الإصلاح الإسلامي بين الحديث والقديم

■ يبرز المفكر المغربي علي أومليل، أن تغيُّراً جوهريّاً وقع في موقف دعاة الإصلاح الإسلامي الحديث، جعلهم يختلفون عن دعاة الإصلاح القديم، رغم تشابه الخطاب على مستوى الظاهر، «نحن نعلم أن الإصلاح الإسلامي الحديث جاء جواباً على هجوم أجنبي، فهل هذا هو الذي يفسّر اختلافه عن الإصلاح القديم؟ نعم، وإن كان هذا وحده غير كاف لتفسير الاختلاف بينهما. فقد انهزمت البلاد الإسلامية أمام قوى أجنبية مراراً قبل العصر الحديث؛ بل إن غزو أوروبا الحديثة لبلاد الإسلام لم يكن أول غزو أوروبي لها، فقط غزته قوى أوروبية في العصر الوسيط، وأعقبت ذلك ردود فعل إصلاحية ظلّت ـ كما سنرى ـ دائرة داخل المنطق المعهود للإصلاح الإسلامي الذَّاتي، بدون التفات إلى ما عسى أن يقتبس من الآخر المتفوِّق من أشياء تفسر تفوقه وتصلح لأن تُؤخذ لتدمج ضمن مشروع إصلاح مقترح.
ليست العلاقة بين عالم إسلامي مغلوب وأوروبا غالبة هي وحدها التي تفسر كون الإصلاح الإسلامي الحديث يختلف في منطقه عن القديم. فقد عرف تاريخ الإسلام قبل انهزام البلاد الإسلاميَّة أمام أوروبا الحديثة مواقف من هذا القبيل. ففي العصر الوسيط، ثم في مستهل العصور الحديثة لحقت ببلاد الإسلام هزيمتان كبريان أمام قوى أوروبية انتهت باحتلال مناطق من العالم الإسلامي، الأولى في مواجهة الحملات الصليبية، والثانية أمام القوى الإيبيرية، وفي كلتا الحالتين وقعت ردود فعل إصلاحية. ولكننا إذا رجعنا إلى الكتابات التي نتجت عن هاتين الهزيمتين، لن نجد عند أصحابها لا وعياً بالتأخر تجاه الأجنبي الغالب، ولا تساؤلاً عما عسى أن يكون وراء تغلبه من أسباب يتحتم الأخذ بها في الإصلاح، وفي هذا بالذات سيختلف الإصلاح الحديث عن القديم، إذ إن الإصلاح الإسلامي الحديث ينطلق من هذه المسألة الأساسية: التسليم بالتأخر تجاه أوروبا (حتى ولو اعتبر تأخرا جزئيا).
في هذا الموقف يختلف الإصلاحان الإسلاميَّان القديم والحديث، ونكرر أن مجرى الانهزام أمام الأجنبي لم يكن وحده السبب في التسليم بالتأخر، ولا في إدخال الآخر كبعد أساسي في منظور الإصلاح».
فالغزالي مثلا، الذي راودته نية إصلاح عصره، والذي يكشف عنها في كتابه «إحياء علوم الدين»، الذي وضعه أثناء الحملة الصليبية الأولى، التي احتلت مجموعة من الأراضي الإسلامية بما فيها القدس، ظل حبيس نظرة ضيقة تحمل على القوى الداخلية ـ الشيعة والإسماعيلية ـ وتتجاهل القوى الأجنبية الغالبة، إذ تنعدم عنده أدنى إشارة إلى الأجنبي الغالب «لا عن طريق مقارنة تؤدي إلى وعي ما بالتأخر تجاهه، ولا ما قد يدفع إليه مثل هذا الوعي من البحث عن وسائل من الخارج تساعد في الإصلاح. إن الآخر غائب تماما من مشروع الغزالي. الإصلاح عند الغزالي متصور حسب المنطق المعهود للإصلاح: أي إرجاع الحافز إليه إلى خلل داخلي حل بالأمة وتفسير هذا الخلل بالخلاف، أي افتراق المسلمين فرقاً متصارعة، والتماس الحل في توحيد الذِّهن والسياسة. وطريق هذا كله يتمثل في نبذ التقليد والعودة إلى إسلام الأصل. فرغم أن إصلاح الغزالي قد صيغ والبلاد الإسلامية تواجه غزوا أجنبيا، فإننا لا نجد عنده تساؤلا عما قد يكون عند الأجنبي، مما يفسّر تفوّقهُ ويدفع إلى مقارنة تكيّف مشروع الإصلاح. ففي إصلاح الغزالي: الإسلام مكتف بذاته» .
