الإضرابات المدرسية قصة إخفاق جزائرية

لا أتمنى أن أكون في رداء أب جزائري يبعث أطفاله كل صباح إلى المدرسة لتلقي التحصيل العلمي. ولا أحد يحسد أولياء الأمور والعائلات الجزائرية التي لديها أطفال في سن التعليم هذه الايام. ذلك انه لا توجد مدرسة ولا يوجد علم ولا يوجد معلمون، ولا توجد وزارة تعليم.
التعليم الثانوي في الجزائر متوقف منذ أكثر من شهر بسبب إضراب دعت له نقابة الأساتذة لأسباب فيها من التفاصيل ما يجعلها أعقد من أن يستوعبها عامة الجزائريين وآباء التلاميذ الضحايا.
هي مطالب تتراكم وتتكرر من سنة إلى أخرى مع تنقيح تفرضه ظروف السنة الجديدة، أو بدونه. مطالب بعضها معقول وبعضها مبالغ فيه، بعضها من صلاحيات الوزارة والآخر من صلاحيات الحكومة. لكن الحكومة، سابقا وحاليا، لا تريد حلولا لأن ذلك يعني جهدا أكبر منها وموازنات أكثر وترتيبات لا قِبل لها بها. لكنها لا تستطيع أن تجاهر برفضها لأنها تخشى ردات فعل نقابات التعليم بجيوشها من المعلمين المنتسبين وغير المنتسبين.
كل ما هنالك أن الحكومات الجزائرية، منذ عشرين سنة، تراهن على الوقت وتعب النقابات وانقسامها وانقلاب التلاميذ وأوليائهم عليها. بيد أن العكس هو الذي يحدث. أو على الأقل لم تنقسم النقابات ولم ينل منها الزمن ولم ينقلب عليها التلاميذ والآباء بشكل يهدد حركيتها ووجودها.
إحدى الإحصائيات اشارت إلى أن المدرسة الجزائرية خسرت سنتين تعليميتين خلال السنوات العشر الماضية، جراء الإضرابات. لا يوجد بلد في الكرة الأرضية يقبل هذا لأبنائه، لكن الجزائر تقبل. عندما لا يُضرب معلمو الابتدائي عن العمل، يضرب معلمو الثانوي. وعندما لا يضرب معلمو الثانوي والابتدائي، يضرب أساتذة الجامعات. وعندما لا يضرب أساتذة أيٍّ من الأطوار التعليمية، يضرب التلاميذ والطلاب عن الدراسة. واحيانا تأتي فترات سوداء يضرب فيها هؤلاء جميعا.
في الجزائر سخاء مفرط حتى في الإضرابات، إذ بينما تحسب نقابات التعليم (وغيرها) في البلدان الأخرى إضراباتها بالساعات والدقائق حفاظاً على مصالح التلاميذ، لا تحسب نقابات التعليم في الجزائر شيئا، فتدعو لإضرابات تدوم شهراً وشهرين، وأحيانا أكثر. ويشن الطلاب إضرابات تطول حتى ينسوا متى بدأوها.
في السنوات العشر الماضية، وربما أكثر، لم يمر موسم دراسي واحد بلا إضرابات من النوع الطويل زمنيا. وفي نهاية الموسم ينجح التلاميذ بامتياز وينصرف المعلمون والمسؤولون إلى إجازاتهم الصيفية وكأن شيئا لم يكن. ثم لا يلبث الموسم الدراسي أن يبدأ أن تلوح في الأفق تهديدات بإضرابات كل ما فيها يؤكد أنها تكملة لإضرابات الموسم الدراسي الماضي.
والنتيجة أن المدارس والجامعات الجزائرية لا وجود لها في قوائم المدارس والجامعات العالمية. لا تنافس ولا أمل لها في أن تنافس حتى جامعات الدول الأقل إنفاقا وثراءً من الجزائر.
والنتيجة الأخطر غياب خطير للثقة والاحترام بين أطراف العملية التعليمية. الآباء لا يثقون في المعلمين، المعلمون يشككون في جدية التلاميذ ويشكون من إهمالهم. التلاميذ لا يحترمون المعلمين.. وهكذا. إن وُجدت استثناءات فهي لا يقاس عليها.
واقع محزن يبعث على الإحباط. والأكثر مدعاة للحزن ألاَّ أحد يشعر بحجم الجريمة التي تُرتكَب في حق أجيال كاملة: معلمون وأساتذة لا نهاية لمطالبهم المهنية والاجتماعية، وهم أقرب إلى الأنانية في المطالبة بها، وحكومة تشتري الوقت، ووزارة تعليم لا تخرج من حفرة إلا لتقع في أخرى.
ما يؤلم أكثر في هذه الكارثة أن الذين في أيديهم سلطة اتخاذ القرارات يبعثون بأبنائهم وبناتهم للدراسة في فرنسا وأوروبا وأمريكا، بينما ينهل أبناء عامة الشعب من المدرسة الجزائرية المنكوبة. هكذا بالضبط يتصرفون عندما يتعلق الأمر بالعلاج.. الخارج هو الحل لهم ومستشفيات الموت هدية لعامة الشعب.
في دفاعها عن نفسها وسعيها لإخلاء مسؤوليتها في هذه اللوحة السوداء، قالت وزيرة التربية والتعليم نورية بن غبريط يوم السبت إن إدارتها ستوزع على تلاميذ البكالوريا أقراصا مضغوطة وأرقام حسابات لأخذ دروسهم على الإنترنت حتى لا تضيع منهم السنة الدراسية. كمن يعالج البواسير بعملية في القفص الصدري! في بلد لا تجد بعض عائلاته ما يسد رمقها، وتخلو نصف البيوت من أجهزة كمبيوتر وربط بالإنترنت، تدعوالوزيرة تلاميذها إلى مواصلة التعليم عبر الإنترنت بدلا من أن تحل مشاكلها. وكمن سبقوها على رأس الوزارة، اتهمت الوزيرة نقابات التعليم بالتسبب في تعفن الواقع المدرسي وقالت إن التلاميذ تلقوا ثلاثة أرباع مما هو مقرر لهم. في اللغة السياسية الجزائرية، عندما يقول مسؤول حكومي إن التلاميذ تلقوا ثلاثة أرباع المقرر، فثق أنهم تلقوا ربعه أو أقل.
لا قيمة لتبادل الاتهامات والقذف بالمسؤولية تجاه الآخر. هذا الواقع هو صورة عاكسة لإخفاق فادح يتحمله المجتمع ككل. مجتمع يستمتع بتحويل أصحاب المهن النبيلة والجادين والكادين إلى مسخرة يعيّرهم الحفاة العراة والجهلة الذين يزنون أوراقهم النقدية في أكياس البطاطا والفاصوليا. لا قيمة للمهن النبيلة، على رأسها التعليم، لأن الأفضل والأشطر، في نظر المجتمع، هو الذي يكسب مالاً أكثر في وقت أقصر بجهد أقل. مَن لا تتوفر فيه هذه الثلاثية، خائب وفاشل وتعيس. هكذا يحكم المجتمع بتزكية وتشجيع من منظومات الحكم وأهلها.
ضاع وقت كثير وأصاب الجزائر ما يكفي ويزيد من الجهل والتجهيل، وتخرجت اجيال بشهادات جامعية يستحي المرء بها لأنها لا ترقى إلى مستوى شهادة ثانوية. الحل ممكن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يلعننا التاريخ جميعا وتلعن أجيال كاملة انتماءها ذات يوم لمنظومة تعليمية هذا هو حالها.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية