومخطوطاته الفرنسية مترجمة في طبعة أنيقة تليق بصاحب الأوراق، بمبادرة من المركز القومي للترجمة.
يقول عبد الرشيد محمودي في تصدير كتابه الذي يقع في حوالي مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويحوي عناوين مهمة من أهمها «قوة القرآن مشروحة لغير المسلمين»، «مشكلة الشرق»، «الترجمة في الثقافة العربية»، «خطاب طه حسين في جامعة أثينا بمناسبة منحة الدكتوراه الفخرية» وغيرها يقول الكاتب في التصدير: النصوص يضمها هذا الكتاب مجهولة لأنها مسودات أملاها عميد الأدب العربي بالفرنسية، ولم يعن بنشرها لأسباب غير معلومة، ولذا فهي مخطوطات ظلت مطوية بين أوراقه المهملة ولم يتم اكتشافها إلا مؤخرا وقد آثرت نشرها بالعربية والفرنسية، مرفقا في محتوى الكتاب بعض الأصول الفرنسية زيادة في الدقة والتأكيد وضمانا لحفظها بعيدا عن التلف والضياع والتشتت، غير أن إصدارها في كتاب يتيح تداولها والاطلاع عليها على نطاق واسع في كثير من دول العالم، خاصة أن طه حسين كان يستهدف بهذه الكتابات غير الناطقين بالعربية.
عن مشكلة الشرق وهو العنوان الذي وضعه طه حسين بنفسه لمقال عثر عليه في مخطوطة لا تحمل تاريخا، ولكن سياقها يدل على أنها كتبت غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، ويبدو أنه أراد أن يسهم بها في المؤتمر الذي عقد عن سوء التفاهم بين الشرق والغرب في مدينة البندقية «إيطاليا» عام 1945، ولعل طه حسين أراد أن يحدد في المقال أسباب سوء التفاهم الواقع بين الطرفين ويطرح حلولا للعلاج. واللافت للنظر لما يقوله عبد الرشيد من أن المخطوطة التي مر عليها نحو 70 عاما لا تزال تحتفظ بقوامها ووضعها وهي تصلح مع إجراء بعض التعديلات المناسبة للمشاركة بها في مؤتمر مماثل يعقد الآن. وفي المقال أو المخطوطة إشارة صريحة للولايات المتحدة الأمريكية بدلا من أوروبا بوصفها الممثل الرئيسي للطرف الغربي في الأزمة القائمة بين الشرق والغرب، وفي هذه الحالة تصدق الانتقادات التي وجهها طه حسين إلى الغرب بسبب وعوده التي لا يفي بها وتحايله الذي لا ينتهي وأطماعه التي يريد تحقيقها، من دون مراعاة للتطور التاريخي ومطالبة الشعوب المستضعفة بالحرية والاستقلال والعدالة والمساواة والعيش في كرامة.
وفي هذا السياق يركز طه حسين على مشكلتين أساسيتين يرى ضرورة حلهما من أجل تحقيق التفاهم والسلم بين الجانبين، مشكلة شمال أفريقيا أو المغرب العربي والمشكلة الفلسطينية.
أما الوارد في المخطوطات بخصوص الترجمة في الثقافة العربية بعنوان «تقرير»، وهو مقال مهم كتبه عميد الأدب العربي باللغة الفرنسية عن مشروع لليونسكو كان يرمي إلى ترجمة بعض المؤلفات الكبرى إلى جميع اللغات، ولكن يبدو أن المقال المعد في شكل تقرير قدم في فترة الخمسينيات من القرن الماضي اقتراحات وتوصيات بشأن تنفيذ المشروع، خاصة في ما يتعلق باللغة العربية لم يوجد له أثر في مخطوطات اليونسكو، بينما هو موجود في مخطوطات طه حسين.
ولعل أهم مخطوطات طه حسين التي عثر عليها عبد الرشيد محمود مقال أملاه طه حسين بالفرنسية عن قوة القرآن من الناحية الصوفية مشروحة لغير المسلمين، وهو يتألف من 21 صفحة، فقد منها 3 صفحات، الثامنة والتاسعة والعاشرة، وتحمل الصفحات الموجودة الكثير من التصويبات مكتوبة بخط اليد على عكس المقال المكتوب على الآلة الكاتبة، ومن بين التعديلات أو التصويبات الواضحة في المقال أو المخطوط تصويب في العنوان يدل على أن طه حسين لم يكن راضيا عنه تماما فهو مشطوب، ولكنه مقروء، وأغلب الظن أن الشطب حدث بموافقة الكاتب، لأنه ليس من المنطقي أن يكون قد حدث من دون علمه، لكن أين العنوان الآخر فهذا غير معروف كما يؤكد عبد الرشيد محمودي نفسه. وحسبما هو مذكور فإن هذا المقال من أهم ما كتب طه حسين عن بلاغة القرآن وجمالياته اللغوية وإعجازه والجانب الصوفي فيه.
ولم تكن هذه الدراسة الوحيدة التي كتبها العميد عن عظمة القرآن وقوة اللغة فيه، بل هناك دراسات كثيرة كتبها، من بينها على سبيل المثال، الدراسة التي تناول فيها استخدام ضمير الغائب في القرآن كاسم إشارة ولكنها دراسة نحوية موجهة لمتخصصين، حسب رأي الباحث المعتني بتراثه والحامل على عاتقه رسالة الحفاظ عليه عبد الرشيد محمودي.
كمال القاضي