موقف سقيم كهذا كان لا بد له أن يأفل، خصوصا بعد التدخل الأجنبي في البلدان الإسلامية إبان النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ سرعان ما سيتخلى المفكرون المسلمون عن موقف أسلافهم الذي يدعو إلى إسلام يرتدّ إلى ذاته وحدها ويتلمس من خلالها مصدر الإعضال ويطلب سبل الإصلاح، وسيلجأون عوضا عن ذلك إلى الآخر، وسيتخذون منه نموذجا في وضع تصورهم حول مسألة التأخر والانحطاط، وهنا بالضبط يتميز الإصلاح الحديث عن الإصلاح القديم. إنه إصلاح يؤمن بتأخر العرب مقارنة بالغرب، رغم أنه يحصر تقدم الغرب في مؤشرات مادية. «نعتقد أنهم ذهبوا إلى ما هو أبعد، فهم في الواقع اعتبروا تفوّق الغرب أو البلاد الأوروبية التي تعرفوا عليها، راجعاً أساساً إلى نظامه السياسي الضامن في رأيهم للحرية والمقيد للسلطة بالقانون، وأنَّ تأخر الشرق بما فيه البلاد الإسلامية راجع أيضا إلى طبيعة نظامه السياسي القائم على الاستبداد. إنَّ هذا الموقف يصدق على الفكر الإصلاحي العربي والإسلامي عموماً، سواء ذلك الذي قام باسم السلفية أو ذلك الذي أراد أن يكون ليبراليّاً. هنا يلتقي لطفي السيد مع علال الفاسي، كما يلتقي محمد عبده مع خير الدين التونسي. في هذا الموقف الأساسي يشترك من سُموا بالسلفيين مع من نُعتوا بالليبراليين، مما يدل على أن التمييز بين هاتين الفئتين في الفكر العربي الإسلامي لا يخلو من التباس، فالجميع ينطلق من إشكالية واحدة تقبل بالتأخر وترجعه إلى طبيعة المؤسسة السياسية وتقيمه بناءً على ثنائية ‘الشرق والغرب.
وفي هذا كله يعكس هؤلاء جميعا الصورة التي كوّنها المفكرون الأوروبيون أنفسهم، خاصة مفكري القرن الثامن عشر عن الشرق، وعن تأخره الذي أرجعوه إلى نظامه الاستبدادي. فحتى المصلحون السلفيُّون المحدثون قبلوا بهذه الإشكالية، فتحدثوا هم أيضا عن تقابل الشرق والغرب، وحصروا المشكل في نظام السلطة، وصبوا جامّ غضبهم على الاستبداد الذي اعتبروه السبب الأول في الانحطاط، ودعوا إلى تقييد السلطة بأصول العدل الإسلامي، وهنا نستثني حركات الإصلاح الحديثة التي نشأت خارج المناطق الحضرية: الوهابية والمهدوية والسنوسية. ولما كان الفكر الإصلاحي الإسلامي في القرن الماضي وحتى أواسط هذا القرن ـ وهو يجيب على الفكر الغربي، ويقتبس منه ـ إنما يتوجه أساساً إلى الأفكار الليبرالية، فإنه سعى إلى إيراد المرادف الإسلامي لها وذلك قبل أن تروج الأفكار الاشتراكية داخل الفكر الإسلامي نفسه فيقوم بالعملية التأويلية نفسها. وهكذا، وجوابا على الأفكار الليبرالية، عمل على إحياء مفاهيم بعينها من التراث الفكري السياسي الإسلامي، وبالأخص مفهوم الشورى الذي لعب دوراً مركزيّاً في دعوته الإصلاحية السياسية».
يستعمل الإصلاح الإسلامي الحديث مفاهيم عن الحرية والدستور والمصلحة، وهي مفاهيم مقتبسة من فكر سياسي حديث ذي مجتمع مدني تمكن من القطع مع تراثه الديني. حاول إصلاحيونا تأويل هذه المفاهيم وصياغة مرادفات تحيل إلى معانيها، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام مرادفات لم تتخلص من دلالتها الدينية، ما أدى إلى نشوء سوء تفاهم بين مفاهيم إسلامية ومفاهيم تنتمي إلى مجتمع مدني حديث مثل مرادفة «الديمقراطية» بـ»الشورى»، و»نواب الأمة» بـ»أهل الحل والعقد»، و»حرية الفكر» بـ»الاجتهاد». «إنَّ المفاهيم الأجنبية التي لجأ إليها مفكرو الإصلاح الإسلامي الحديث والمتعلقة بالتنظيم المدني للمجتمع والسياسة، انتهت ـ في مجالها الأصلي ـ إلى الانفصال عن دلاليتها الدينية. وقد لعبت الفلسفة الحديثة بالخصوص ـ بعد أن انفصلت عن الفكر الوسيط ـ دورا حاسماً في توفير جهاز مفاهيم يختص بالمجتمع المدني الحديث. هذه المفاهيم التي صاغت فلسفةً مستقلةً، تتعلق بمجتمع مدني هي التي تلقاها مفكرو الإصلاح الإسلامي وسعوا إلى إدراكها، بواسطة مفاهيم ما زالت لصيقةً بدلالية دينية. ليس فقط لأن الفلسفة العربية الإسلاميَّة ـ التي كان عليها أن تصوغ مفاهيم مستقلة عن هذه الدلالية ـ قد أصابها الجمود منذ قرون، بل حتى في فترة ازدهارها ظل نصيب الفلسفة الاجتماعية والسياسية هزيلا، ولا أدل على ذلك من ضحالة حديث الفلاسفة الإسلاميين وغرابته عن السياسة وعن المدينة الفاضلة».
كما أولى مصلحونا مسألة التربية والتعليم اهتماماً عظيما في أبحاثهم، وذلك يرجع إلى وعيهم المتأخر بأن مشكل الانحطاط لا يرتبط فقط بالنظام الاستبدادي، وإنما يرتبط أيضا بالرعايا الذين لم يستوعبوا بعد مفهوم المواطنة، فالنظام السياسي ليس سوى مرآة تعكس صورة المجتمع ونخبته، ومن ثمة علينا محاسبة المجتمع والنخبة بالقدر نفسه الذي نحاسب به النظام السياسي، ذلك أن هذا الأخير لم يسقط على رؤوسنا من فراغ ولا يعمل في استقلال عن محيطه الداخلي، فـ»مشروع التعليم هذا ليبيرالي كما يبدو، ويمكن اعتباره صدى للمدرسة التربوية الليبرالية الفرنسية، كما أرسى دعائمها جول فيري (1832 ـ 1893) الذي كان أبرز المدافعين عن المدرسة اللائكية. ولكنه مشروع سياسي في عمقه، صادر عن هذا التصور الذي يشترك فيه طه حسين مع أسلافه من المفكرين العرب المحدثين، حين أرجعوا مشكل تأخر بلدانهم إلى طبيعة نظام الحكم المطلق السائد، وحله بإقرار مؤسسات دستورية، وهي نفسها الديمقراطية التي دافع عنها أيضا صاحب مستقبل الثقافة في مصر، وجعل تحقيقها متعلقاً بإعادة تربية المصريين، وبذلك يتحقق المجتمع المصري الحديث على الأسس نفسها التي قامت عليها الحضارة الغربية».
لا يمكننا حسب علي أومليل أن نفهم قيمة مبدأ التعليم بما هو ركيزة ليبرالية، واعتباره أساس الديمقراطية، بدون استيعاب الظرفية التاريخية التي تبلور فيها، باعتباره حقّا أساسيّاً لكل مواطن من جهة، ثم ارتباطه بظهور الدولة الوطنية الحديثة من جهة أخرى.
«لماذا لم يظهر هذا الحق في اليونان مثلا مادام طه حسين قد اعتبر نظام اليونان أصلاً للغرب الحديث؟ ولماذا لم يظهر في العصور الوسطى المسيحية والإسلامية على السواء، واقترن ظهوره بميلاد الدولة الوطنية وتطورها مع بدايات العصور الحديثة؟ كل هذه أسئلة لا نجد لها صدى عند صاحب»مستقبل الثقافة في مصر».

٭ أستاذ وباحث من المغرب

الإصلاح الإسلامي بين الحديث والقديم

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية